حضوره مستمر بمؤلفاته الـ38 والمؤسسة الرائدة التي أنشأها تزداد الحاجة لوجودها
بيروت ـ «القدس العربي»: أن يكون الراحل الكبير وليد الخالدي «مؤرخاً له مكانه ومكانته الفلسطينية والعربية والدولية.. ومتميزا بتفكيك التزييف الصهيوني ورواياته المضللة التي صاغها وألفها المشروع الكولونيالي»، كما جاء في مجلة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، فهو كذلك دخل كل بيت فلسطيني وعربي عبر مؤلفين يحاكيان الطفل والشاب والكهل والشيخ وعلى مدى الأزمان. «قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876ـ 1948»، و«كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها». وهما من إصدارات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والتي أوردت في عددها الخاص رقم 143 الصادر صيف 2025 مجموعة مؤلفاته، وبلغت 20 بالعربية، و18 بالإنكليزية. كان عدداً احتفائياً بالخالدي «مؤسس مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى جانب قسطنطين زريق وبرهان الدجاني» سنة 1963. وفي هذا العدد الذي حمل عنوان «وليد الخالدي: مئة عام من العطاء» كانت 24 تحية خاصة من الذين عملوا معه. ووصفته هيئة التحرير في مجلة المؤسسة باعتباره «حارساً أميناً على مستقبلنا».
يُذكر أن العدد 96 الذي صدر في خريف سنة 2013 بمناسة مرور 50 عاماً على تأسيس مؤسسة الدراسات حمل تحية للمؤسس الذي «اكتشف باكراً أن مقاومة الغزو الصهيوني تحتاج لمعرفة علمية دقيقة». وفي رحيله قالت مجلة مؤسسة الدراسات إن مؤسسها رحل وهو «متيقن لمدى الحاجة الماسة إلى استمرارها… لأن أسباب تأسيسها الأولى ما زالت قائمة، بل تزداد ضراوة وتتخذ أشكالاً جديدة».
برحيل وليد الخالدي ألحّ السؤال عن الإنسان داخل قامة كبيرة في تاريخنا العربي. وكانت إجابات من معاصرين وعاملين معه هم الأساتذة محمود سويد، نيرمين عباس وصقر أبو فخر.
محمود سويد المدير العام السابق: كان الخالدي نصيراً للعاميلن في المؤسسة
تولى الأستاذ محمود سويد إدارة المؤسسة بدءاً من أواخر 1982 بسؤالنا له عاد إلى البدايات ليقول: خلال العام 1970 قال لي زميلي في مجلة «الأسبوع العربي» المرحوم انطوان بطرس إنه يشغل مهمة مدير مؤسسة ناشئة اسمها مؤسسة الدراسات الفلسطينية. وقد بدأت بإصدار سلاسل توثيقية وكُتيبات، تتعلّق بالقضية الفلسطينية، وسيهديني ما يصدر عنها، مقابل أن أكتب خبراً أو مقالاً عن كل إصدار يوزعه على الصحف. وكنت رئيساً للقسم الثقافي في مجلة «الأسبوع العربي»، وكاتب مقال سياسي من وقت لآخر، وجميعها تتناول القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية. وكانت تحتل المركز الأول من اهتماماتي منذ نشأتي طفلاً في قرية كفرحام على حدود قرى الجليل، وتُطل على سهل الحولة وبحيرتها وقد رسمت أشعة الشمس عليها خطوطاً لمّاعة وجميلة. وفي أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي تعرّفت على قوافل من الجولان ومن قرى الجليل يتبادلون شتى منتوجاتهم، مع منتوجات قرى العرقوب وخاصة قريتي كفرشوبا وكفرحمام. وفي سنواتي الأولى ألفت وسمعت ورأيت رجالا من الجليل والجولان أكثر بكثير مما عرفت من لبنان. وفي الحادية عشرة من عمري انتقلت إلى مدرسة فيصل الأول التابعة لكلية المقاصد في صيدا، وانشغلت كغيري من التلاميذ بفلسطين التي صارت قضية، بسبب الحرب التي شرّدت أهلها إلى ضواحي المدن اللبنانية. وأول قصيدة كتبتها ونشرت في مجلة طلاب المقاصد دعت في الأول لـ«أكرم ضيوفك يا لبنان مكرمة…» هذه كانت علاقتي بفلسطين وقضيتها، التي لم أعرف أني سأنتمي إليها لنحو نصف قرن من حياتي.
ويتابع: بدأت عملي في مؤسسة الدراسات الفلسطينية في الربع الأخير من العام 1970، عندما طُلب مني تحرير نشرة هي الأولى في البلاد العربية آنذاك، تضمُّ ترجمات عن الصحافة الإسرائيلية. تعرّفت إلى مجموعة من الزملاء، وأكثرهم يُلمّ بالعبرية أثناء دراستهم الثانوية في مدارس فلسطين تحت الاحتلال. وكان أول من التقيتهم في الفصل الأخير من العام 1970 الأستاذ وليد الخالدي، وكان يشغل منصب أمين سر مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية، منذ تأسيس المؤسسة وحتى استقالته، واختياره بإجماع مجلس الأمناء رئيساً فخرياً للمؤسسة. وفي هذا اللقاء شرح لي الهدف من إقامة مؤسسة عربية للدراسات الفلسطينية، وأن الصراع لا يقتصر على السلاح، بل الأهم مقارعة الصهيونية بالفكر والبحث والرد على ما أشاعته عن فلسطين وتاريخها.
وأضاف: في المرحلة الأولى من عملي كنت ألتقي الأستاذ وليد في اجتماعات هيئات المؤسسة، مرحلة امتدّت من 1971 إلى 1982. وعندما تمّ اختياري مديراً للمؤسسة في خريف عام 1982 خلفاً للحكم دروزة، الذي أقام في القاهرة بعد رحيل معظم الفلسطينيين من لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي. كنت مع الدكتور هشام نشّابه في وداع الأستاذ وليد الخالدي وهو يغادر إلى الولايات المتحدة فقال لنا: ستتحملان مسؤولية المؤسسة ما دام ذلك ممكناً. وإذا ساءت الأحوال واضطررتما إلى إقفالها، نحن في مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية نتفهم ذلك.
وتابع: لم يكن وليد الخالدي ثرياً وكان يعيش مما يتلقاه كأستاذ جامعي متقاعد من مخصصات تكفي لحياة متواضعة. وكان من بين كبار المسؤولين في المؤسسة ونصير العاملين. وكنت أعدّ في آخر كل سنة موازنة مكتب المؤسسة في بيروت، وموازنات فروع في رام الله، وباريس ولندن. وكانت المؤسسة تتعاقد مع شركة تأمين لمساعدة العاملين على مصاريف الطبابة. وتُقدّم لهم مساعدات مدرسية تأخذ بالاعتبار تغيير الصفوف في كل عام. ولدى مناقشة الموازنة، كان الأستاذ الخالدي يتولى الرد على أسئلة اللجنة، ويدافع عن الزيادات الممنوحة عندما يتطلب الأمر ذلك.
ويضيف سويد: كأمين سر كان الأستاذ الخالدي يزور مكتب بيروت كونه المقر الرئيسي للمؤسسة مرات عدّة في السنة، ويمضي بيننا من أسبوعين لشهر. يحضر في الصباح ويغادر في نهاية الدوام. خلال هذه الإقامة كان يزور الموظفين في مكاتبهم. ويهتم بمكتبة المؤسسة ويطلع من أمينتها على نشاطاتها، ومن يستفيد منها، وما هي مقتنياتها بمختلف اللغات. ويهتم بمظهر المؤسسة ونظافتها بدءاً من المدخل إلى آخر الطبقات. وفي صلته الوثيقة مع العاملين في المؤسسة أذكر أننا كنا في فصل الشتاء حين دخل إلى مكتبه عامل في قسم الخدمات، وكان يرتدي قميصاً. فطلب مني أن اُضمّن الموازنات المقبلة مبلغاً يمنح للمراسلين والحرّاس والعاملين في قسم الخدمات، بدل ملابس كاملة للشتاء بما فيها الحذاء وواقي المطر، إلى أخرى لملابس الصيف.
وخلُص سويد للقول: أذكر في الختام أني كنت مرّة أتمشّى مع الراحل منح الصلح، فسألني عن أوضاع مؤسسة الدراسات، كما وسألني عن «راهب القضية الفلسطينية»، وكان يعني وليد الخالدي.
نيرمين عبّاس: رجل مهيب بتواضع مخيف
تقول نيرمين عبّاس المحررة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية منذ سنوات طويلة لـ«القدس العربي» عن معرفتها بالدكتور وليد الخالدي: كان حضوره دائما في المؤسسة، رجل ذو حضور مهيب، وتواضع مخيف. تسألين عن الجانب الإنساني في شخصيته والتي أجدها تنبع من أعماق أعماقه. تلك الإنسانية التي تمتّع بها، جعلته على صلة وثيقة بالعاملين في المؤسسة جميعهم، وكان يعرف بكل مشكلة تواجه أياً منهم، ويعمل على حلّها. كان رجلاً لا مثيل له لا ماضياً ولا حاضراً. ميزاته لا حصر لها من تواضع ونبل ورقي، وحسن كلام مع الآخرين. لم يحدث يوماً أن ارتفع صوته على أي من العاملين في المؤسسة. وفي سعيه لحل مشاكل الموظفين كان ينحاز إلى الذين يحملون بطاقة لاجئ فلسطيني، ويسأل الموظفين اللبنانيين «وهم كُثُر» البحث عن حل، قائلاً «لن أترك فلسطينياً لاجئاً دون عمل حيث أتمكن».
وتخلص نيرمين عبّاس للقول: كان وليد الخالدي أستاذاً يحق لنا تقديسه إذا كان هذا الفعل متاحاً. ترك لبنان سنة 1982 إلى الولايات المتحدة، وكان يزور بيروت دورياً للوقوف على أحوال المؤسسة والعاملين فيها.
صقر أبو فخر: وقصة مؤثرة عن «كي لا ننسى»
وسألنا الكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر عن معرفته الخاصة بالخالدي؟ فقال: عملت في مؤسسة الدراسات الفلسطينية 25 سنة متواصلة، وكنت على معرفة بمؤسسيه وفي طليعتهم وليد الخالدي، وبرهان الدجاني والدكتور قسطنطين زريق. اللقاءات معهم كانت مستمرة في مكاتب المؤسسة. وليد الخالدي كان كثير السفر والإنشغال، وتولى منصب أمين سر اللجنة التنفيذية، فيما كنت محرراً في مجلة الدراسات الفلسطينية ومديراً لقسم التوزيع والنشر. تدل الملامح الأولى لوليد الخالدي على الصرامة. هو صارم جداً في المنهج والكتابة والأبحاث. لا يترك مكاناً لثُغرة في أي بحث أو دراسة. في المقابل كان شديد اللطف مع كافة الموظفين. حين يعود من السفر كانت المؤسسة جميعها تُستنفر، بدءاً من المدخل وحتى مكتبه. استنفار الاحترام والشوق للقاء، ولطرح الأفكار الجديدة، وطلباً لحل مشكلات طارئة لدى العاملين. إذاً هو شديد الصرامة على مستوى البحث العلمي، وغاية في اللطف مع الموظفين. من سلوكاته الإنسانية رفضه المُطلق إنهاء عمل أي موظف، باستثناء حالات نادرة وضرورية. كان يخترع الحجج كي يبقى الشخص في مكانه.
ومثالاً على ذلك أنه بعد اجتياح لبنان سنة 1982 كان على المؤسسة تقليص عدد العاملين لأسباب مالية. كان وليد الخالدي يصرّ على إيجاد عمل ينتقل إليه كل من طالهم قرار التقليص، وتأمين كرامتهم المعيشية والإنسانية. وهنا أتذكر سائقه فايز حاطوم، وكان يرافقه خلال وجوده في لبنان. ولأن معظم وقته كان في الولايات المتحدة، وفايز حاطوم تقدّم في العمر وكان ضرورياً أن يكون له عملا آخر، اصرّ الدكتور الخالدي على استمرار التأمين الصحي له ولعائلته بنسبة مئة في المئة.
○ وماذا عن حضوره في اجتماعات العمل؟
• كما سبق القول شديد الصرامة. وصاحب رأي مسموع، ولديه القول الحاسم خلال النقاشات. احترامه خاص جداً بعيداً من فرض الهيبة، بل غالباً ما كان يميل إلى الفكاهة. كمثال على ذلك عندما كانت مجموعة من الفلسطينيين بصدد إعداد خطاب أبو عمّار في الأمم المتحدة سنة 1974 وكان وليد الخالدي من بينهم، ومعه الدكتور محجوب عُمر، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش وربما آخرون. تعدّل وتبدّل الخطاب لحوالي خمس مرّات. كان اللقاء الأخير من أجل الخطاب في منزل المحامي صلاح الدبّاغ، حضر أبو عمّار، والمساهمون بكتابة الخطاب. ووضعت اللمسات الأخيرة، وأحاله أبو عمّار للترجمة وقام بها إدوارد سعيد ورندة الخالدي شقيقة الدكتور وليد. عندها قال الدكتور وليد لأبو عمّار: مطلوب أمر واحد بعد. رد أبو عمّار: «هلكتوني شو بعد»؟ أجابه الخالدي أن تحلق لحيتك فأنت ستكون أمام الأمم المتحدة؟ رد أبو عمّار: والله لن يحصل. ورأى الخالدي استفتاء السيدات الموجودات قائلاً لأبو عمّار: وتلتزم بقولهن؟ وما أن جئن حتى توافقن على ضرورة أن يظهر أبو عمّار في الأمم المتحدة حليق الذقن.
○ شغلتك إقامة وليد الخالدي الطويلة في بوسطن واستفسرت منه عن السبب. فماذا قال؟
• نظر لي بحنو وقال: ألا تعرف أن ابنتي كرمة في بوسطن؟ وكرمة من ذوات الاحتياجات الخاصة. كانت في معهد مختص ساعدها جداً بحيث باتت تعتمد على نفسها، وهذا لم يكن متيسراً في لبنان. حافز استمرار وليد الخالدي في الولايات المتحدة كان العناية بابنته ودعمها نفسياً ومعنوياً، فيما كان المعهد يساعدها عبر التدريب. لم يكن ليتخلّى عن دعمها، وكرّس نفسه لها. من جهة أخرى لم يكن وليد الخالدي يتقاضى راتباً من المؤسسة على الإطلاق. وكونه أمين السر كان يفترض أن يتقاضى أعلى راتب. وكذلك جميع كتبه التي صدرت عن المؤسسة عاد ريعها لصالحها.
○ حتى «كي لا ننسى» و«قبل الشتات» الأكثر شهرة وانتشاراً عن قضية الشعب الفلسطيني؟
• بكل تأكيد. ولكتاب «كي لا ننسى» قصة مؤثرة. ففي أحد معارض طهران للكتاب دُعينا للمشاركة في الجناح العربي ولبينا الدعوة. طلب مني القائمون على المعرض ترشيح كتاب لجائزة الكتاب العربي. وكان اختياري «كي لا ننسى». ورفدته بمقالة حول الكتاب بناء لطلب المنظمين. كنت بالطبع في المعرض، حيث فاز «كي لا ننسى» بالجائزة الأولى للكتاب العربي، ولم يتمكن وليد الخالدي من الحضور، وتسلمت براءة الجائزة بدلاً منه، واُبلغت أن وفداً سيصل إلى بيروت لتسليم الجائزة المادية لوليد الخالدي تكريماً له. لم يطل الزمن وكان اللقاء بين وفد معرض الكتاب الإيراني والدكتور الخالدي في المؤسسة، وكانت الجائزة عبارة عن لوحة جمعت 100 ليرة ذهب. غادر الوفد الإيراني، وإذ بمساعدته الإدارية تقول بدون قصد معين «الله ع هالذهبات». وسريعاً «كمش» وليد الخالدي ليرات غير محددة من الذهب وقدّمها لها. نعم كان كريم النفس، لا يعنيه من هذه الدنيا سوى الإنجاز الفكري من أجل قضية فلسطين. إنسان من طينة نادرة.
○ هل تظن أن بيتاً فلسطينياً يخلو من كتابي «كي لا ننسى وقبل الشتات»؟
• أظن أن ذلك نادر. أعرف فلسطينيين محدودي الدخل والكتابان موجودان لديهم. فهم معنيون بهويتهم وبتاريخهم. سيعمل من يقتني كتاب «كي لا ننسى» للبحث عن ماضي قريته أو مدينته. «كي لا ننسى» كتاب في غاية الذكاء. و«قبل الشتات» هو عبارة عن 500 صورة عن فلسطين قبل سنة 1948، اختارها وليد الخالدي بنفسه من بين 10 آلاف صورة موجودة في مكتبة مؤسسة الدراسات الفلسطينية. وصور الكتاب برهان لا يمكن دحضه عن الحداثة في فلسطين، وعن التقدم الكبير في الحياة اليومية، والاقتصاد والتعليم والثقافة والفنون، وهو تفنيد نزيه للمقولة الصهيونية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». وصدر الكتاب بالفرنسية والإنكليزية والإسبانية.