الروح المعذبة في قصص «خفايا الرُّوح» للأردنية صفاء الطحاينة


ستبقى القصة القصيرة سيدة السرد، وفنه الإبداعي الأرقى، الذي يؤكد طول باع كاتبه أو قصره. وعلى الرغم من نزوعِ كثير من الكُتَّاب نحو الرواية لما فيها من إغراءات ومساحات واسعة للتنوع والبوحِ والحكي، إلا أنَّ للقصة القصيرة جنودها المخلصين، وكُتّابها المبدعين، وعشَّاقها المتيمين، ولا تزال المجموعات القصصية تصدر، لتسجل حضور هذا الفن الجميل، الذي يستعصي على الموت، ولم يستنفد أغراضه بعد، كما توهم البعض.
وتأتي مجموعة «خفايا الروح» للأردنية صفاء فارس الطحاينة، الصادرة عام 2024 عن وزارة الثقافة الأردنية، لتؤكد ما أشرنا إليه من تيار القصة القصيرة الذي لا يتوقف، وإبداعها الذي لا ينضب، وتجددها وتطورها دون حدود، وتمردها على القوالب والتدجين.
تتكون المجموعة من عشرين قصة قصيرة، ذات عناوين لافتة، منتقاة بعناية. واكتسبت كل قصة قيمة مضافة، بما تصدرته من عتبات نصية، ذات دلالات عميقة، متعالقة مع نص القصة، تجذب القارئ، وترفع منسوب شهيته للقراءة، والغوص في النص، واستكناه أسراره ومراميه.
تناولت قصص المجموعة موضوعات كثيرة، وعلى درجة عالية من استبطان الروح ودواخل النفس والغوص في أعماقها، قصص تلامس الروح، وتخاطب المشاعر، وتتشبث ببقايا الإنسانية والطفولة والفطرة، لتعيد للحياة بهجتها ورونقها وديمومتها. وتتناول هذه المقالة الرَّوح المعذبةَ في طائفة من القصص.

الشبكة العنكبوتية
قصة عن فتاة تلقفتها شبكة عنكبوت، تصارع من أجل النجاة والخلاص من أسر خيوط تكبلها وتضيق الخناق عليها، وهي ترى مَنْ يقع فريسة لا فكاك لها فيكون مصيره الموت، ومَنْ يحالفه الحظ ينجو بعد صراع مرير. وهي قصة رمزية، تشير إلى الروح الإنسانية المعذبة، في خضم هذه الحياة وظروفها القاسية التي تلتف حوله وتلتف، تشتد وتضغط دون هوادة، ولا ينجو منها إلا الميت.
خيوط العنكبوت تلتف حولنا، لا نراها، ولكن نشعر بها وبأثرها الموجع، نحاول أن نفتك من أسرها، ولكن هيهات هيهات… ومن المؤلم أنَّ معظمنا اختار شبكته بنفسه، ووقع في براثنها الناعمة القوية، والشبكات كثيرة وذات بريق مغر. وما شبكة الإنترنت بكل ما تحتويه من تطبيقات ومواقع إلا إحدى هذه الشبكات المرعبة التي نجحت في سحب الجميع إلى أعماقها السحيقة، وطُمس على قلوبنا، فلا يحاول أحد منا أن يتحرر منها، بل نزداد بها تعلقا وتشبثا كأنها هي الحياة، وما عداها وهم.

نوبة حنين
في هذه القصة، صدمتها وفاة والدها، ولم تصدق أنها فقدته إلى غير رجعة، تأخذها رجفة وهي تودعه ونعشه يبتعد عنها.. تقول: «فراقك عني طلوع الروح يا عزيز الروح.. وأنا لا أقوى على الموت مرتين!»
وعلى الرغم من مرور سنون كثيرة على وفاة والدها إلا أنّ «مشاعر الحنين إليه ساطعة مثل الحقيقة، غامضة مثل الخيال، وفكرة أن تلحق به شهيّة كالموت. تجمح بها أفكارها الرعناء بعيدا، وتلجمها محبة زوجها، وحاجة طفلیها لها». ذات زيارة إلى قبره تناجيه: «لست بخير يا أبي! أشعر أنّ أبواب الدنيا قد أُقفلت في وجهي.. وفي داخلي هاجس يخنقني.. لا يمكنني ابتلاع الغُصَّة، والهمّ أثقل كاهلي. النوم جافاني.. والهالات السوداء أرقٌ أكحّل بها عينيّ.. أمّا أحلامي، فتهدمت قبل أن تُبنی.. أتعلمُ يا أبي؛ اعتزلت كلَّ من حولي.. وانطويت على ذاتي.. وحياتي، حقا لا أعلم كیف أحياها من دونِك!». إنَّ فقدان الأب أو الأم أو كليهما، جرح لا يندمل، وعذاب لا يتوقف، وتيه لا نهاية له، وألم يزداد.. فقد الوالدين فقدان لطعم الحياة، بل للحياة نفسها أحيانا… نحن لا شيء من دون أبوينا، نكرات، نبت بلا جذور، أوراق صفراء في مهب الريح.

جدار الصمت
قصة فدائي فلسطيني، تستفزه جليسته العربية في قطار في ألمانيا أن يحدثها عن قصته، وأسباب خروجه من فلسطين، متهمة إياه بالهروب والتخلي عن القضية، فتنكأ جراحه، وتشعل النار من جديد في روحه. هو لم ينس ما حدث، ولكنه كان يتناساه، يحاول أن يزحزحه من أمام ناظريه، لكن إعادة سرد ما حدث، أحيا ما عاشه من جديد كأنه حدث للتو واللحظة، كأنه ينظر إلى ساحة القتال عند أحد المعابر حين خرَّ رفيقه ناصر شهيدا، بعد أن قاتل ببسالة، وأُلقي القبض على خالد فقتله جندي جبان برصاصة في رأسه، أما زينب فقد مثلوا بها، وقطعوا أعضاءها عضوا عضوا حتى استشهدت، أما هو فلم يستطع التدخل بسبب الدور المنوط به، وكان قلبه ينزف وروحه تحترق، وما زالا حتى اللحظة.
ومن المؤكد، أنَّ قدر الفلسطيني أن تبقى روحه مُعذبة، فلا شيء سوى العذاب؛ أسرٌ وضنك، وحواجز تفتيش من العذاب، ومداهمات أمنية، وتوقيف إداري، وتحقيق وحشي، واعتداء مستوطنين، ومنع تجول، وهدم بيوت، وقصف عشوائي، ناهيك عما تعرضت له غزة من إبادة جماعية، ومحرقة لا مثيل لها في التاريخ. وأيًا كان، فما دامت القدس مغتصبة، فستبقى الروح معذبة وإن كان الجسد في رغد ونعيم.

آلام حان قطافها
تعيش «براءة» حالة من الضياع والحيرة، تكتم في صدرها ما تعانيه من آلام ومتاعب، تبتعد عن الناس؛ لتعيش وحدتها ولتتألم بصمت بعيدا عن العيون. وتجسد لها الألم شبحا باسم «طيف»، يؤكد لها أنه يحبها، وسيعمق وجوده في أعماقها، إن لم تتخلَّ عنه، ويرجوها ويتضرع إليها أن تتخلص منه، فمن الظلم أن تقضي حياتها تحت وطأة عذاب تستطيع تجنبه، وأكبر خطوة يجب أن تخطوها لتعيش كما تحب، أن تفسخ خطوبتها من «رائد» الذي يصفه بالأبله، فهي لا تحبه ولا تطيقه، ومن الإجحاف أن تُسعد الآخرين على حساب حياتها وسعادتها. وبعد تفكير، فسخت «براءة» خطوبتها، فشعرت بسعادة غامرة، ثم شجعها «طيف» على أن تترك عملها، وعلى الرغم من خوفها من والدها، إلا أنها قررت أن تتركه وتكمل دراساتها العليا لتحقق ذاتها كما تحب، ثم تزوجت بمن مال قلبها إليه. وعندما اكتملت مهمة «طيف» ودعها وهو سعيد لأجلها.
تشير هذه القصة إلى أنه من الظلم أن نعذب أرواحنا انصياعا لقرارات الغير وتحكمهم في حياتنا، وأنَّ حريتنا وسعادتنا تكمن في تحقيق ما نصبو إليه، ولا نرضخ لأي ضغوطات من أي كان. وإن لم نفعل فنحن من نظلم أنفسنا ونعذبها بأيدينا، وهذا قمة الحمق والبله.

ليلة القبض على أنفاسي
في هذه القصة يتكرر الكابوس عدّة مرات، فتقوم الفتاة فزعة مرتعبة، وعندما يتكرر الكابوس المرعب ثلاث مرات في ليلة واحدة، فهذا يعني أنَّ الروح في أقصى عذاباتها وقلقها وتعبها وربما يأسها وإحباطها، الكابوس يعني أنَّ الألم بلغ مداه، والروح لم تعد تحتمل، تختنق، تتوجع، تنزف، تئن بشدة.
ولكن، ثمة أناس يأتيهم الكابوس في يقظتهم وعلى مدار الساعة وليس ثلاث مرات فقط، قد يأتي الكابوس على شكل مدير أعوج، أو زوج أهوج، أو زوجة نكدة، أو ابن عاق، أو جار سيئ، أو ظرف قاسٍ، أو مرض لا شفاء منه، أو.. وهذا النوع من الكوابيس هو الأخطر والأشد قسوة وإيلاما. وما الحياة، في مجملها، إلا كابوس مرعب، ولكنه يتلوّن ويتغيّر، ربما ليخدعنا ويسحب أرجلنا للأسفل، ويوقعنا في مصيدة الوهم.
وبعد؛ فمع أنَّ «خفايا الروح» هي الإصدار الأول للطحاينة، إلا أنّها جاءت مجموعة قصصية واعدة، متميزة، مختلفة، وهي نتاج كتابةٍ متأنية، ونسج هادئ مُحكم للقصص، وثقافة عالية، ولغة يانعة، وتعابير مدهشة، واشتباك مع الحياة بكل تقلباتها وتلاوينها، وإيغال في أعماق النفس والروح، وتصويرٌ دقيق للمشاعر، وترجمةٌ عميقة للمعاناة والآلام والآمال، مستندة إلى تجربة حياتية ومهنية ثرية ومتشعبة. ولا تخلو قصص المجموعة من المفارقات المدهشة، والإيجاز غير المخل. وكلها قصص تنتزع الإعجاب، بما توفره من بهجة وتشويق، وتحتمل قراءات مختلفة، ومستويات متعددة، وتأويلات متنوعة.

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *