الدوحة ـ «القدس العربي»: دخلت منطقة الخليج مرحلة تصعيد غير مسبوقة مع إعلان إيران إطلاق موجة من الصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت قواعد أمريكية في البحرين ومحيطها، بالتزامن مع دوي انفجارات في الكويت وأبو ظبي، في رد مباشر على ضربات مشتركة نفذتها واشنطن وتل أبيب داخل الأراضي الإيرانية.
تحول المشهد الإقليمي خلال ساعات إلى ساحة إنذارات جوية، وإغلاق مجالات، واستنفار دفاعي شامل، وسط رسائل نارية متبادلة وتصريحات سياسية تعكس اتساع رقعة الاشتباك واحتمالاته المفتوحة.
في المنامة، أفادت تقارير بسماع انفجارات قوية في منطقة الجفير التي تضم مقر الأسطول الخامس الأمريكي. وأعلن مركز الاتصال الوطني في مملكة البحرين تعرّض مركز الخدمات التابع للأسطول الخامس لهجوم صاروخي، داعيًا الجمهور إلى الالتزام بالتعليمات الرسمية واستقاء المعلومات من مصادرها المعتمدة.
كما أكدت وزارة الداخلية البحرينية عبر منصة «إكس» إطلاق صافرات الإنذار، وحثّت المواطنين والمقيمين على الهدوء والتوجه إلى أقرب مكان آمن ومتابعة القنوات الرسمية.
المشهد الميداني في البحرين اتسم بسرعة الاستجابة، مع تفعيل خطط الطوارئ، وانتشار أمني واسع حول المنشآت الحيوية، وتوجيهات بالبقاء داخل المباني غير المكشوفة حتى إشعار آخر. وأشارت مصادر متابعة إلى أن أنظمة الدفاع الجوي دخلت حالة اشتباك لاعتراض تهديدات واردة، في إطار تنسيق أمني مع الشركاء الإقليميين.
الكويت وأبو ظبي والرياض: إنذارات
في الكويت، دوّى انفجار تزامن مع إطلاق صافرات الإنذار، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، بينما رفعت الجهات المختصة مستوى الجاهزية في محيط المنشآت الحيوية.
أما في أبو ظبي، فتحدثت تقارير عن سماع دوي انفجارات، وأعلنت السلطات إغلاق المجال الجوي احترازيًا، في خطوة تعكس تقديرًا لمخاطر اتساع نطاق الضربات.
هذه التطورات وضعت دول الخليج أمام اختبار إدارة أزمة مركبة: حماية البنية التحتية الحيوية، طمأنة السكان، والحفاظ على انسيابية الخدمات، مع إبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة لتفادي انزلاق أوسع.
أفادت تقارير إعلامية بسماع دوي انفجارات في العاصمة السعودية الرياض، في أعقاب ما وُصف بهجوم صاروخي إيراني استهدف مواقع داخل المدينة، وسط حالة استنفار أمني واسع وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي. وبحسب مصادر متابعة، جرى رصد أجسام جوية معادية في سماء الرياض، حيث تصدت لها الدفاعات الجوية، في وقت سارعت الجهات المختصة إلى إصدار تنبيهات تدعو السكان إلى البقاء في أماكن آمنة واتباع التعليمات الرسمية.
ولم تصدر حتى الآن حصيلة رسمية بشأن طبيعة الأهداف أو حجم الأضرار، بينما تعكس هذه التطورات اتساع نطاق التصعيد الإقليمي واحتمال انتقال المواجهة إلى عمق عواصم رئيسية في المنطقة، مع تصاعد المخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية أوسع.
والتلفزيون الإيراني أعلن أن القوات المسلحة الإيرانية تستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة، فيما قال الحرس الثوري الإيراني إن «الموجة الأولى من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار واسعة النطاق» انطلقت ردًا على عدوان استهدف الجمهورية الإسلامية.
واشنطن: خطاب حاد ورسائل تغيير
في خطاب متلفز، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن «أمريكا لا تستطيع أن تتحمل أكثر من ذلك»، مضيفًا أن بلاده حذّرت إيران بعد ضربات الصيف الماضي بشأن الأسلحة النووية وسعت إلى إبرام اتفاق دون استجابة جادة.
وأكد أن إيران «لن تمتلك سلاحًا نوويًا»، وأن الولايات المتحدة تثق بقواتها المسلحة، معلنًا أن واشنطن ستصل إلى قادة الحرس الثوري الإيراني. ودعا الإيرانيين إلى «إلقاء أسلحتهم» والبقاء في منازلهم نظرًا لخطورة الأوضاع، معتبرًا أن ما بعد الضربات يفتح فرصة لتغيير المسار.
تصريحات ترامب تعكس انتقال الخطاب من الردع إلى الضغط الأقصى، مع إيحاءات تتجاوز الإطار العسكري إلى أفق سياسي أوسع.
قطر: طمأنة واستعداد
في الدوحة، أكدت وزارة الداخلية القطرية أن الأوضاع «مستقرة وآمنة» وأن الجهات المختصة تتابع التطورات على مدار الساعة ضمن منظومة تشغيلية متكاملة، بما يضمن سلامة المواطنين والمقيمين والزوار واستمرارية الخدمات دون تأثير.
وأشارت وزارة الخارجية إلى إسقاط صاروخ إيراني فوق قطر، في تطور يعكس امتداد مسرح العمليات إلى أجواء الخليج، مع تأكيد الجاهزية الدفاعية والتنسيق الوثيق مع الشركاء.
الموقف القطري جمع بين الطمأنة واليقظة، مع تأكيد أولوية حماية الداخل وتفادي الانجرار إلى تصعيد إضافي.
تحليلات: بين التعبئة الداخلية
وإدارة الصراع
في تعليق لـ«القدس العربي»، قال المحلل السياسي الدكتور خالد حماد من قطر إن إيران «لن تكون على مستوى الحدث، وهي أضعف من أن ترد بصورة متكافئة على ضربات منسقة بين واشنطن وتل أبيب»، معتبرًا أن الخطاب الإيراني المرتفع يندرج ضمن استراتيجية تعبئة داخلية أكثر من كونه تمهيدًا لتحرك عسكري واسع.
وأضاف أن القراءة السياسية تعكس نمطًا أمريكيًا يقوم على ازدواجية المسار، حيث يترافق التفاوض العلني مع ضغط عسكري محسوب لضبط ميزان القوة، بما يشير إلى إدارة صراع طويل الأمد بدل السعي إلى حسم نهائي.
ورأى أن الضربات تحمل أبعادًا ردعية ورسائل استراتيجية إلى أطراف إقليمية أخرى في ظل سباق نفوذ متصاعد، وأن طهران تواجه معادلة دقيقة بين حفظ ماء الوجه داخليًا وتفادي انزلاق شامل يهدد بنيتها الأمنية والاقتصادية.
وأكد أن العملية اتسمت بتخطيط وتنسيق استخباراتي ودعم عملياتي مشترك، وأن الرسالة تتجاوز الإطار التكتيكي للغارات نحو إعادة ضبط ميزان الردع في المنطقة.
من جانبه، قال المحلل الإيراني علي قاسم نجم إن المعطيات تشير إلى تورط أمريكي واضح في التخطيط والتنفيذ، واصفًا التطور بأنه تصعيد خطير في العلاقات بين واشنطن وطهران وتحول في الاستراتيجية الأمريكية بعد سنوات من الضغوط والتهديدات.
أما الكاتب والأستاذ الجامعي اللبناني الدكتور رائد المصري فرأى أن التطورات تعكس مخاطر متزايدة على الأمن الإقليمي، مع مخاوف من امتداد التأثير إلى أسواق النفط والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط، داعيًا إلى تدخل دبلوماسي عاجل لتفادي مواجهات أكبر.
الخليج بين الردع والحماية
تعامل دول الخليج مع الموجة الصاروخية اتسم بثلاثة مسارات متوازية: تفعيل الدفاعات الجوية واعتراض التهديدات، إجراءات مدنية لحماية السكان عبر الإنذارات والإرشادات، وتحرك دبلوماسي لاحتواء التصعيد.
إغلاق مجالات جوية، رفع الجاهزية في المنشآت النفطية والموانئ، وتكثيف الرسائل التطمينية؛ كلها مؤشرات على إدارة أزمة تسعى إلى منع انتقال الاشتباك إلى الداخل الخليجي. الرهان الإقليمي الآن يرتكز على منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في وقت تتبادل فيه الأطراف رسائل قوة محسوبة. أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام دوامة تصعيد أوسع، بينما يظل ميزان الردع العامل الحاسم في رسم حدود الاشتباك.
أفق مفتوح على احتمالات متعددة
المشهد الراهن يؤكد هشاشة البيئة الأمنية في المنطقة وحساسية ملف إيران النووي، الذي يظل تحت المجهر الدولي.
وبين ضربات متبادلة، وإنذارات جوية، وتصريحات سياسية عالية السقف، يقف الخليج عند مفترق طرق تاريخي: إما احتواء التصعيد عبر قنوات سياسية وأمنية منضبطة، أو انزلاق إلى مواجهة إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا.
حتى اللحظة، تواصل العواصم الخليجية إدارة الأزمة ببرود أعصاب مؤسسي، مع رسائل واضحة بأن حماية الداخل أولوية قصوى، وأن الاستقرار الإقليمي مصلحة جماعية.
غير أن وتيرة الأحداث تبقي المنطقة في حالة ترقب ثقيل، حيث تتقدم الدقائق على وقع صافرات الإنذار، فيما تُختبر قدرة الردع على منع اتساع رقعة النار.
في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده منطقة الخليج، قدّم عدد من المحللين قراءات معمّقة لطبيعة المواجهة الجارية واحتمالاتها الاستراتيجية، في ضوء الرد الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد أمريكية في الخليج، وتوسّع دائرة الاشتباك لتشمل إسرائيل وساحات إقليمية متعددة.
الدكتور جمال البواريد، المحلل السياسي في وكالة الأنباء الأردنية، اعتبر أن ما يجري «يمثل انتقالاً مدروساً من مرحلة الضغط المتبادل إلى مرحلة اختبار الإرادات المباشر»، مشيراً إلى أن إيران حرصت على توجيه ضرباتها نحو أهداف ذات رمزية عسكرية واضحة، في محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وأضاف أن استهداف محيط القواعد الأمريكية في الخليج يحمل رسالة مزدوجة: أولاً إلى واشنطن بأن كلفة الضربات داخل العمق الإيراني لن تبقى بلا رد، وثانياً إلى العواصم الإقليمية بأن مسرح العمليات لم يعد محصوراً بجغرافيا بعينها.
وأوضح البواريد أن دول الخليج تعاملت مع التطورات بعقلية «إدارة أزمة عالية الانضباط»، حيث فُعّلت منظومات الدفاع الجوي، وأُغلقت مجالات جوية احترازياً، وأُطلقت تحذيرات مدنية منظمة، ما يعكس تطوراً في بنية الاستجابة الأمنية خلال السنوات الأخيرة.
ولفت إلى أن استخدام منظومات مثل «باتريوت» لاعتراض الصواريخ يبعث برسالة طمأنة داخلية، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن المنطقة أصبحت جزءاً فعلياً من مسرح الاشتباك.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال الضربات الأخيرة إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك مع طهران، عبر إظهار قدرة رد سريعة ومركّزة، دون التورط في احتلال أو مواجهة برية مفتوحة.
وأضاف أن «الاستراتيجية الأمريكية تقوم على مزيج من الضغط العسكري المحدود والرسائل السياسية الحادة، بهدف دفع إيران إلى إعادة حساباتها في الملف النووي وسلوكها الإقليمي».
من جانبه، رأى الدكتور إبراهيم حمودة، الكاتب المصري في «لوموند»، أن ما يحدث «يمثل أخطر لحظة توتر في الخليج منذ سنوات»، موضحاً أن الرد الإيراني جاء محسوباً من حيث التوقيت والنطاق، في إطار سعي طهران لحفظ التوازن الداخلي وإظهار قدرتها على الرد دون فتح جبهة شاملة قد تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
وأكد حمودة أن استهداف قواعد أمريكية في الخليج يضع الدول المضيفة أمام معادلة دقيقة بين التزاماتها الأمنية مع واشنطن وحرصها على عدم التحول إلى ساحات مواجهة مباشرة.
وأضاف أن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها العواصم الخليجية تعكس وعياً بخطورة المرحلة، وسعياً واضحاً لمنع الذعر العام والحفاظ على استمرارية المرافق الحيوية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والملاحة الجوية.
ورأى أن إسرائيل تسعى بدورها إلى توسيع نطاق الضغط على إيران من خلال ضربات متتالية داخل العمق الإيراني، بهدف استنزاف القدرات الصاروخية والبنية العسكرية الحساسة، معتمدة على دعم استخباراتي وتقني أمريكي.
إلا أنه حذّر من أن «تراكم الضربات المتبادلة يرفع احتمالات الخطأ في الحسابات، وهو العامل الأخطر في بيئة إقليمية مشحونة أصلاً».
وختم حمودة بالقول إن المشهد الراهن يعكس صراعاً على إعادة صياغة ميزان الردع في الشرق الأوسط، في ظل تداخل الملفات النووية والعسكرية والسياسية.
وأضاف أن المسار الدبلوماسي يبقى الخيار الأقل كلفة للجميع، غير أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية حقيقية وضمانات أمنية متبادلة، مؤكداً أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء مدروس أم نحو مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل خريطتها الأمنية بالكامل.