الناصرة- “االقدس العربي”:
يحيي الشعب الفلسطيني بشكل عام وفلسطينيو الداخل على وجه الخصوص اليوم الاثنين، الذكرى الخمسين لـ”يوم الأرض”، الحدث الجلل الذي شكل انعطافة وعلامة فارقة كبرى في مسيرتهم من ناحية تبلور هويتهم الوطنية وعلاقتهم بشعبهم وأمتهم، ومن ناحية كسر حاجز الخوف مع إسرائيل باعتباره هبّتهم الشعبية الأكبر الأولى.
وتؤكد لجنة المتابعة العليا ولجنة رؤساء الحكم المحلي العربي في بيان مشترك، أن “خمسين عاما قد مرّت وما زال يوم الأرض حيّا في وجداننا”. وجاء في مقدمة البيان للهيئتين الوطنيتين التمثيليتين لفلسطينيي الداخل: “في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، الاثنين 30 آذار 2026، نقف إجلالا وإكبارا لشهداء الأرض ويوم الأرض، الذين ارتقوا دفاعا عن الأرض والوجود والكرامة، ونؤكّد أن دماءهم الزكية لم ولن تذهب سدى، وقد أظهرت تضحياتهم للقاصي والداني أن قضية الأرض بالنسبة لنا هي قضية القضايا: قضية أن نكون أو لا نكون. وبعد مضي خمسين عاما، نجدد العهد أننا سنواصل إحياء ذكراهم بالمضي في الدفاع عن الأرض التي استشهدوا دفاعا عنها”.
يشار إلى أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 قد شهدت في مثل هذا اليوم اندلاعا لهبّة شعبية انطلقت من منطقة البطوف في الجليل وسرعان ما انتشرت كالنار في كافة أنحاء البلاد واستشهد فيه ستة فلسطينيين وأصيب المئات واعتقل المئات أيضا بعدما دفعت إسرائيل بالجيش بقيادة قائد لواء الشمال الجنرال الراحل رفائيل إيتان لا الشرطة فحسب لقمع المنتفضين بالرصاص الحي والعشوائي.
تهويد البلاد
ويرى مؤرخون وباحثون كثر أن يوم الأرض قد شكّل محطّة مفصلية في تاريخ مسيرة العرب الفلسطينيين في الداخل، وأصبح يوما وطنيا عاما للشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافّة، وكان وما زال شعلة مضيئة في درب النضال الوطني، وعنوانا واسما رديفا للتشبث بالأرض وللمحافظة على الهوية والتمسّك بالحقوق. لم يكن “يوم الأرض” الهبة الأولى في أراضي 48 بعد النكبة، فقد سبقتها هبات محلية في عكا والناصرة وأم الفحم وغيرها في خمسينيات القرن الماضي، لكنه كان الهبة الكبرى الأولى.
في 30 آذار 1976، اندلعت المواجهات على خلفية قيام السلطات الإسرائيلية بمصادرات لأراض عربية في سهل البطوف، وفي منطقة الناصرة وفي المثلث وغيره بحجة “الصالح العام” استنادا لقانون استعماري بريطاني، لكن فلسطينيي الداخل الذين لم يتبق بحوزتهم سوى 3.5% من أراضي فلسطين التاريخية، أدركوا أنها محاولة لتهويد البلاد وإحكام الحصار عليهم وخنقهم.
العوامل العميقة للهبّة
علاوة على رد الفعل على مصادرة أرض بصفتها مصدر دخل ورمزا للهوية والبقاء والانتماء، كانت هناك عوامل عميقة متراكمة خلف ذاك النهوض التاريخي للفلسطينيين في إسرائيل بعد شبه استكانة دامت عقدين. منها تأثيرات أدب المقاومة ونشاط الأدباء والطلاب الجامعيين. كما لعب دورا في مراكمة الوعي والمد الوطني صعود منظمة التحرير وتشكل مركز فلسطيني سياسي ومعنوي، وحرب تشرين 1973 بصفتها أول حرب تتكبد فيها إسرائيل خسائر بالغة، وتنسج صورة بالوعي أنها خسرت للمرة الأولى، ونشوء جيل عربي جديد داخل أراضي 48 لم يذق طعم هزيمة النكبة.
علامة فارقة
تكمن أهمية هبة يوم الأرض في نضوج إرادة جماعية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل، فهي ليست هبة ضد احتلال 48، لكنها محاولة حقيقية كبيرة وأولى للتصدي لمحاولتها سلخهم عن الأرض وعن هويتهم الأصلية. وعكست عناوين ومصطلحات صحيفة “الاتحاد” الحيفاوية في اليوم التالي هذه التوليفة بين الوطني والمدني في هبة يوم الأرض: “مجزرة كفرقاسم ثانية”، “اعتداء دموي على السكان العرب”، “إرادة الجماهير على التصدي لسياسة الحكومة”، “مقاومة”، “نضال”.
وشكّلت تلك الهبة التاريخية مساهمة كبيرة في بناء سردية لفلسطينيي الداخل تقول إنهم أقلية وطن قومية لا طوائف وجماعات، بعكس ما كانت تسعى له وتتمناه السلطات الإسرائيلية. ولعبت هبة يوم الأرض دورا حقيقيا في تحسين صورة فلسطينيي الداخل مقابل شعبهم وأمتهم بعد عقدين ونيف من التجاهل والتشكيك ونظرات الريبة لهم.
تغيير منظمة التحرير تعاملها: اهتمام أكبر
ويعبر المؤرخ الراحل دكتور الياس شوفاني عن مفاعيل هذه الهبة في تغيير مواقف منظمة التحرير ودول عربية من فلسطينيي الداخل بالقول إن تمرد عرب الجليل أدخلهم على الخريطة السياسية، الفلسطينية أولا ومن ثم الخريطة العربية والعالمية. في كتاباته، يؤكد شوفاني أن هؤلاء المنسيين لن يكون ممكنا بعد اليوم تجاهلهم، وأن تمردهم سينعكس في تكوين الثورة الفلسطينية (أي منظمة التحرير) وفي أهدافها وطريقها مستقبلا، بل سيؤثّر على الثورة الفلسطينية نفسها.
وغداة ذلك الحدث التاريخي الجلل، ارتفعت شعبية رموز فلسطينيي الداخل في الأدب والسياسة، وسرعان ما صار يوم الأرض حدثا فلسطيني وطنيا بل عربيا. كذلك تغيرت العلاقة مع الدولة بعد كسر حاجز الخوف. فبعد يوم الأرض صار الفلسطيني في الداخل أقلّ خوفًا من سطوة المخابرات والسلطات الإسرائيلية القامعة الأخرى من جهة، وأكثر جرأة في الدفاع عن حقوقهم.
وطيلة سنوات كثيرة، شكّلت هذه الهبة مصدر إلهام للشعراء والكتاب والفنانين الفلسطينيين والعرب وذهب المحامي محمد ميعاري لحد الاعتبار أن يوم الأرض شكل مصدر إلهام للانتفاضة الأولى بعد عشر سنوات.
المتابعة والقُطرية
في بيانهما المذكور، تؤكد “المتابعة العليا” واللجنة القطرية للرؤساء” أن “خمسين عاما مضت وما زال يوم الأرض حيّا في وجداننا، ليس كذكرى فحسب، بل أيضا كتحدٍّ نعيشه، إذ لم تتوقف مشاريع وسياسات المصادرة والتمييز: حيث نواجه في النقب تصعيدا خطيرا في هدم المنازل وسلب الأرض وحتى محو قرى بأكملها. وفي منطقة المثلث الجنوبي تسعى السلطة لمصادرة آلاف الدونمات بحجة شق شارع وسكة حديد. وفي الجليل الغربي هناك مخطط ضخم للمصادرة بذريعة شق الجزء الشمالي من شارع عابر إسرائيل. في هذه المناطق وغيرها تتواصل المصادرة، ونحن ندافع عن أرضنا، وسنظل ندافع عنها بلا هوادة، على درب يوم الأرض، الذي هو بوصلتنا في الدفاع عن حقّنا في أرضنا”.
القدس والأقصى
وقالت اللجنتان، إن يوم الأرض يأتي والمسجد الأقصى مغلق بشكل تعسفي منذ بداية رمضان بحجة الحرب، حيث لأول منذ قرون يحصل ألا تقام فيه صلاة العيد. يُغلق المسجد الأقصى تعسفيا من قبل الاحتلال الاسرائيلي فيما تعج الأماكن القريبة منه بالزائرين. وتتابعان “إننا نطالب بفتح المسجد الأقصى للمصلين فورا، ونؤكّد أن لا سلطة ولا سيادة للاحتلال على القدس والأقصى، ونعتبر قرار الإغلاق اعتداءً سافرا على المسلمين كافةً، ونطالب الدول العربية والإسلامية أن تأخذ دورها في حماية الحرم القدسي الشريف. يأتي يوم الأرض في ظرف أشرس المعارك على الأرض، في ظل مرحلة بالغة الخطورة يمر بها شعبنا الفلسطيني، فما زالت إسرائيل، تسعى لسلب الأرض بالكامل وتهجير أهلها بالكامل، وهي تنفّذ حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل في قطاع غزة، وتشن هجمة استيطانية- عسكرية إجرامية في الضفة الغربية والقدس الشريف. وقد أعادت القيادة الإسرائيلية مشروع تهجير الشعب الفلسطيني كلّه إلى صدارة استراتيجيتها الاستعمارية، وهي تسعى إلى تنفيذه بوسائل شتى وفي مقدمتها استعمال العنف والمزيد من العنف الإجرامي”.