العالم أمام حرب دينية قد تنهيه


لم يصدم الحرب النظام الإيراني فحسب، بل صدمت حلفاءه وعلى رأسهم روسيا. فموسكو تتابع التطورات عن كثب، وهي قلقة من احتمالية حدوث تغيير جذري في ميزان القوة الجيوسياسي في الشرق الأوسط. بالنسبة للكرملين، إيران ليست شريكة إقليمية فحسب، بل ركيزة أساسية في المحور الذي يهدد هيمنة الغرب، وقد يؤدي المس باستقرارها إلى تقويض مصالح روسيا الحيوية. بعد سلسلة الاضطرابات في مناطق نفوذها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك سوريا في عهد الأسد وفنزويلا في عهد مادورو، فلا يمكن لموسكو أن تخسر شريكاً استراتيجياً آخر. فهي ترى في الحرب ضد إيران اختباراً لمكانتها كقوة عظمى ولقدرتها على الحفاظ على نفوذها الإقليمي والعالمي.

حتى الآن، اكتفت موسكو بالضغط الدبلوماسي وعرض الوساطة، إلى جانب التنديدات الشديدة بالهجمات على إيران واتهام إسرائيل والولايات المتحدة بخرق القانون الدولي وتقويض الاستقرار في المنطقة. وأوضح مسؤولون كبار في الكرملين بأن روسيا لا تنوي الانجرار إلى أي تدخل عسكري، وشددوا على ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى القناة الدبلوماسية. ولكن وراء هذا الخطاب الدبلوماسي المتحفظ قلق عميق، الخشية من حملة إقليمية واسعة قد تقوض منظومة التحالفات التي تعتمد عليها موسكو، وزيادة تدهور وضعها في الشرق الأوسط.

وقد حذر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية “تاس” من أن العدوان الأمريكي – الإسرائيلي قد يشعل فتيل تصعيد واسع النطاق، وقد يتطور إلى حرب عالمية ثالثة. ووفقاً له، فإن الهجوم المشترك على إيران هو جزء من مؤامرة غربية لتقويض الوضع الراهن وفرض سيطرة استراتيجية في الشرق الأوسط. وقد قال وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف تصريحات مشابهة، وحذر من أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج معاكسة لما يأمله مؤيدوها، وأن تسرع سباق التسلح النووي في المنطقة. وبحسبه، فقد تستنتج دول المنطقة بأن السلاح النووي وحده كفيل بضمان أمنها من الهجمات.

مع ذلك، فإن من يسعى إلى فهم عقلية الكرملين وأوساط مؤيدي بوتين، عليهم الاستماع إلى أصوات لا تتقيد بالخطاب الدبلوماسي للسياسيين. مثلاً، الفيلسوف ألكسندر دوغين، المعروف بنفوذه لدى حكومة موسكو ودعوته الحماسية لتحقيق رؤيا جيوسياسية تنهي الإمبريالية الغربية وفكرة العالم “أحادي القطب” الذي تسيطر عليه حضارة واحدة، وهي الحضارة الأمريكية.

دعا دوغين دائماً إلى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الحضارات العظيمة والسيادة الوطنية كبديل للهيمنة الغربية الليبرالية. ويرى أن الأمم كيانات تاريخية وعضوية، لها تقاليد وقيم ورؤى عالمية فريدة. لذلك، لا ينبغي الحكم على ثقافة أمة بمعايير أمة أخرى، ولا يجوز فرض قيم دولة على دولة أخرى. لذلك، يعتقد دوغين أن النظام العالمي ليس سوى غطاء لـ “الإمبريالية الروحية” الأمريكية التي لا هدف لها إلا إقامة عالم أحادي القطب والقضاء على السيادة الثقافية والسياسية للحضارات الأخرى.

ويرى دوغين أن صعود ترامب وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد” الانفصالية، شكل نقطة تحول في تاريخ العالم، إذ أصبح لدينا أخيراً رئيس مثير للجدل في البيت الأبيض يعارض اتفاقات التجارة الدولية ويعمل على تفكيك حلف الناتو ويعارض النخب العالمية والخطاب التقدمي، ويتحدى مؤسسات النظام الدولية. رأى دوغين في ذلك فرصة لتقويض هيمنة الغرب الليبرالية وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكن بعد تورط سلاح الجو الأمريكي في الهجوم على منشآت إيران النووية في حزيران الماضي، استنتج دوغين أن روسيا لم تعد قادرة على الاعتماد على ترامب حليفاً استراتيجياً، وأن عليها الاستعداد لمواجهة حاسمة مع الغرب. وأعلن في حينه: “لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل”.

عند انطلاق الحملة الانتخابية الحالية، شن دوغين حملة مكثفة من التغريدات والمقابلات مع وسائل الإعلام، بعضها مع وسائل إعلام غربية، عبر فيها عن خيبة أمله من ترامب، الذي أصبح في رأيه دمية في يد الصهاينة، ودعا روسيا إلى الاستعداد لحرب يوم القيامة: “هذه الحرب ضدنا… إذا سقطت إيران فنحن التالون”. وفي مقابلة أخرى، وجه دوغين تهديداً ضمنياً: “الأمريكيون والإسرائيليون لا يعرفون معنى الحرب الحقيقية، لكنهم سيكتشفون ذلك قريباً. إذا صمدت إيران فكل شيء وارد”.

أهمية أقوال دوغين لا تكمن في عكسها للخوف والألم والتيارات العميقة في النخبة السياسية في موسكو فقط، بل أيضاً في تأثيرها على النظام الأيديولوجي لليمين المتطرف في أوروبا وفي الولايات المتحدة. وبصفته ضيفاً مطلوباً في وسائل الإعلام الدولية، وناقداً لاذعاً للنظام العالمي، يحظى دوغين باهتمام متزايد في الأوساط السياسية والفكرية، التي تعتبره محللاً للصراع الجيوسياسي بين حركات الصحوة الوطنية و”النخبة الغربية العالمية”.

مرة أخرى، لا يتوانى دوغين عن استخدام أسلوب مؤثر، مستعيناً بعالمه الغني بالصور التشبيهية الكارثية ليؤكد على خطر هذه اللحظة التاريخية. ففي الأسبوع الماضي، قال في مؤتمر عبر الإنترنت: “نقترب من حرب ميتافيسيزيفية… لم يعد استخدام السلاح النووي فكرة مجردة، بل واقع ملموس… هذه حرب ما وراء الطبيعة… لا يجوز لنا التهاون مع الشيطان”.

يعرف دوغين أن وراء الصراع الوطني الإقليمي والسياسة العالمية بشكل عام بعد لاهوتي عميق يضفي على الصراعات الجيوسياسية دلالات ميتافيزيقية وحتى أخروية. ففي مقابلة مع الصحافي جوني ميلر من قناة “برس تي.في” الإيرانية في تموز 2025 أوضح دوغين بأن الهجوم الإسرائيلي على إيران ليس إلا استنزاف للمشروع الصهيوني، الذي يهدف في أساسه إلى تحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى” التي تعتبر إيران عقبة رئيسية أمام تحقيقها. وأوضح بأن الصهيونية ليست سوى مسيحانية مزيفة، شوهت الفكرة المسيحانية اليهودية، التقليدية، واستبدلت بها إلهاً قومياً زائفاً. وقد حلت المسيحانية السياسية للصهيونية قدوم المسيح مكان انتظار يهود الشتات.

وفي مقابلة مع قناة “سبوتنيك” الروسية في حزيران الماضي، قال: “يعتقدون أنهم المسيح المنتظر… نتنياهو يتصرف الآن وكأنه المسيح المنتظر. يشن حرباً على كل الشعوب غير اليهودية في الشرق الأوسط، ويدمر الشعب الفلسطيني… تقوم سياسة نتنياهو على مزيج من الميتافيزيفية وعلم الآخرة والسياسة، بالضبط مثلما هي الحال في عصر التوراة القديم. هذا هو جوهر الصهيونية”. ويحذر دوغين من أن المرحلة التالية ستكون تفجير المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه. يمتلك نتنياهو “وعياً ساحراً”، لكن الشيعة على الطرف الآخر يفكرون بالمثل أيضاً. فبالنسبة لهم، السياسة مدفوعة بدافع أخروي وتوقع ظهور المهدي، الإمام الـ 12 الخفي الذي سيقضي على المسيح الدجال الذي يجسده الغرب العلماني المادي والصهيونية. “بالنسبة لإيران، إسرائيل هي عدو ميتافيزيقي”، أوضح.

باختصار، يشرح دوغين أن هذا انفجار أخروي، ومواجهة عالمية بين مفاهيم مختلفة لنهاية الزمان، تبلغ ذروتها في هذه اللحظة التاريخية. فمن جهة، فكرة المسيح الدجال لنتنياهو وسموتريتش وبن غفير، ومن جهة أخرى، الأخروية الشيعية مع وجود الإفنغلستيين والصهاينة المسيحانيين في الولايات المتحدة، المدعومين من لندسي غراهام وتيد كروز وأمثالهما، الذين يعملون في الخفاء ويعتبرون روسيا “مملكة الشمال”، يأجوج ومأجوج، التي حسب تفسيرهم لنبوءة نهاية الزمان، مقدر لها أن تقود الحرب الكارثية ضد إسرائيل.

“علينا تغيير قراءتنا للواقع الجيوسياسي الآن؛ لأن التفسيرات الكلاسيكية لم تعد تفسر أي شيء… هذا عالم خطر جداً، حيث لم يعد للقانون الدولي وكل الترتيبات الدولية أي معنى”، قال دوغين. واختتم أقوال: “نحن نشاهد اندماجاً بين العقائد الدينية القديمة وحساسية ما بعد الحداثة، الأمر الذي يخلق واقعاً جديداً – وجوداً كمياً للجغرافيا السياسية الحديثة – تتعايش فيه الأبعاد اللاهوتية والأسطورية والسياسية”.

كنا في السابق نستخف بهذه الأمور، لكن في ظل الواقع المتبلور أمام أنظارنا: هل من المعقول أن نتجاهل احتمالية أننا في قلب حرب دينية قد تؤدي إلى نهاية العالم؟

عميت فيرشيتسكي

 هآرتس 13/3/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *