باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانخراطه مع إسرائيل في حربها ضد إيران، قدم لنظيره الروسي فلاديمير بوتين فرصة اقتصادية واستراتيجية غير متوقعة، مانحاً لموسكو متنفسًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في حربها الاستنزافية في أوكرانيا.
وأوضحت الصحيفة أن بوتين، في لقائه مع قادة شركات النفط والغاز الروسية، استمتع بالانعكاسات الإيجابية لهذه الأزمة، وسخر من جهود الأوروبيين على مدى أربع سنوات لمحاولة الاستغناء عن الطاقة الروسية، مؤكدًا أن الطاقة الرخيصة تظل عامل إغراء سياسيا قويا.
هذا التوقيت جاء في وقت حرج للاقتصاد الروسي، حيث كانت العقوبات الغربية وحدود سعر النفط التي قررتها مجموعة السبع وتأثيرها على هوامش التصدير تضغط بشدة على المالية العامة، كما بدأ نمو الاقتصاد يتباطأ والميزانية تتوسع.
كما اعتبرت الصحيفة الفرنسية أن الحرب في إيران غيرت المعطيات، حيث ارتفع سعر البرميل إلى أكثر من 100 دولار، كما صعد نفط الأورال الروسي الذي كان يُباع سابقًا بأسعار منخفضة إلى مستويات لم تكن موسكو تتوقعها قبل أسابيع قليلة، مشيرة إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط تضيف حوالي 0.7 نقطة نمو للاقتصاد الروسي، بينما تبدأ الميزانية الفيدرالية بالتوازن عند برميل بسعر 59 دولارًا.
هذا الصعود في أسعار النفط، تتابع “لوموند”، يمثل مفاجأة سعيدة لموسكو، حيث يمكّن الكرملين من تمويل الحرب في أوكرانيا، وتخفيف الضغط على البنوك العامة. وقد اقترح بوتين استخدام هذه العوائد أولًا لدعم البنوك الحكومية الكبرى لتمكينها من امتصاص مزيد من الديون العامة أو زيادة التمويل للصناعة الدفاعية.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن التعديل الذي قامت به واشنطن في العقوبات النفطية، عبر السماح ببيع شحنات النفط الروسي في السوق الحرة بما في ذلك عبر شبكات بحرية مرتبطة بإيران، يخدم مصالح موسكو ويضعف التضامن الغربي، معتبرة أن هذا يعزز الدعاية الروسية التي تشير إلى عدم قدرة الغرب على الالتزام بالقرارات وتحمل التضحيات لدعم أوكرانيا.
وقد أشار بوتين إلى أن الغاز الروسي أرخص من الغاز الطبيعي المسال المستورد من الولايات المتحدة أو الخليج العربي، وأرسل دعوة غير مباشرة للشركات الأوروبية لاستئناف التعاون طويل الأمد مع روسيا بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
وقد دعت بعض الشخصيات الأوروبية، مثل رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر، مؤخرا، لإبرام اتفاق مع موسكو للوصول إلى طاقة بأسعار معقولة، بينما تواصل المجر المطالبة باستئناف توريد النفط الروسي، واستخدام إصلاح خط أنابيب دروغبا الذي يمر عبر أوكرانيا كعملة تفاوضية للموافقة على القروض الأوروبية ودعم الحزم العقابية.
ومضت “لوموند” موضّحة أن النفط ليس الوسيلة الوحيدة التي تستفيد منها روسيا من الحرب في إيران، إذ إن الأزمة تستنزف مخزونات الدفاع الجوي الغربية، بما في ذلك بطاريات باتريوت، المستخدمة لحماية الشرق الأوسط، ما يحد من قدرات أوكرانيا في الدفاع عن سمائها أمام الضربات الروسية.
لكن هذا الأمل الروسي مؤقت، حيث إن أي تهدئة في الشرق الأوسط ستخفض أسعار النفط وتؤثر سلبًا على موسكو. وتعاني الصناعة النفطية الروسية من نقص الاستثمارات الغربية، ما يجعل العائدات الحالية مؤقتة وتركز على سد الثغرات لا على تطوير المستقبل، كما أن قدرة التصدير عبر الأسطول البحري الروسي محدودة.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد التضخم الداخلي المرتفع أصلا، ما يضطر البنك المركزي الروسي للحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة، ويؤثر سلبًا على الاستثمار الخاص والاستهلاك.
وعليه، اعتبرت “لوموند” أن واشنطن ومن خلال إشعالها أزمة إقليمية في الشرق الأوسط تساعد بشكل غير مباشر في تخفيف الضغط الاقتصادي والاستراتيجي عن موسكو، وهي بذلك تمنح بوتين انتصارًا تكتيكيًا مؤقتًا يكفي لإطالة أمد الحرب في أوكرانيا التي كان الكثيرون يأملون أن تضعف تحت وطأة العقوبات.