الناصرة – «القدس العربي»: يتوقف الكاتب الصحافي والناقد الإسرائيلي عوفري إيلاني عند سياسات إسرائيل وغاياتها غير المعلنة في الحرب على إيران، محذرا من التورط في أوهام قاتلة ومن كارثة متدحرجة عليها وعلى دول المنطقة وشعوبها.
وفي ظل التساؤلات المتصاعدة في إسرائيل أيضا عن غايات الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع، يتساءل إيلاني، في مقال مطول نشرته صحيفة «هآرتس» الأحد، قائلا: ما الهدف من الحرب على إيران؟ ويجيب بنفسه: «نشرت مجلة الأتلانتيك هذا الأسبوع قائمة لا تقل عن عشرة تفسيرات قدمتها إدارة دونالد ترامب خلال الأيام الأخيرة لتبرير الهجوم. من بينها: إزالة التهديد النووي، وتوجيه ضربة استباقية تحسبا لهجوم على الولايات المتحدة، و»تحرير» الشعب الإيراني، وكبح الميليشيات المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط، وفرض نظام أكثر ودا، والانتقام، وتحقيق السلام العالمي، وتنفيذ «خطة إلهية»، أو ببساطة لأن إسرائيل هاجمت واضطررنا إلى الانضمام».
ويقول إن بعض هذه الأهداف يتقاطع، وبعضها الآخر لا يلتقي أصلا، ومع ذلك يبدو التفسير الأكثر بساطة وواقعية مختلفا، وهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل رأتا في النظام الإيراني حالة ضعف، واستنتجتا أن هذه فرصة نادرة لإحداث تغيير تاريخي يعيد تشكيل المنطقة. ويضيف أن الأمر بدا وكأن النظام على وشك الانهيار، ولا يحتاج إلا إلى دفعة.
وضمن تحذيراته من هذه التوجهات، يوضح إيلاني أن هذا المنطق يبدو مألوفا بشكل مقلق، فهو إلى حد كبير المنطق نفسه الذي حكم قرار «حماس» شن هجومها في السابع من تشرين الأول / أكتوبر.
ويضيف: «جاء ذلك الهجوم أيضا بعد فترة طويلة بدا فيها أن الخصم يعيش لحظة ضعف غير مسبوقة. في مطلع العقد، وبصورة أوضح خلال عام 2023، عكست وسائل الإعلام الإسرائيلية مشهدا أقرب إلى حافة حرب أهلية: عدم استقرار سياسي، وصدام بين مؤسسات الحكم، واحتجاجات جماهيرية شلت الدولة، وشعارات تتحدث عن التمرد على «الديكتاتورية»، وإضرابات، ورسائل رفض من ضباط كبار، وتعطل في أداء الحكومة. من منظور «حماس»، بدا توجيه ضربة للخصم الصهيوني في تلك اللحظة خيارا معقولا، ضربة يفترض ألا يتعافى منها، بل إن قطاعات مهمة منه خرجت أكثر قوة».
الانقسام ليس عميقا
لكن إسرائيل، برأي إيلاني، تعافت بسرعة، وحتى الاقتصاد الإسرائيلي لم يتضرر بشكل كبير. واتضح أن الانقسام الداخلي في إسرائيل لم يكن عميقا إلى هذا الحد. وعلى العكس، دفعت الضربة إسرائيل إلى الزاوية وأجبرتها على التماسك وتجنيد كل قواها.
ويرى أن هذا هو الدرس الذي تعلمته «حماس» و»حزب الله» وإيران وسائر العالم، لكن إسرائيل والولايات المتحدة تحديدا لم تتعلما هذا الدرس، ولم تطبقاه على إيران نفسها. ويضيف: إيران ليست إسرائيل، ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث فيها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. لكن بعد نشوة الضربة الأولى، يتبين أن الجمهورية الإسلامية عازمة على التمترس عميقا، ولديها القدرة على ذلك. وهي أيضا، مثل إسرائيل في عام 2023، تجد نفسها محشورة وظهرها إلى الحائط. وأكثر من ذلك، فإن حقيقة أن قطاعات واسعة في إيران تكره النظام لا تعني أنه يفتقر إلى قاعدة دعم واسعة في قطاعات أخرى.
ويمضي في انتقاد القراءة الإسرائيلية الأمريكية المغلوطة لما هو موجود وما هو مفقود في إيران، فيقول: «رغم أننا نحب أن نعتقد أن الشعوب تسعى إلى الحرية، فإن الأنظمة الاستبدادية تقوم غالبا على دعم اجتماعي واسع، لأنها، بينما تقمع فئات معينة، تخدم مصالح فئات أخرى. وهذا صحيح، بالمناسبة، أيضا فيما يتعلق بالاستبداد الآخذ في التشكل في إسرائيل».
من هنا يستنتج الكاتب والناقد الإسرائيلي أن الخطأ الأول في الحرب على إيران هو الاعتقاد أن نظام آيات الله أضعف مما هو عليه فعلا. ويشير إلى أن الخطأ الثاني في هذه الحرب هو الاعتقاد أن النظام الإيراني أقوى مما هو عليه حقا، وخصوصا فيما يتعلق بنفوذه الإقليمي.
ويعلل رؤيته هذه بالقول إن كثيرين في إسرائيل، بحسن نية، يتمسكون بفكرة خلاص متخيل قوامها إسقاط هذا النظام. ويمضي في شرح هذا «الخلاص المتخيل» قائلا: «يظنون أنه يقف تقريبا خلف معظم الصراعات والتنظيمات المسلحة في المنطقة، وأنه العائق الذي يحول دون تحول الشرق الأوسط إلى فضاء مزدهر ومنسجم. لذلك يعتقدون أن المطلوب هو جهد مركز لاجتثاث «الأخطبوط الإيراني»، وعندها يسود هنا شبه فردوس على الأرض».
ويؤكد إيلاني أن هذه فكرة ساذجة، لأنها ترسم إيران بوصفها كيانا شيطانيا يحرك الخيوط ويملي ما يجري في المنطقة. ويقول في هذا المضمار: «مرة أخرى، نجد صورة معكوسة للفكرة الشائعة عن إسرائيل بوصفها قوة خارجية جبارة وخبيثة تعكر صفو «الانسجام» في الإقليم. وهذه أيضا وهم. لا شك أن إيران قوة إقليمية ذات تأثير واسع، لكن التناقضات والتوترات التي تصنع صراعات الشرق الأوسط هي تناقضات بنيوية. سواء اعتبرنا إسرائيل قوة استعمارية، أو رأينا أن العرب يتحركون بدافع عداء متجذر للمشروع الصهيوني، وربما يجتمع التفسيران معا، فالواضح أننا أمام صراع عميق لا يمكن حله عبر «إزالة» طرف إقليمي يمتلك هذا العدد أو ذاك من الصواريخ والقنابل».
ولذلك يستنتج إيلاني أنه يمكن اغتيال علي خامنئي، لكن سيأتي خامنئي آخر مكانه، وحتى لو جرى تحييد التهديد الإيراني، فسيملأ الفراغ خصم إقليمي آخر، مثل تركيا. ويضيف أن الأسباب التي تدفع إلى الحروب لا تنضب، لكن المجتمعات السليمة تحاول أن تعيش حياتها ولا تنخرط في حروب ليست ضرورية.
كارثة متدحرجة
ويمضي في التحذير من السياسات الإسرائيلية، قائلا: «في الطريق نحو هذا «الخلاص» المتخيل للمنطقة، تتحول الحرب المنفلتة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة إلى كارثة متدحرجة. فهي تشكل سابقة مدمرة في العلاقات الدولية: غزو دولة أثناء مفاوضات جارية. وبهذا، توفر تبريرا بأثر رجعي للغزو الروسي لأوكرانيا، وقد تستخدم أيضا ذريعة لغزو صيني لتايوان. وفي الأثناء، تحول هذه الحرب المنطقة إلى جحيم. لقد دمرت بالفعل حياة عدد لا يحصى من البشر في إيران ولبنان وإسرائيل ودول الخليج، وألحقت أضرارا بيئية فادحة، وتواصل تدمير ما تبقى من أي قدر من الاتزان في إسرائيل».
ويخلص إيلاني إلى القول: «ذلك أن تحول إسرائيل إلى دولة تخوض حروبا اختيارية لمجرد أن «الفرصة سانحة» يرسخ ذهنية مدمرة. فالحرب تصبح حالة طبيعية، والسلطة تستخف بالخراب الذي تنزله بحياة الأفراد، وبخططهم وأرزاقهم. وحتى لو كان العدو قوة مظلمة، فإن هذه حرب تخاض إلى جانب قوى لا تقل خطورة: إدارة ذات نزعة فاشية أولية مستعدة لرمي العالم إلى الهاوية. ويحتاج المرء إلى قدر كبير من الارتباك حتى لا يرى ذلك».