الصحف الإيرانية بين التأييد والتحذير بعد الهجوم الإيراني على إسرائيل


طهران- «القدس العربي»: أظهرت الصحف الصادرة في العاصمة الإيرانية طهران مواقف متباينة إزاء الهجمات المتبادلة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، حيث رحبت الصحف الأصولية (المحافظة) بالهجوم الإيراني واعتبرته تأكيداً على قوة الردع ودعم الحلفاء، بينما ركزت الصحف الإصلاحية على تداعياته السياسية والدبلوماسية واحتمالات تأثيره على مسار التفاهمات الإقليمية والدولية.
رحبت صحيفة «كيهان»، المحسوبة على التيار الأصولي المتشدد، بالهجوم الإيراني على إسرائيل، وتصدرت صفحتها الأولى بعنوان: «بالهجمات الساحقة على إسرائيل.. إيران أثبتت أنها لا تترك حلفاءها وحدهم». ويشير العنوان إلى الهجمات الإيرانية التي جاءت، بحسب الصحيفة، دعماً لـ»حزب الله» ولبنان.
كما خصصت الصحيفة مجموعة من الصور لصفحتها الأولى، تضمنت صورة للهجمات الصاروخية الإيرانية تُظهر آثار الصواريخ في سماء إسرائيل، إلى جانب خمس صور لتجمعات مؤيدة للنظام في ميادين رئيسية بطهران ومدن إيرانية أخرى، حيث رفع المشاركون الأعلام الإيرانية وأعلام «حزب الله» اللبناني وأعلنوا دعمهم للهجمات.
وتزامن الإعلان عن بدء الهجمات الصاروخية الإيرانية، مساء الأحد الماضي، مع تجمعات ليلية داعمة للنظام والقوات المسلحة الإيرانية، حيث استقبل الحاضرون الخبر بهتافات وتصفيق واسع. وبينما كان المتحدثون يعلنون الخبر عبر مكبرات الصوت، أبدى المشاركون تأييدهم وحماسهم من خلال التلويح بالأعلام وترديد الشعارات.
وأظهرت إحدى الصور مشاركاً يحمل لافتة كتب عليها بالفارسية: «بزن که خوب می زنی «، في إشارة إلى «الحرس الثوري»، بمعنى: «أطلق النار، فأنت تصيب أهدافك بدقة».
وكتبت «كيهان» مؤيدة للهجمات الإيرانية على إسرائيل: «إيران وجهت تحذيراً قوياً للعدو عبر هجمات دقيقة وساحقة. وهي مستعدة لحرب طويلة مع العدو، وثابتة على نهج الدفاع عن المظلومين، ولن تتخلى عن حلفائها. كما أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذه الحرب ولا يمكنها التنصل من دعم إسرائيل. والقوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في حالة جاهزية كاملة، وسيستمر الدعم الإيراني لحلفائه».
وأضافت الصحيفة: «إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمراء الإيرانية، وتلقت صفعة من إيران. وقد وجهت طهران عبر هجماتها الدقيقة رسالة تحذير قوية للعدو، مؤكدة استعدادها لحرب طويلة إذا اقتضى الأمر، ومواصلة دعم حلفائها وعدم التخلي عنهم». أما صحيفة «خراسان» الأصولية، فكتبت أن إيران أرادت أن تؤكد أن تهديداتها ليست مجرد تصريحات، وقالت: «أرادت إيران أن تقول إن كلمتها لا تبقى بلا تنفيذ. وللمرة الأولى تنفذ عملية عسكرية رغم عدم تعرض أراضيها لهجوم مباشر، وهو أمر لم يكن متوقعاً لدى إسرائيل حتى بعد أربعين يوماً من الحرب».
وأضافت الصحيفة أن أحد أبعاد عملية «النصر» يتمثل في دعم «حزب الله»، وهو جانب لا يمكن شرحه بالكامل في بضعة أسطر وعلاقته بالمصالح الوطنية الإيرانية، إلا أن البعد الآخر يتمثل في أن «كلمة إيران» لا ينبغي أن تبقى بلا تنفيذ. واعتبرت أن الدولة التي تجعل الآخرين يأخذون تهديداتها ومواقفها على محمل الجد تستطيع حماية مصالحها، أما التراجع فيدفع الخصوم إلى التقدم، مؤكدة أن إيران صاغت سلوكها خلال المئة يوم الماضية انطلاقاً من هذا الفهم.
بدورها، خصصت صحيفة «جوان» الأصولية عنوانها الرئيسي لدعم الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، وجاء العنوان: «إيران رفعت ذراع معادلة القوة».
وتضمنت الصفحة الأولى صورة لعائلة مكونة من أب وأم وطفلين يشيرون بأيديهم إلى حركة إطلاق الصواريخ، بينما يظهر خلفهم عدد من الأشخاص المشاركين في تجمعات ومسيرات وهم يحملون الأعلام اللبنانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الصورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي وليست صورة حقيقية.
وجاء في افتتاحيتها: «للمرة الأولى تقصف إيران الكيان الصهيوني بسبب اعتدائه على دولة أخرى، لتؤكد أن أرواح المسلمين في أي مكان من منطقة غرب آسيا هي جزء من أمن إيران. كما أغلق اليمنيون رسمياً مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية، لتتشكل معادلة جديدة واسعة تمتد من جنوب لبنان إلى بيروت، وتشمل ضمناً اليمن والعراق وسائر الأراضي الإسلامية».
في المقابل، خصصت صحيفة «سازندكي» الإصلاحية صفحتها الأولى للهجوم تحت عنوان «هجوم على الاتفاق»، بينما ظهرت في خلفية الصفحة صورة ممزقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باللون الأحمر. والصحيفة مقربة من حزب «كوادر البناء» (كاركزاران سازندكي) وتدعم حكومة الرئيس مسعود بزشكيان.
وفي مقال للكاتب أبو الفضل خدايي، جاء: «في الأيام التي كانت فيها إيران والولايات المتحدة تقتربان من تفاهم، سعت إسرائيل، على نهجها السابق، إلى إفشال هذا المسار، فخرقت بنود وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وبدأت هجمات واسعة ودامية على لبنان بهدف دفع إيران إلى الرد العسكري وجعل التوصل إلى اتفاق أمراً مستحيلاً. والسؤال هو: هل نجح نتنياهو في تحقيق ما أراده؟».
وأضاف الكاتب أن الأوضاع السياسية في المنطقة كانت خلال الأيام الأخيرة تتأثر بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة، بينما كانت بعض الدول الإقليمية، ومن بينها باكستان، تبذل جهود وساطة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، ومع زيارة أحد المسؤولين الباكستانيين إلى طهران ونقل رسائل بين طهران وواشنطن، بادرت إسرائيل بشكل مفاجئ إلى شن موجة جديدة من الهجمات على لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين محاولة لإفشال المسار الدبلوماسي ومنع أي تقارب محتمل بين إيران والولايات المتحدة.
أما صحيفة «شرق» الإصلاحية فاختارت عنواناً رئيسياً يقول: «أكبر اختبار لوقف إطلاق النار».
وكتبت في مقال للصحافي عبد الرحمن فتح إلهي أن المنطقة تبدو مهيأة لانفجار واسع وتصعيد أكبر، إلا أن سلوك إيران وإسرائيل والولايات المتحدة يشير إلى استمرار ما وصفته بـ»التوتر المنضبط تحت سقف الحرب». وأوضحت أن إيران سعت عبر هجماتها الصاروخية إلى إيصال رسالة ردع، في حين تحدثت التقارير عن جهود أمريكية لمنع اتساع رقعة المواجهة واحتواء الرد الإسرائيلي.
وأضافت الصحيفة «أن إعلان وقف العمليات من جانب مقر «خاتم الأنبياء»، ثم حديث إسرائيل عن وقف هجماتها، يعززان فرضية أن أياً من الأطراف لا يرغب حالياً في انهيار كامل لوقف إطلاق النار الذي دخل يومه الثالث والستين».
وفي تقرير آخر بعنوان «أسواق طهران لم تُبدِ رد فعل انفعالياً تجاه تبادل النيران بين إيران وإسرائيل»، كتبت الصحيفة أن المواجهة العسكرية لم تصب الأسواق الإيرانية بالصدمة، إذ ما زال المتعاملون متفائلين بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، ولا يتوقعون اندلاع حرب جديدة ضد إيران في المدى القريب.
وأضاف التقرير أن هذا التفاؤل حال دون تعرض سوق الأسهم -الذي سجل بعد الحرب التي استمرت أربعين يوماً مستويات قياسية في ارتفاع المؤشرات- لانهيارات أو تراجعات حادة، كما أن سعر الدولار شهد تقلبات محدودة فقط، في حين سجلت أسعار الذهب تراجعاً على خلاف التوقعات.
أما صحيفة «اعتماد» الإصلاحية، الداعمة لحكومة بزشكيان، فقد اختارت عنوانها الرئيسي: «معركة انتزاع الامتيازات».
ونقلت الصحيفة عن المحلل الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين قوله إن إيران تسعى إلى تحقيق مكاسب تدريجية ومباشرة في تعاملها مع الولايات المتحدة. وقال: «إذا قصفت إسرائيل جنوب بيروت أو جنوب لبنان، فإن إيران ستضرب شمال فلسطين المحتلة. هذه هي سياسة الامتياز مقابل الامتياز. إسرائيل اختبرت إرادة إيران في هذا المجال وخرجت بقناعة أنها لا تمزح».
وأضاف: «الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان الآن أن إيران تمتلك إرادة قوية للعودة إلى الخيار العسكري عند الضرورة ولا ترى في ذلك مشكلة. فإذا تعرض جنوب بيروت للقصف ستقصف إيران شمال إسرائيل، وإذا تعرضت المصالح الإيرانية للضرر، فإن طهران ستفضل المواجهة العسكرية من أجل فرض منطقها ومطالبها».
كما نقلت الصحيفة عن أستاذ الجامعة والمحلل السياسي كيومرث يزدان بناه قوله: «ما تشهده إيران يمثل اختباراً لصبر المجتمع الدولي الذي بدأ مساراً جديداً. وأعتقد أن البيئة الدولية تجاوزت مرحلة الانتقال ودخلت مرحلة الاستسلام، ويمكن اعتبار هذه المرحلة بمثابة نهضة جيوسياسية جديدة لإيران».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *