الخليج العربي: حرب تلد أخرى؟


منظورا إليها في سياق الحروب التي شهدتها المنطقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، يمكن اعتبار العملية العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية الجارية ضد إيران حاليا، الحرب الرابعة في سلسلة الحروب التي ضربت الخليج العربي والدول المحيطة به.
تعرّضت ثلاث دول، في الحروب الثلاث السابقة، لأشكال من الاحتلال والاحتلال المضاد. بعد انتصار الثورة عام 1979 في إيران بثلاث سنوات نشبت الحرب مع العراق، الذي نجح في العام 1980، مدعوما من دول الخليج العربي، في احتلال أجزاء واسعة من محافظة عربستان (خوزستان) الغنية بالنفط، مستوليا على مدن المحمرة (خرمشهر) ثم عبادان، وسونجرد، والبستان، ودزفول. تمكنت قوات الجمهورية الإسلامية من استعادة أراضيها في العامين اللاحقين، لكن الحرب الدموية استمرّت لست سنوات لاحقة.
اعتبرت قيادة العراق حينها أنها قامت بتلك الحرب دفاعا عن العرب، وأنها تكبّدت خسائر بشرية ومادية هائلة لصدّ تداعيات “الثورة الإسلامية” الإيرانية عن الدول العربية، وأجّجت نزاعات لها مع الكويت حول النفط، وتدخّل أمريكيّ فُهم تشجيعا للعراق، إلى نشوب حرب كارثية اجتاح فيها العراق الكويت معلنا ضمّه إلى أراضيه.
أدى احتلال العراق للكويت في بداية آب/ أغسطس 1990 إلى اختلال التوازنات العسكرية والأمنية في منطقة من أكثر المناطق أهمية لاقتصاد العالم، واندفعت دول الخليج للمساهمة في تحالف واسع ضد العراق هذه المرة، ضم 32 دولة، من ضمنها مصر وسوريا والمغرب، والكثير من الدول الأوروبية إضافة إلى كندا وباكستان وبنغلاديش، واتخذت دول عربية أخرى موقفا محايدا، فيما اتخذت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية موقفا معارضا للحرب على العراق، وكان لذلك القرار نتائج قاسية لاحقة على الفلسطينيين.
ساهم تحشّد القوات الأمريكية في المنطقة الشرقية من السعودية، ومساهمة دول عربية عديدة في تحرير الكويت، في إعطاء دفعة لتنظيم “القاعدة” الذي تأسس بين الأعوام 1988 و1990 خلال المراحل الأخيرة من الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي، وحوّل أسامة بن لادن، الملياردير السعودي، التنظيم إلى شبكة جهاد عالمية ركزت على محاربة النفوذ الغربي، بادئة سلسلة هجمات جرى أخطرها في أيلول/ سبتمبر 2001 على أراضي الولايات المتحدة.
في حربها الانتقامية ضد “القاعدة” التي أدت لاحتلال أفغانستان، في عام هجمات نيويورك نفسه، وبتحريض كبير من إسرائيل، توسّعت “الحرب على الإرهاب” لتشمل العراق الذي شهد اجتياحا أمريكيا في العام 2003، أدى لإسقاط نظامه. تباينت مواقف دول الخليج العربي من الغزو الأمريكي. كانت الكويت، بطبيعة الحال، في رأس المؤيدين لإسقاط نظام صدام حسين، ونقطة الانطلاق للقوات الأمريكية، فيما قدمت باقي الدول، مدفوعة برغبة التخلص من النظام العراقي بأثر احتلاله للكويت، دعما لوجستيا ضمنيا للقوات الأمريكية أو سمحت باستخدام منشآتها العسكرية.
أدت حرب احتلال العراق إلى ضعف عربي عام، في مقابل صعود إيران، التي وجدت نفسها في “حلف موضوعي” مع أمريكا في العراق، فوظّفت التغيّر الهائل لصالحها لتوسيع نفوذها في المنطقة العربية لتمتد دائرة هيمنتها إلى العراق واليمن ولبنان وسوريا (وقطاع غزة).
تعرّضت منطقة الخليج إلى تقلّبات هائلة، من دعم العراق ضد إيران، إلى محاربته لدرجة إسقاطه، ومن المساهمة في سقوط صدام حسين، إلى الندم على المساهمة في صعود مشروع إيران الإمبراطوري، وصولا إلى الحالة الراهنة التي تكشف أن إسقاط النظام الإيراني سيعني صعودا منفردا لمشروع “إسرائيل الكبرى”!
رغم محاولتها البقاء وراء الكواليس في مجمل هذه الأحداث، فقد حضرت إسرائيل بطرق متنوعة، وعملت على استثمار ما يجري ضد حركة النضال الفلسطيني، وشيطنة المقاومة، وشكّلت الصواريخ العراقية التي استهدفتها خلال الحرب حرب الخليج الثالثة “بروفة” كبيرة لحروب المنطقة التالية، ويمثّل انطلاق كل هذه الأحداث الأخيرة من فلسطين عام 2023، عودة ضرورية لنقطة البدء الأولى لحروب المنطقة كلها، ولجذرها الإسرائيلي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *