الفصائل والدولة.. شراكة اضطرار أم صراع مؤجل؟


متابعة / المدى

تتشكل ملامح المشهد العراقي اليوم ضمن بيئة معقدة تتداخل فيها العوامل السياسية والأمنية والاجتماعية، حيث لم تعد الدولة وحدها اللاعب الحاسم، بل برزت قوى متعددة أصبحت جزءاً من معادلة التأثير داخل البلاد. هذا الواقع أفرز نقاشاً واسعاً حول طبيعة الدولة وحدود سلطتها، وإمكانية إعادة ضبط العلاقة بين مؤسساتها والفاعلين الآخرين.

في هذا السياق، شارك في حوار تابعته (المدى) كل من مهند سلوم، أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات العليا، و حيدر سعيد، رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى جانب عبد القادر فايز، الخبير في الشأن الإيراني، حيث قدموا قراءات متعددة الزوايا لفهم هذا التعقيد.

الفصائل وتحوّل الأدوار داخل الدولة

يرى الدكتور مهند سلوم أن الفصائل المسلحة في العراق لم تعد تقتصر على دورها العسكري التقليدي، بل تحولت إلى فاعل مركب داخل الدولة، يجمع بين الحضور الأمني والسياسي والاقتصادي. ويشير إلى أن هذا التحول جعل من هذه الفصائل جزءاً من منظومة الحكم، ما خلق حالة من التداخل بين مؤسسات الدولة الرسمية والكيانات التي تعمل ضمن مساحات موازية لها.

هذا الواقع، وفق سلوم، يفرض تحديات أمام مفهوم الدولة الحديثة، حيث يصبح من الصعب التمييز بين السلطة الرسمية والفاعلين غير الرسميين، وهو ما يؤثر على قدرة الدولة في فرض سيادتها الكاملة.

إشكالية بناء الدولة والهوية السياسية

من جانبه، يذهب الدكتور حيدر سعيد إلى أن الإشكالية الأساسية في العراق ترتبط بطبيعة النظام السياسي الذي تأسس بعد عام 2003، والذي أعاد إنتاج الانقسام على أسس مكوناتية. ويؤكد أن هذا النموذج أضعف إمكانية تشكل هوية وطنية جامعة، وجعل الانتماءات الفرعية أكثر حضوراً من الانتماء للدولة.

ويضيف أن هذا الواقع انعكس على طريقة إدارة الدولة للأزمات، حيث باتت القرارات السياسية تتأثر بتوازنات دقيقة بين مكونات متعددة، ما حدّ من القدرة على اتخاذ مواقف حاسمة في ملفات مصيرية.

النفوذ الإقليمي وتداخل الحسابات

أما عبد القادر فايز، فيقدم قراءة ترتبط بالبُعد الإقليمي، موضحاً أن موقع العراق الجغرافي وتاريخه السياسي جعلاه جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية. ويشير إلى أن النفوذ الإيراني في العراق يأتي ضمن رؤية استراتيجية تقوم على حماية المصالح الأمنية لطهران، من خلال بناء علاقات مع قوى محلية تمتلك حضوراً فعلياً على الأرض.

ويؤكد فايز أن هذا النوع من النفوذ لا يمكن اختزاله في بعد واحد، بل هو نتاج تراكمي لسنوات طويلة من التفاعلات السياسية والأمنية، ما يجعله عنصراً مؤثراً في رسم ملامح المشهد العراقي.

إقليم كردستان بين التوازن والتحديات

كما تطرق الحوار إلى وضع إقليم كردستان، حيث أشار المتحاورون إلى أنه يمثل نموذجاً آخر لتعقيد المشهد العراقي، نظراً لتداخل مصالحه مع قوى داخلية وإقليمية مختلفة. ويعكس الإقليم بدوره تعدد مراكز القرار، سواء على مستوى الأحزاب أو العلاقات الخارجية، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المعادلة العامة.

نحو إعادة تعريف دور الدولة

في ضوء هذه المعطيات، يخلص المتحاورون إلى أن العراق بحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وباقي الفاعلين، بما يضمن بناء نموذج أكثر توازناً واستقراراً. ويؤكدون أن معالجة هذا الواقع تتطلب فهماً عميقاً للتاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد، إلى جانب قراءة دقيقة للتفاعلات الإقليمية المحيطة به.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *