الغادر


جميع المختبرات في كليّة الطبّ تكون في صورة بهو أو قاعة صغيرة أو مجرّد غرفة الصفّ، إلا مختبر التشريح؛ فهو يشغل مبنى واسعاً ذا سقف عال يشبه المعبد، بطلاء أبيض ونوافذ عالية. الجثامين التي يجري عليها الدرس تمتد في صفوف ثلاثة، على طاولات من رخام. أسألُ موظّفي التموين في الكليّة عن مصدر هذه الكائنات البائسة، والجواب واحد:
ــ إنهم هنود، ويتمّ بيعهم في بلدهم بطريقة المزاد، لأنه لا أهل لهم.
الكلام يعود إلى الثمانينيات، ولا أدري كيف هو الحال الآن، فالدنيا تتغيّر من حال إلى حال، وتبدّلت حتماً جنسيّة من سوف يجري عليه بعد الموت مشرطُ التشريح.
في ذلك اليوم كان على طاولة الدرس جثة شابّ هنديّ تيبّس وجهه بفعل ما يُدعى «صمل الموت»، وبقي محتفظاً بشيء من وسامته، لكنها أصبحت منكسرةً وحزينة. يقول الشاعر كانيوس «الموت ليس صعباً عندما لا تكون الأم موجودة». بما أنها لحظات قدسيّة، في جميع الأحوال والظروف، وإن كانت وُوريت الثّرى، تنوح الأم عند موتنا، كما ابتهجت وغنّت وقت الميلاد.
كان الخريف في أوله، وموعد الدرس يحلّ في الظهيرة، وكشف الأستاذ
بالمشرط عن محتويات التجويف الصدري للشاب: الرئتان والرغامي والفؤاد،
صارت كلها تحت الأنظار. في الدرس التالي، تمّ تشريح الرقبة والرأس. وفي
اليوم الثالث كانت الحصة للطرفين العلويين والسفليين، حتى الجلد الرقيق بين
أصابع القدمين تمّت إزالته، وظهرت الأظافر مشذّبة ومصقولة. كأن شيئاً غير
مرئيّ ظلّ يرتجف في الهواء، حين تجرّد الجسد كلّه وانكشف أمامنا. ها هو
يحوم فوق الطالبات والطلاب، وجميعهم من عمر الشاب الهندي، وينقضّ
في إعصار جليديّ علينا، رغم سخونة الجوّ. في نوع من الامتداد الأدبي الفكري،
تركتُ نفسي تتخيّل ما سوف يكون عليه الغد، لمّا يعصف طبلٌ مجنون بالبراءة
والسلام والسكينة التي نعيش فيها، وبعثت رعشةُ رهبةٍ في خاطري قصيدة

«ثيوذوتوس» للشاعر قسطنطين كافافيس:
«إذا ما كنت -حقًّا- واحدًا من الصفوة، فتدبّر كيف يبقى هذا الاختيار قائماً، مهما كان ما نلته من مجد، ومهما علت بمدائحك الأصوات، ودفع بك المعجبون إلى روما، وانتخبوك هناك، مهما كان هذا أو ذاك، فلا فرحتك ستبقى، ولا زهوك بالانتصارات، ولا حتى ستشعر بأنك ذلك الإنسان الأرقى من سائر الناس، عندما يأتي إليك ثيوذوتوس، وأنت في الإسكندرية، برأس بومبيوس المسكين على طبق مدمّى».
تعود القصة إلى معركة فارسالو، بين القائدين بومبيوس ويوليوس قيصر، وكانت
النتيجة النصر الحاسم للثاني، فهرب الأول إلى مصر لاجئاً عند بطليموس الثالث
عشر. إلا أن الخطيب الشهير ثيوذوتوس، وكان معلّماً لأطفال بطليموس، تمكن
من إقناعه بأن قتل بومبيوس أفضل خيار لتحسين علاقات بلاده مع قيصر. وهكذا
تمّ قطع رأس القائد المنهزم، ليُقدّم في طبق إلى البطل المنتصر. ليس في القصيدة
عرضٌ لأحداث التاريخ، بل تساؤل حول طبيعة الإنسان والعدالة والخيانة والقدر.
ثيوذوتوس الغادر هذا يمكن أن يعيش في أيّ زمان ومكان، ويقوم بفعلته ويؤمن
بها ويستحسنها كثيرون، فالغدر من شيم بني البشر القديمة جداً، وصفحاته عديدة
في كتب التاريخ.
يجب أن ينتبه المرء إلى الأيام والسنين السامية، والبرهات الكبيرة السعيدة التي
يعيشها، وعليه الشكّ في أنها سوف تنقلب ذات يوم، وتصير شبيهة بما جرى
للقائد الروماني دون سابق إنذار، وبأبشع صورة. هذا ما تريد أن تُمليه القصيدة
على القارئ، بواسطة نبرتها الخافتة والسكون الذي يسود جوّها، مع قناعة مفادها
أن هذا البرود الذي يقرّبها من الكتابة التسجيلية، هو الوسيلة الوحيدة لجعل
الواقع والحلم أمراً واحداً، والماضي والحاضر زمناً واحداً:

«فلا تترك بالك يهدأ، زاعماً لنفسك أن في حياتك السويّة، المتسمة بالهدوء
والاستقرار، لا احتمال فيها لمثل هذه الأهوال والمواقف».
انتهى الأستاذ من شرحه، وقطع أصداءَ الصمت التي راحت تتردد في المكان،
حفيفُ أوراق الشجرة القريبة من النافذة، رغم أنه لم تكن هناك ريح. ثم حدثت
ضجة مكتومة في الخارج، وتغيّرت أشعة الشمس، ومعها الانعكاسات الظلّيّة على الجدران.
حتى أصوات العصافير العذبة انقلبت إلى أنغام حادة. وكلّ هذا كان
بمثابة إنذار لنا، بأنّه من غير المستبعد أن يكون مصير أحدنا مشابهاً للقدر الذي
أوقع الشاب الهندي بين أيدينا:

«ربما كان لك في هذه الساعة ذاتها، عند جار من جيرانك الطيّعين الذين يحيون
في بيوتهم مثلك حياة الانتظام، يدخل ثيوذوتوس خِفية، كطيف لا يراه أحد،
ويخرج حاملاً رأساً مثل ذلك الرأس المخيف».
بكلمات قليلة تمكن كافافيس من استعادة عصر موغل في القِدم، تعجز عن وصفه المجلدات الضخمة، وإلحاقه بعصرنا الراهن. إن عمل الفنان الرئيسي هو تحويل حادث قديم أو يوم عاديّ إلى رمز يتعدى إطار الزمن، بهذه الصورة تكون القصيدة مقروءة الآن، أي بعد حوالي قرن من كتابتها، وتحتمل ذات التأويل الذي قصده الشاعر. إنه التوجس من كل ما يجري في الحياة الراهنة، بسبب البؤس الذي تسبّبه الحروب في كل مكان، والمستقبل غير المضمون للجميع دون استثناء. والأهمّ لدى الفنان هو انشغاله بنمط من النبل الإنساني يتقبّل المأساة والفجيعة والشعور بالعار، حينما تنقلب الأقدار يمكن أن يحدث لي ما جرى لك، وفي هذا المحتوى نجد ثراء الظاهرة الكافافية التي تؤمن بالأنوية الجمعية في الشعر، تصير معه الحياة الإنسانية في زمن المأساة أكثر تكاتفاً، وأقلّ مشقة.
كانت المذاهب السائدة في عصر الشاعر (1863-1933) هي الرومانسية
والرمزية والبارناسية، غير أنه لم يتأثر بأيّ منها، وجاءنا بمدرسة خاصة حملت
معها رياح التغيير، فاتحة أبواب الحداثة في القرن العشرين، رغم الحجم القليل
للآثار التي تركها لنا. أشهر شعراء عصره، وهو بالماس، عدّ كافافيس بلاغتَه
وجزالته ثرثرة لا لزوم لها لأنها تستعمل اللغة الحارة التي تستثير المشاعر
وتحرّك العواطف لدى الجمهور. الشعر في نظره ينبغي أن يكون محايداً،
ويسكن المنطقة الوسطى بين الذهن والوجدان، وهي المساحة الوحيدة القادرة
على توفير فسحة الحرية التي يتطلبها عمل الشاعر. بل إن النقّاد كانوا يعيبون
عليه اختيار الأبطال المهزومين دون غيرهم، منطلقين من شعور قوميّ كان يعجّ
به الشعر اليوناني الذي يمجّد الماضي. بينما جاءت قصائد كافافيس، بما فيها
أشعار اللذة الجسدية، تتنفس هواء فيه نبرة قدرية كسيرة تتسلل إلى القلب، لا
يمكن استعمالها مع الأبطال المنتصرين، الذين خصّهم التاريخ بأشعار الفخر،
وتجاهلهم الشاعر عن دراسة وتفكير.
يُقال إن الهزيمة في الحرب تؤدي إلى الحزن، ونتيجة النصر حزن أشدّ وأعمق.
هذا ما يشعر به المقاتلون الشجعان. اختار كافافيس طريقة هادئة في التعبير عن
آلام الإنسان في محنته الكبرى، أي الحرب. ماذا نقول عن الشعراء الذين
يمجّدون النصر ويفخرون به ويتباهون ويفرحون؟
هذه هي الحياة، ربما كانت قيمتها الحقيقية تكمن في احتمالاتها الغامضة، وأيام الإنسان على الأرض تشبه رمالاً متحركة، ما إن يصيبها الجمود حتى يتدخل ثيوذوتوس الغادر، بهمسة واحدة منه يُعيد التوازن الأصيل إلى الوجود. لا توجد حقيقة مطلقة في الكون، ولا ثوابت أبديّة ولا نهاية، إنما كلّ نهاية هي بداية جديدة. بين أيدينا ثلاثة تواريخ: 48 قبل الميلاد سنة معركة فارسالو، 1915 تاريخ كتابة القصيدة، والعام الذي تجري فيه هذه السطور. تدور العجلة الملوّنة بسرعة وتبدو بيضاء، لكن الشاعر يضع إصبعه، فتسكن العجلة ونتملّى عندها ألوان الحياة، بما فيها من سعادة وهناء، وتعاسة وشقاء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *