بغداد ـ «القدس العربي»: تواصل القصف الذي يستهدف مصالح أمريكا في العراق، من قبل فصائل شيعية، تتعرض بدورها لضربات، تسفر عن قتلى، وذلك في وقت حظرت فيه السلطات الأمنية توثيق ونشر الصور والمشاهد المصوّرة للمواقع التي تشهد استهدافات، معتبرة أن ذلك يتسبب في كشف مواقع حيوية تخدم «جهات معادية» حسب وصفها. وفيما توعّدت المخالفين لهذه التعليمات بـ«المساءلة القانونية المشددة»، كشفت عن فرضها عقوبات طالت منتسبين في الشرطة وثّقوا لحظة استهداف طائرة مسيرة مبنى السفارة الأمريكية في بغداد قبل يومين.
وأعلنت هيئة «الحشد الشعبي» عن مقتل 3 مقاتلين وإصابة آخرين في قصف استهدف أحد مقار الحشد في قضاء القائم في محافظة الأنبار (500 كم أقصى غربي العراق).
وذكر بيان للهيئة أنه «في الساعة 16:10، تعرض مقر قائد عمليات قاطع الأنبار في الحشد الشعبي، قاسم مصلح، في قضاء القائم غرب محافظة الأنبار، إضافة إلى مقر الفوج الثاني التابع للواء 45 لعدوان صهيو-أمريكي غادر استهدف نقاطا أمنية طالما دافعت عن العراق خلال الحرب على تنظيم داعش الإرهابي، وثبتت الأمن في الأرض».
وأوضح البيان: «أسفر القصف الإجرامي عن استشهاد ثلاثة مقاتلين وإصابة آخرين».
وجود «خبيث»
وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يوميا هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، دون أن تحدد أهدافها.
واعتبرت كتائب «حزب الله»، وهي من أبرز هذه الفصائل، في بيان الثلاثاء، أن «سبب عدم استقرار العراق يكمن في الوجود الأمريكي الخبيث، ولن يتحقق إلّا بخروج آخر جندي أجنبي من الأراضي العراقية». وأضافت «إما ينعم الجميع بالأمان أو يُحرم الجميع» منه.
واستهدف فجر الأربعاء هجوم بمسيّرة السفارة الأمريكية في بغداد بعد ساعات من هجوم آخر على السفارة تسبب باندلاع حريق، حسب مصادر أمنية. وتصدّت الدفاعات الجوية في مجمع مطار بغداد الدولي لمسيّرة كانت تستهدف مركزا للدعم اللوجستي يتبع السفارة الأمريكية مساء الثلاثاء، وفق مصدر أمني.
فيما أفاد شهود في أربيل شمال العراق، بسماع دوي أربعة انفجارات في المدينة.
ومن إحدى ضواحي عاصمة إقليم كردستان، شاهد صحافيون دخانا يتصاعد في سماء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي».
وأعلنت وزارة البيشمركة، تعرض مقرين تابعين لوحداتها في محافظتي أربيل والسليمانية لهجمات باستخدام طائرات مسيّرة (درون).
وذكرت في بيان أن «الهجمات أسفرت عن إصابة ثلاثة من مقاتلي البيشمركة بجروح»، مبينةً أن «هذا الاعتداء يُعد استمراراً لسلسلة من الهجمات السابقة على مقرات قوات البيشمركة، حيث تم إبلاغ القائد العام للقوات المسلحة العراقية وقيادة العمليات المشتركة بهذه الانتهاكات».
وأدانت، حسب البيان «هذه الأعمال»، مطالبةً القائد العام للقوات المسلحة، محمد شياع السوداني، بـ«الاضطلاع بمسؤولياته القانونية واتخاذ خطوات عاجلة لردع الجماعات الخارجة عن القانون ومنع تكرار مثل هذه الاعتداءات التي تهدد أمن واستقرار المنطقة».
ومنذ بدء الحرب، تعترض يوميا الدفاعات الجوية في أربيل مسيّرات في أجواء المدينة التي تهزّها انفجارات في فترة المساء خصوصا.
عقوبات انضباطية لعنصري أمن وثّقا استهداف سفارة أمريكا
وتزّخر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية في العراق منذ أكثر من أسبوعين، بعشرات الصور ومشاهد الفيديو التي ترصد اللحظات الأولى للاستهدافات، وما بعدها، الأمر الذي يبدو أنه يؤشّر إحراجاً للقادة الأمنيين خصوصاً أنهم يتحدثون عن «استقرار الوضع الأمني» في البلاد في أغلب تصريحاتهم.
المتحدث باسم وزارة الداخلية، العقيد عباس البهادلي، ذكر لعدد من الصحافيين أمس أن «الوزارة تعمل على رصد بعض الشائعات المعروفة الاتجاهات وهي مرصودة، ولدينا إجراءات قانونية حازمة بحق من يشيع الشائعات أو يرتكب المخالفات».
وأكد أن «تحقيق الأمن يتطلب تعاون المواطنين والإعلام»، مشدداً على أن «دم المواطن العراقي عزيز ولا يمكن المساومة عليه، وأن الوزارة ماضية في تعزيز الأمن»، داعياً في الوقت عينه جميع القنوات والمؤثرين إلى «نقل الصورة الحقيقية».
يتزامن ذلك مع دعوة وجهتها وزارة الداخلية للمواطنين إلى المساهمة في حفظ الأمن وعدم الاقتراب من أماكن الحوادث.
وقالت في بيان صحافي أمس إن «أمن العراق مسؤولية تضامنية، والالتزام بالقانون هو السبيل الوحيد لردع العابثين، وبهدف تعزيز الأمن، وضمان عدم المساس بالاستقرار».
ودعت الوزارة المواطنين والمؤسسات الإعلامية المختلفة إلى «الالتزام التام بالتعليمات الصادرة عنها، والتعامل بمسؤولية وطنية عالية مع الأحداث الراهنة».
وأضافت: «يُمنع منعاً باتاً نشر أو تداول مقاطع الفيديو وصور المواقع المستهدفة على منصات التواصل الاجتماعي، لما يشكله ذلك من كشف لمواقع حيوية قد تخدم الجهات المعادية». فيما أهابت بالمواطنين «عدم الاقتراب من أماكن الحوادث، حفاظاً على سلامتهم الشخصية ولإفساح المجال أمام الأجهزة المختصة لممارسة مهامها».
ودعت في بيانها جميع المؤسسات الإعلامية إلى «توخي الدقة وعدم الكشف عن إحداثيات أو مواقع الأحداث بشكل تفصيلي»، مؤكدة أن «المخالفين لهذه التعليمات سيتعرضون للمساءلة القانونية المشددة».
وحثّت المواطنين أيضاً على «المساهمة في حفظ الأمن من خلال التبليغ عن أي مقاطع فيديو أو منشورات تخالف هذه التعليمات، ونؤكد أن هوية المتصل وبياناته ستبقى طي الكتمان التام»، متعهدة بأنها ستتخذ «الإجراءات القانونية المناسبة بحق المخالفين من خلال قيام مديرية مكافحة الجرائم المعلوماتية بالتعاون مع القضاء بمتابعة هذا الموضوع». التوجه الجديد لوزارة الداخلية لم يلق ترحيباً لدى مركز «النخيل للحقوق والحريات الصحافية»، الذي اعتبر القرارات الأخيرة محاولة «لإعماء» العراقيين عن حقيقة ما يجري على الأرض.
وأبدى المركز الحقوقي في بيان صحافي «استغرابه الشديد من التهديد الذي وجهته وزارة الداخلية لوسائل الاعلام والمواطنين، بمحاسبتهم بجرائم المعلوماتية في حال نشر مشاهد سقوط الصواريخ والمقذوفات والمواقع المستهدفة».
وأكد أن «توجيه الداخلية لوسائل الاعلام بعدم نشر مشاهد المواقع المستهدفة او تحديد مواقع وقوع الحوادث وطبيعة الاهداف المستهدفة، هي محاولة (إعماء) تام للعراقيين عن حقيقة ما يجري من احداث في البلاد ومدى الضرر الذي وصل إليه الوضع الأمني، ومحاولة تغطية على قياس الاخفاق، وتحويل الإعلام في هذه المرحلة إلى أداة مشلولة وخارج نطاق ما يدور حوله، ولا تخلو من التضييق على العمل الإعلامي».
كما أشار المركز إلى أن «افتراض استفادة القاصفين من المشاهد المصورة أمر لا ينطبق مع الواقع على الأرض، فالاستهدافات تتم من داخل العراق أساسا، ما يعني وجود مصادر على الأرض تستطيع استطلاع الأهداف قبل وأثناء وبعد الاستهداف، والدليل ما شاهدناه من مقاطع فيديو توثق الحدث أثناء وقوع الاستهداف، ما يشير إلى وجود مصادر تعلم بوقوع الاستهداف ومتهيئة لوقوعه وتوثيقه مسبقًا».
ورغم رواج المشاهد المصوّرة لحوادث استهداف المواقع الأمنية والدبلوماسية في البلاد، منذ اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، غير أن فيديو يُظهر فيه عدد من عناصر الأمن التابعين لوزارة الداخلية، وهم يوثقون اللحظات الأولى لاستهداف طائرة مسيرة مبنى السفارة الأمريكية في بغداد، قبل يومين، يعد واحداً من أكثر المشاهد انتشاراً في هذه المرحلة.
على إثر ذلك، أعلنت وزارة الداخلية فرض عقوبات انضباطية مشددة على اثنين من منتسبي شرطة العقود في بغداد، وذلك بعد قيامهما بتصوير طائرات مسيرة قرب فندق بابل وسط بغداد، ونشر المقطع على منصات التواصل الاجتماعي.
وذكرت في بيان صحافي أمس، أنه «تم فرض عقوبات انضباطية مشددة بحق اثنين من منتسبي شرطة العقود العاملين في مديرية نجدة الرصافة/ قاطع الكرادة الثاني».
وأضافت أن «ذلك جاء على خلفية قيام المنتسبين بتصوير مقطع فيديو يظهر تحليق طائرات مسيرة بالقرب من (فندق بابل) في العاصمة بغداد، ومن ثم تداوله ونشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، في مخالفة صريحة للتعليمات والأوامر العسكرية الصادرة التي تمنع التصوير أثناء الواجب أو نشر معلومات قد تؤثر على سياقات العمل الأمني».
وأكدت حرصها العالي على «فرض الانضباط العسكري والالتزام بالمهنية»، مشددة على أنها «لن تتهاون مع أي سلوك يخرج عن الأطر القانونية أو يمس بسلامة الإجراءات الأمنية المتبعة».
في السياق ذاته، كشف جهاز الأمن الوطني الاتحادي، عن غلقه مواقع ومنصّات على خلفية نشرها «معلومات مُضلّلة» فضلاً عن رصد حالات تحريض ضد الأجهزة الأمنية.
وقال المتحدث باسم الجهاز أرشد الحاكم، خلال مؤتمر صحافي إن «المرحلة الحالية تتطلب جهداً أمنياً واستخبارياً متواصلاً لحماية الأمن الداخلي ومنع استغلال الظروف لإثارة الفوضى»، مشيراً إلى «استمرار الجهود لحماية الجبهة الداخلية إلى جانب مهام مكافحة الإرهاب والمخدرات والابتزاز».
اعتقال 8
وكشف عن «رصد حالات حاولت استغلال الأوضاع لبث خطاب طائفي والتحريض ضد الأجهزة الأمنية»، مبيناً أنه «تم إلقاء القبض على 8 متهمين بينهم أجنبي بعد استحصال الموافقات القضائية».
وفي ما يتعلق بالأمن السيبراني، أعلن «إغلاق مواقع وحسابات تنشر معلومات مضللة أو خطاب كراهية، وإحباط 270 هجمة سيبرانية من داخل العراق وخارجه، فضلاً عن معالجة 1043 حساباً تهدد السلم المجتمعي بالتنسيق مع القضاء».
وأكد الحاكم «استمرار التنسيق مع الأجهزة الأمنية والوكالات الاستخبارية، مع إعداد تقييمات استخبارية تُرفع إلى قيادة العمليات المشتركة»، داعياً إلى «توخي الدقة في تداول المعلومات وعدم نشر ما يضر بالأمن والاستقرار».
… وضوابط في كردستان لمنع نشر الأسرار العسكرية
أصدرت دائرة الإعلام والمعلومات في إقليم كردستان العراق، أمس الأربعاء، ضوابط «صارمة» بشأن تغطية التصعيد الجاري في المنطقة والضربات التي يتعرض لها الإقليم، مؤكدة حظّر نشر المعلومات العسكرية ومشاهد إسقاط الطائرات المسيرة.
وذكر بيان للدائرة أنه «يُحظر بشكل قاطع نشر أي معلومات أو أسرار عسكرية من شأنها أن تخدم أعداء كردستان أو تُلحق الضرر بأمن الإقليم، ويجب الالتزام التام بضوابط النشر في هذه المرحلة».
واعتبرت أن «تصوير أو نشر مشاهد إسقاط الطائرات المسيّرة أو عرض حطامها يُعد أمراً محظوراً، لما يتضمنه من كشف معلومات تقنية وميدانية حساسة قد يستفيد منها الخصوم».
وأكدت على «منع نشر أو تحديد مواقع الأهداف التي تعرضت للهجوم، أو تصوير المنشآت السيادية والأمنية فور وقوع الحوادث، لما يشكله ذلك من تهديد مباشر للأمن والاستقرار».
وتوعدت «أي وسيلة إعلامية تخالف هذه التعليمات أو تتعامل بشكل غير مهني مع تغطية أخبار الحروب والهجمات، بأنها ستتعرض لإجراءات قانونية فورية من قبل جهاز مكافحة الإرهاب في كردستان»، لافتة إلى ان «العقوبات قد تصل إلى سحب رخصة العمل أو الإغلاق الدائم».
ودعت جميع العاملين في المجال الإعلامي إلى «مراعاة المصلحة العامة، والتعامل بأعلى درجات المسؤولية المهنية في تغطية الأحداث الراهنة».