يحفل الأدب والثقافة السياسية العربية المعاصرة بالرموز الأنثوية، خاصة في الكتابات «الملتزمة»، أي المرتبطة بشكل أيديولوجي مباشر وكثيف بالقضايا السياسية والاجتماعية الدارجة، ذات الطابع القومي والديني غالباً، ولكن الممتد حتى التيارات الناشطية، أو التي تصف نفسها بالليبرالية. ومن رمز «الأرض»، المرتبطة بالخصوبة والشرف، وحتى شعار «الثورة أنثى» الناشطي، تحضر الأنوثة، بوصفها قيمة سياسية وثقافية تعبوية. لا يعني هذا بالتأكيد نسوية الخطابات العربية المعاصرة، بقدر ما يشير للعكس: الهيمنة المفرطة للمخيّلة الذكورية عن الجسد الأنثوي، وتسييس تلك المخيلة بشدة.
ليس جسد المرأة أرضاً أو ثورة، كما أنه بحد ذاته لا يشير إلى أي دلالة ضرورية، هذه مجازات، ذات طابع رومانسي/سياسي، والمجازات تصبح شديد الخطورة، عندما يفقد الناس القدرة على تمييز طابعها اللغوي الفعلي، ويأخذونها بمعانٍ حرفيّة، أو مطلقة، أو بحتمية هوياتية، فتصبح النساء رموزاً حيّة ومتحرّكة، تُسقط عليها اندفاعات وجدانية جماعية، أو تٌستعمل أيديولوجياً، بطريقة مسيئة للنساء، مهما ادعت مناصرتهن، فيصبح الموقف النسائي نابعاً بالضرورة من الجسد أو الخصائص الفيزيولوجية أو الهوية الجندرية، ويُبعد عن الفكر والوعي، والموقع الاجتماعي والسياسي، الذين يتسمون بالتعدد والتناقض وعدم الحتمية. يمكن للنساء أن يكن غير وطنيات، وغير ثوريات، بل محافظات ومتجاوزات للوطنيّة، بل حتى للنسوية، وغير ملتزمات بالإسقاطات الأيديولوجية عنهن، وعن «الموقف النسائي الصحيح».
إلا أن تسييس الجسد النسائي ليس رمزياً وخيالياً فحسب، بل له جانب حيوي، أو بالأصح سياسي/حيوي Biopolitic، يندمج بالجانبين الرمزي والخيالي، وهو الأخطر، فارتباط الأجساد النسائية بوظائف الحمل والولادة والرعاية الأوليّة، يجعلها ذات أهمية سياسية حاسمة في بناء الأمّة، والهندسة الاجتماعية، والسياسات التنموية، وعمليات الإخضاع والغزو والإبادة، ولذلك فهي أساسية في أي سياسة قوميّة، سواء كانت ذات طابع ديني أو علماني؛ كما أنها عنصر مستهدف بشدة في الحروب، خاصة الحروب ذات الطابع القومي والإثني والديني، لدرجة يمكن معها القول إن الأمم وحروبها تُبنى وتُخاض، في جانب أساسي منها، على الجسد الأنثوي.
في دراستها عن «الجندر والأمة»، تصف الباحثة البريطانية -الإسرائيلية نيرا يوفال ديفيس المرأة بأنها «المُنتج البيولوجي للأمة»، مؤكّدة ثلاثة أبعاد قومية تأسيسية لدور النساء: بُعد المواطنة، إذ تندرج النساء في الدول والحركات القومية بوصفهن «مواطنين بمكانة خاصة»، وهذه «المكانة» تفترض الدمج والإقصاء في الوقت ذاته، فهن قد يتمتعن بمساواة قانونية، أو يعتبرن مشاركات في النضال القومي، إلا أن الترتيب الجندري للأدوار، يبقى الأساس المُتحكّم في إبرازهن أو إخفائهن، وفي تحديد المجالات المخصصة لهن، وسط الحكومات والجيوش والحركات السياسية. ولهذا الترتيب دلالة أيديولوجية حاسمة في هوية الأمّة.
البُعد الثاني هو بعد الثقافة القومية، إذ تعتبر النساء «ناقلاً ثقافياً» مركزياً لقيم الأمة، نظراً لدورهن في تربية الأطفال، وإيصال اللغة والقيم والدين والتقاليد، والحفاظ على هوية العائلة، وبالتالي لا يمكن تركهن ببساطة لخيارتهن الفردية، بل يُصنع لهن مجال الخيارات المتاحة أصلاً، عبر القانون والتعليم والثقافة الجماهيرية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، وأي خلل في دور «الناقل الثقافي» يهدد الأمة برمتها.
تصل السياسات الحيوية إلى ذروتها في البُعد الثالث، وهو بُعد الأصل/الانتماء البيولوجي، فسيطرة الجماعة والأمة على أجساد النساء، هو الضامن الإثني والعرقي الأساسي لإعادة إنتاج الأمة الحيوي، ولذلك تُنظّم عمليات التزاوج بصرامة، وكذلك السلوك الجنسي، وبتبعات قانونية واجتماعية حاسمة في شؤون الحياة كافة، بما في ذلك نيل الجنسية، ونقلها إلى الأبناء، وضبط الزيجات المختلطة، وحضانة الأطفال، وقوانين الزنى والآداب العامة، وغيرها. النساء هن «الحد البيولوجي للأمة»، انتهاكه يعني سقوطها، وعدم قدرتها على إعادة إنتاج نفسها.
هكذا يندمج البيولوجي بالقانوني بالثقافي بالرمزي، ليصنع المكانة القومية الفريدة للنساء، وهي ليست مكانة «طبيعية»، بل نتيجة سياسات وخطابات وأداءات معقدة، تُدمَجُ النساء في أنماطها التواصلية المستقرة بنيوياً، بصرف النظر عن خياراتهن الذاتية، إلا في حالات التمرّد الاجتماعي الواسع، المترافقة مع تعطّل الأنظمة الاجتماعية القائمة (السياسة، الاقتصاد، الدين، الأخلاق، التعليم، إلخ)، وتبددها التدريجي، عقب عجزها عن استيعاب تعقيد بيئتها البشرية المحيطة.
يمكننا أيضاً فهم سبب الاستهداف المُكثّف للنساء، في النزاعات ذات الطابع الإثني والديني الشديد، مثل الحرب البلقانية والحرب السورية، فهو محاولة لتدمير المجموعات المعادية تماماً، عبر انتهاك نسائها، ما يمنعها من إعادة تجديد نفسها، ويُدرج ذلك الانتهاك في سياق الإبادة الجماعية. من جهة أخرى يوضّح هذا تركيز موجات أيديولوجية واجتماعية، مثل «الصحوة الإسلامية»، على النساء بشكل شديد الإلحاح، فهن رموز «الصحوة» وأهم معالمها، والميدان الأساسي لبناء المجتمع الإسلامي المثالي، ولذلك كان تحجيبهن، وضبط حضورهن في الحيز العام، وتحديد أدوارهن، وشرعنة جوانب من العنف الاجتماعي ضدهن، الفعل السياسي الأساسي والأكثر أهمية بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي.
توجد جوانب أشد خطورة في الاستعمال السياسي/الحيوي للجسد الأنثوي، رمزها الأساسي هو الرَّحِم، وهو التكثيف الأشد للوظيفة الإنجابية للنساء، باستتباعاتها السياسية. تتم في بعض النزاعات الأشد احتداماً عسكرة الرَّحِم بكل معنى الكلمة، إذ يُعتبر سلاحاً ديموغرافياً في المعركة، يمكنه ضمان تجديد الخسائر التي يُلحقها العدو؛ أو التفوّق عليه عددياً، ما يضمن الهيمنة الثقافية والسياسية؛ أو غزوه من الداخل؛ أو قطع نسله؛ أو ملء أرحام نسائه بنسل آخر، تمهيداً لتغيير بنيته الديمغرافية والثقافية. ولنا أن نتخيّل كم يولِّد هذا المنظور من قمع للنساء، وحَدٍّ لخياراتهن، واستهدافهن، قتلاً وخطفاً واغتصاباً. الرَّحِم هنا يصبح أقرب لـ»منطقة عسكرية مغلقة»، يجب ضمان السيطرة عليها، وتشغيلها، والدفاع عنها؛ أو منطقة عسكرية معادية، يجب جعلها مفتوحة، وتأمين السيطرة عليها.
