لندن- “القدس العربي”:
تساءلت المعلقة في مجلة “ذي نيويوركر” روبن رايت عن المسار الذي تمضي فيه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.
وقالت إن النظام الإسلامي ظل، منذ عام 1979، العدو الرئيسي لثمانية رؤساء أمريكيين. ولم يستطع أي منهم كبح جماح ثوراته السياسية أو عملياته السرية التي أودت بحياة أكثر من ألف أمريكي في لبنان والعراق وأفغانستان، ولا توسعه عبر إنشاء حركات متطرفة مماثلة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وقد اعتبرت الجمهورية الإسلامية منطقتها الصغيرة منطقة عازلة دفاعية ضد التدخل الأمريكي والإسرائيلي. ونظرت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الأكثر استمرارا في أكثر مناطق العالم اضطرابا.
والآن بدأ الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تدمير النظام عسكريا وسياسيا، في حرب اختيارية متهورة بلا نهاية واضحة أو مدروسة، وفي حالة ترامب دون موافقة مسبقة من الكونغرس أو تحذير لدافعي الضرائب الأمريكيين. ففي إطار عملية “الغضب الملحمي”، نشرت إدارة ترامب حتى الآن ما يقرب من نصف القوة الجوية الأمريكية ونحو ثلث أصولها البحرية.
قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن تكلفة الحرب تبلغ نحو 900 مليون دولار يوميا
وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن التكلفة تبلغ نحو 900 مليون دولار يوميا. وعلى غرار حملة “الصدمة والترويع” الأولية خلال عملية تحرير العراق عام 2003، كان الأسبوع الأول من الحرب ناجحا عسكريا، حيث قتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعشرات من كبار المسؤولين. وتضررت ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية بشكل كبير، وتحولت منشآتها الاستراتيجية إلى ركام.
كما دمرت قواتها البحرية، إذ أغرقت غواصة أمريكية سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي، في أول ضربة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية. وتفاخر وزير الدفاع بيت هيغسيث قائلا: “موجات أكبر قادمة، نحن في البداية فقط”. وأضاف أن قدرات إيران “تتلاشى”.
وكما هو معتاد، دعا ترامب الإيرانيين إلى الانتفاض ضد النظام الديني القمعي، ودعا الأسبوع الماضي إلى “استسلامه غير المشروط”، ولكنه قال أيضا إنه مستعد للتعامل مع زعيم ديني جديد. ومنذ عام 2017 شارك ملايين الإيرانيين في الاحتجاجات. وقتل عشرات الآلاف. ومع ذلك يبدو اندلاع انتفاضة أمرا مستبعدا في الوقت الراهن.
وسيحتاج الإيرانيون أولا إلى إعادة بناء حياتهم السياسية والمادية، ورغم أن الغضب الشعبي من الحكومة لم يهدأ، إلا أن التدخل العسكري الأجنبي قد أشعل شرارة النزعة القومية المتأصلة منذ آلاف السنين. كما يبدو من غير المرجح انضمام العديد من أفراد قوات الأمن الإيرانية، الذين يزيد عددهم عن مليون فرد، بمن فيهم جنود الاحتياط، إلى ثورة شعبية.
كما زعزعت الحرب النظام الدولي، المضطرب أصلا. فبعد حربين كارثيتين خاضتهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان يسود شعور ينذر بالسوء حيال مدى الفوضى والتكلفة والخسائر الفادحة التي قد تنجم عن هذه الحرب، مهما بدا ترامب واثقا.
ذلك أن إيران أكبر حجما، من حيث المساحة وعدد السكان، من العراق وأفغانستان مجتمعتين. وهي بلا شك الدولة الجيوسياسية الأهم في المناطق الثلاث التي تحدها: العالم العربي، والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي في آسيا الوسطى التي ينتهي اسمها بـ “ستان”، وأفغانستان وباكستان النووية في جنوب آسيا.
التدخل العسكري الأجنبي أشعل شرارة النزعة القومية المتأصلة منذ آلاف السنين. كما يبدو من غير المرجح انضمام العديد من أفراد قوات الأمن الإيرانية، الذين يزيد عددهم عن مليون فرد، بمن فيهم جنود الاحتياط، إلى ثورة شعبية
وتمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز، إلى جانب أكبر جيش في الشرق الأوسط، ولها نفوذ قوي في أجزاء من العالم الإسلامي، لا سيما بين الشيعة.
وقد استغرب ترامب من حجم رد طهران، قائلا إنه كان أكبر مفاجأة له. فقد كانت إيران على أهبة الاستعداد، خاصة بعد حرب العام الماضي في حزيران/يونيو، عندما أمر الرئيس طائرات بي-2 الشبحية بإسقاط قنابل خارقة للتحصينات على المنشآت النووية في فوردو وناتانز وأصفهان.
وهذه المرة ردت إيران بشن غارات صاروخية وطائرات مسيرة على سبع دول مجاورة غنية بالنفط متحالفة مع الولايات المتحدة، من العراق إلى السعودية وعمان.
واستهدفت إيران مطارات دولية وفنادق ومتاجر وموانئ ومنشآت طاقة. ورغم التفوق الدفاعي الأمريكي استهدفت إيران السفارة الأمريكية في الرياض والقنصلية في دبي، وقاعدة العديد، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط في قطر، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، المسؤول عن تنسيق العمليات البحرية الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وقال نتنياهو إنه كان يحلم منذ أربعين عاما بإسقاط النظام الإيراني، لكن الصواريخ الإيرانية اخترقت دفاعات “القبة الحديدية” الإسرائيلية، وأطلقت صفارات الإنذار مرارا وتكرارا لتنبيه سكان تل أبيب والقدس للبحث عن ملاجئ. وتعرضت عشرات المباني، بما في ذلك قاعدة جوية عسكرية، للقصف. وفتح حزب الله، حليف إيران القديم، جبهة ثانية مع إسرائيل انطلاقا من لبنان.
وقد أدى حجم الرد الإيراني إلى دفع حلفاء الولايات المتحدة، الذين كانوا مترددين في الانضمام إلى هجوم تقوده الولايات المتحدة، إلى الموافقة على مضض على القيام بدور في الحرب.
وتعهدت فرنسا وألمانيا وبريطانيا باتخاذ “خطوات للدفاع عن مصالحنا ومصالح حلفائنا في المنطقة”، حيث نشرت بريطانيا طائرات حربية في قطر. وأرسلت اليونان، عقب غارة بطائرة مسيرة على قبرص، أربع طائرات مقاتلة إلى الجزيرة. ووعدت إيطاليا بتزويد دول الخليج بأنظمة دفاعية.
وبحلول نهاية الأسبوع الأول من الحرب شاركت سبع عشرة دولة. وبعد قطع المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا العام الماضي تواصلت واشنطن مع كييف للاستفادة من خبرتها في مواجهة الطائرات المسيرة الإيرانية التي تستخدمها روسيا لمهاجمتها.
أثارت عملية “الغضب الملحمي” حالة من الذعر في الاقتصاد العالمي. فقد انخفضت أسعار الأسهم، وارتفع سعر النفط بنسبة 15%، بعد أن أغلقت إيران فعليا مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس نفط وغاز العالم
وبعيدا عن الأضرار المادية أثارت عملية “الغضب الملحمي” حالة من الذعر في الاقتصاد العالمي. فقد انخفضت أسعار الأسهم، وارتفع سعر النفط بنسبة 15%، بعد أن أغلقت إيران فعليا مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس نفط وغاز العالم.
وأغلقت السعودية مؤقتا مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر مصافي النفط في العالم، بعد غارة بطائرة مسيرة. وعلقت قطر إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي لا تزال إيران تمتلك بعض النفوذ.
يقول هادي سماتي، الأستاذ السابق للعلوم السياسية في جامعة طهران والمقيم حاليا في واشنطن: “إذا خرجت إيران من هذه الأزمة سالمة، فستكون قد انتصرت فعليا، وإن كان ذلك بقدرات عسكرية متراجعة”.
وقد يبقى النظام الإسلامي قائما. وحذرت سوزان مالوني، الخبيرة في الشؤون الإيرانية بمعهد بروكينغز، قائلة: “سنبقى أمام نسخة منهكة ومدمرة من الجمهورية الإسلامية، يقودها مسؤولون أكثر تصميما على التشبث بالسلطة، وأكثر ثقة بقدرتهم على البقاء، لأنهم صمدوا في وجه هذه الأزمة الرهيبة”.
وفي الأسبوع الماضي، بينما كان مجلس خبراء إيران يجتمع لانتخاب مرشد أعلى جديد، أصر ترامب على أحقيته في الموافقة. وقال لموقع أكسيوس: “يجب أن أشارك في عملية التعيين، كما حدث مع ديلسي [رودريغيز] في فنزويلا”.
ورفض ترامب ابن خامنئي المتشدد مجتبى، ووصفه بأنه “غير مقبول”. وقالت مالوني إن ترامب “يبدو أنه يعتقد أن هذه حلقة من برنامج ‘المتدرب’”.
لكن الجمعية قد تختار شخصية ثورية متشددة للإشارة إلى استمرارية النهج. وفي غضون ذلك يجد سكان إيران، البالغ عددهم 92 مليون نسمة، أنفسهم عالقين بين أتون الحرب ونظامها الدموي.