ليس هذا تحليلاً من عالم الدراسات الجندرية، بل تصريح واضح، ينطق به بعض الإسلاميين، والطائفيين، وأنصار الميليشيات، والمستوطنين الإسرائيليين. ولا يُعد من المبالغة القول، إن وجود هذا النوع من الأفكار في أي مجتمع لن ينتهي إلا بمآسٍ مروّعة، تتراوح بين تعريض المجتمع المحلي للإبادة، أو إبادة المجتمع المعادي. معركة الأرحام معركة صفرية، لا تنتهي إلا بفناء أحد الطرفين، أو قيام المتن الاجتماعي، في المعسكرين، بإلغاء متطرفيه، ومَنْ أقدر من النساء، المتضررات الأساسيات من كل هذا، على القيام بهذه المهمة، وتصدّر مقاومة المتن الاجتماعي للتطرّف؟ إلا أن الأمور ليست بهذه البساطة، إذ أن كثيراً من النساء يؤدين مهمة «الرَّحِم الحربي» بكامل إرادتهن، ولذلك أسباب معقدة، تتراوح بين العوامل الاجتماعية/الثقافية، والقناعات الدينية، والنوازع اللاواعية، التي يميل البعض لتفسيرها بفرضيات علم النفس التطوري. ما يطرح أسئلة صعبة عن السياسة الحيوية الممكنة في ظروف كهذه: هل يمكن تشكيل مقاومة مجتمعية فعّالة ضد «حروب الأرحام»؟ وهل من الصحيح والمجدي جعل الأنوثة مجدداً رمزاً لتلك المقاومة، على طريقة بعض الحركات «التقدمية» المعاصرة؟ ألن يكون ذلك إسقاطاً سلطوياً جديداً على الجسد الأنثوي، ذكورياً في عمقه؟
العنف التعبوي
يميل عدد مهم من الدراسات والخطابات النسوية الناشطية المعاصرة، إلى اعتبار العنف ضد النساء جندرياً بحتاً، لضمان إعادة إنتاج النظام الأبوي، والهيمنة الذكورية، إلا أن هذين التحديدين واسعان جداً، ولا يوضحان غالباً أي نمط من الأبوية والذكورية يُعاد إنتاجهما عبر العنف، والمعنى الاجتماعي من إعادة الإنتاج، وكأنهما مؤامرة تنبع من الذات والهوية الذكورية، من دون دلالة جماعية، أو غاية وجدوى، سوى الهيمنة بحد ذاتها؛ فيما تحدد بعض التيارات المتأثرة بما بعد الكولونيالية والتقاطعية، دوافع استعمارية، وطبقية، وعنصرية للعنف، إلا أنها رغم هذه تظهره أقرب لعنف خارجي، مقبل من خارج الهوية، ويتمحور كله في نهاية المطاف حول تجريد «رجل أبيض غربي بورجوازي»، يحتكر كل الامتيازات، ويعبّر بذاته عن النظام، في عملية تذويت وعرقنة واضحة (تجسيد النظام بذات وعرق).
يمكن لدراسات الأمة، أن توسّع ذلك التصوّر النسوي، وتساهم بإخراجه من طابعه الناشطي، المتمحور حول الذات والهوية المضطهدة و»المظلومية»، فهي تبيّن العنف الجماعي الداخلي، ذا الطابع القومي، الذي تتعرض له النساء، وقد تقبل فئات منهن به، لدوافع وطنية أو دينية أو ثقافية. إذ أن «المُنتِجات الحيويات للأمة»، قد يشعرن بالفخر أو الانتماء أو الوَرع، بسبب الدور الممنوح لهن في الجماعة، حتى لو تضمّن أنماطاً مركّبة من العنف، أو جعلهن موضوعاً للاستهداف.
إلا أن وصف العنف بالقومية لا يعني بالضرورة أنه يقوم على رابط جامع، يشمل ويدمج كل الفئات بالتساوي، بل غالباً ما يقوم على اضطهاد ديني أو طائفي أو عرقي، للفئات غير المعيارية في الأمة وهويتها، كما أن تحديد «شعب» الأمة، لا يقوم إلا على إقصاء واستبعاد مجموعات كثيرة، لا تطابق المفهوم السياسي والثقافي المبني عن «الشعب». وقد يصل العنف القومي إلى درجات مروّعة، ويرقى إلى الإبادة الجماعية، في لحظات المعارك الوجودية، التي تحددها الأمة ضد أعداء الداخل والخارج، أو عند اندلاع الحروب الأهلية، التي تتضمّن، في كثير من الأحيان، سعي جماعة محلّية إلى إخضاع بقية الجماعات بالعنف، أو إبادتها، باسم الأمة.
يمنح هذا صفةً تعبويةً للعنف الذكوري ذي الطابع القومي، إذ على النساء أن يكن مستعدات دائماً لأن يكن في قلب معارك الأمة، ليس بصفتهن مقاتلات، أو مناضلات عاديات، مثل الذكور، وإنما عبر قيامهن بحفظ «الحد البيولوجي للأمة»، وأداء دور «الناقل الثقافي» بأفضل شكل ممكن. وبالتالي فإن العنف التعبوي هو تحويل الخوف الوجودي، والهوية، وشعور الاضطهاد، ونزعة التفوّق، إلى طاقة تنظيمية، تُعيد ترتيب الأدوار الجندرية داخل الأمة. هكذا فإن العنف الاجتماعي المُمأسس ضد نساء الأمة، المُتضَمَّن في القانون، والقيم الاجتماعية (مثل الحشمة، وحفظ العَرض، والإخلاص العائلي والوطني والديني والطائفي)، والرموز الجندرية/السياسية (التي قد تتجسّد في أزياء معينة، تصبح في بعض الحالات أقرب لعَلَم الجماعة، مثل الحجاب)، كل هذا قد يكون جانباً من المعركة، أو التحضير لها، أما رفض الخضوع له فهو أقرب للخيانة.
قد يوضح هذا الأبعاد السياسية والأيديولوجية المعقدة للهيمنة الذكورية، فهي ليست مجرد قمع محض، بل قد تكون أسلوباً لمنح الانتماء والهوية، حتى لضحاياها، كما أنها تُعبئهن لغاية أسمى، وتجعلهن في قلب الاستهداف. رغم ذلك، لا تنال النساء صفة الشهيدات دوماً، رغم كل تضحياتهن هذه، إذ كثيراً ما تُخفى حالات الاستهداف، وضحاياه، ولا ينلن أي تكريم، خاصة عندما يتعلق بـ»هتك العرض»، نظراً لكونه عاراً على الأمة والجماعة.
نزع سياسية الجسد؟
على الرغم من أن الجسد الأنثوي لا يحوي طبيعياً أي دلالات ضرورية وحتمية، إلا أن إغراقه اجتماعياً بالدلالات الرمزية، وضبطه عبر السياسات الحيوية، يجعل أي حديث عن نزع سياسيته، أو إبعاده عن النزاعات، أقرب للأمنيات الطيبة؛ كما أن ردّ التصرّف به إلى «الخيار الفردي» يبدو قاصراً عن فهم الأبعاد البنيوية والمنظوماتية، التي تصنع أفق الخيارات نفسه، وتخترق الجسد سلطوياً، لتعيد تشكيله عبر سياسات تتجاوز الفرد. وسط «حرب الأرحام» تصبح النساء موضوعاً سياسياً للاستهداف، وتُحمَّل أجسادهن ثقل الأمة والجماعة، وهذا يجعلهن في قلب السياسة والحرب، ويجعل من دعوات نزع التسيّس استلاباً مزدوجاً، إذ تحرم مَنْ يتعرضن لأقسى أشكال الاضطهاد والاستهداف، من إدراك ترميزات اضطهادهن، ومن ثم التعاطي معها سياسياً، بما قد يساهم بتحويل موقعهن السياسي، من ميدان للاستغلال والاستباحة، إلى مجال لإطلاق واستعمال قوتهن السياسية، لإعادة تعريف المجال السياسي نفسه.
ضمن هذا السياق، يصبح الحديث عن «خيارات فردية»، المُميز للتيارات النسوية الناشطية، أقرب للتجهيل، إذ لا يوجد ما هو فردي في أي قرار يمكن اتخاذه، وكل فعل له طابعه السياسي الجماعي. يمكن اعتبار تحطيم «الدائرة السحرية» الوهمية، التي تفترضها الفردانية الناشطية، نمطاً من التنوير، الذي يقوم على عدة عناصر: أولها توصيف الطابع السياسي/الحيوي للاضطهاد والاستباحة، وعدم تبريره أو تطبيعه، بمقولات مستمدة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من مفهوم «الأمة» (ثقافة المجتمع، الهوية، المقاومة، إلخ)؛ وثانيها نزع طبيعية وبديهية أي موقف محتمل، إذ أن الخيارات والآراء والسلوكيات لا تنبع من الطبيعة النسائية، أو من عمق الهوية المضطهدة، بل نتيجة تركيبات اجتماعية معقدة ومتناقضة ومتغيّرة، وبالتالي لا يوجد موقف نسائي «صحيح»، أو فوق النقد والنقاش، لمجرّد أنه نسائي؛ وثالثها توضيح الاحتمالات السياسية للفعل، وخلفيتها النظرية والمنهجية، وهي احتمالات متعددة ومتغايرة، وكلها جماعية، وتعبّر عن موقع اجتماعي وسياسي وفكري، لا يمكن الالتفاف عليه بمقولات «الخيار الفردي»، أي خيار سيكون انضماماً لموقع ومنظور معيّن، وتحمّل مسؤولياته، وليس مجرّد نزعات وانطباعات في الذات الفردية.
يؤدي هذا النمط من التنوير إلى التسييس الكامل، بدلاً من تسييس منقوص واستلابي، يضع النساء في موقع الهدف والضحية، بدون أن يمنحهن مساحة الفعل السياسي الواعي. ربما يمكن تكثيف هذا بمقولة: «الأمة» لا تقوم إلا على أجساد النساء، ولكنَّ النساء لسن «الأمة» بالضرورة، ويمكنهن اتخاذ موقف جماعي تجاه هذا.
المواقف السياسية الجماعية الممكنة كثيرة ومتنوّعة، ولكن يمكن تصنيفها ضمن إطارين أساسيين: إطار حروب الأمة والهوية، التي تُعسكر الرَّحِم، وتجعل أجساد النساء موضوعاً للاستهداف؛ وإطار النضال لأجل السلام، الذي يقوم على مواجهة التطرف القومي والديني، والمطالبة بالحقوق والحريات الأساسية، ومنها حرية المعتقد، وتقرير المصير الفردي، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية، حتى لو كانت بالضد من أي مفهوم مجرّد عن الأمة. وهو موقف يجعل الدفاع عن الحياة غايته الأساسية، ويمكنه من أن يضع قضية النساء في الصدارة، ويجعلها أساساً للدفاع عن المجتمع بأكمله.
ولكن، أليس هذا ترميزاً ذكورياً مضاداً، مُسقَطاً على النساء، يضع رمز المرأة الصانعة للسلام، والمدافعة عن الحياة، في مقابل رمز المرأة بوصفها منتجاً حيوياً للأمة؟ إذا كان تسييس الرمز النسوي واقعاً لا يمكن تجاوزه، أو تفكيكه بنيوياً، فإن السؤال لا يصبح كيف نلغيه، بل أي حياة نعبّئ الجسد من أجل استمرارها.
ما قد يقي التصوّر المضاد من المصادرات الذكورية، أو يخففها، هو وعيه بذاته بوصفه موقفاً سياسياً «مصطنعاً»، وليس طبيعياً، وأنه لا يعبّر عن «المرأة» بألف لام التعريف، بل عن موقف نظري واجتماعي، يمكن الدعاية له وسط النساء ذوات المصلحة به، من دون أن ينفي تعدد الخيارات والمواقع، إذ يمكن بالتأكيد أن تكون كثيرات من النساء، بل والنسويات، مؤيدات للحرب وعسكرة الأرحام، والدليل منظمات النسوية الناشطية، المتورطة بتأييد الميليشيات، والتطرف القومي والديني؛ والملتزمة بقضايا «الأمة»، بما لا يقل عن مشايخها وأمراء حربها.
كاتب سوري