الخلاف حول تسمية قصيدة النثر: بين الترجمة والابتكار


تسمية قصيدة النثر وتعريفها أوروبياً

التسمية الإنكليزية بينما تكون التسمية الفرنسية Prose poem قصيدة النثر
poème en prose. بودلير هو أول مَن أطلق تسمية قصيدة النثر.
(من منا لم يحلم في لحظات طموحه بمعجزة نثر شعري، موسيقي بلا وزن ولا قافية، مرن وقوي بما يكفي ليتآلف مع نبضات الروح الغنائية وتموجات الحلم، وهو يلوي عنق الوعي). يبدو أن بودلير كان أوّلَ المعجبين بكتاب برتران الذي أطلق عليه اسم قصيدة نثر poème en prose وحاول أن يسير على نهجه، ففي رسالة بعث بها إلى رئيس تحرير مجلة باريسية، يبدي فيها إعجابه بعمل برتران، يصف قصيدة النثر بأنها عمل لا رأس له ولا ذَنَب، لكنه (نثر شعري فيه موسيقى من دون إيقاع، أو قافية، يتكيّف مع حركات النفس وتقلّبات أحلام اليقظة).
تعريف قصيدة النثر أوروبيّا أطلقه ماكس جاكوب، والأخير هو «أول من أعطى تعريفاً لقصيدة النثر محدداً استقلاليتها كجنس أدبي له قوانين واضحة وصارمة، مُنقيّاً إيّاها من كلِّ شوائب الرمزيّة والانطباعيّة والمناجاة الذاتيّة.

ترجمة مصطلح قصيدة النثر

أُورد هنا أبرز الآراء، كما وردت في مصادرها الموثقة، وأضعها بين يدي القارئ ليحدّد بنفسه الجهة أو الشخص الذي يعود إليه السبق الحقيقي في ترجمة المصطلح أو ابتداعه، بعيداً من أي تحامل على شخص أو جهة؛ إذ يقتضي الطرح العلمي الأمانة في النقل والإنصاف في المقارنة، لأنّ الانحياز لا يقود إلى الحقيقة.

1- استخدم شوقي أبي شقرا مصطلح «قصيدة النثر» بتاريخ 28-4-1959 في ترجمة قصيدة نشرتها جريدة «النهار» البيروتية بعنوان «ربّ البيت الصغير»، وقد أثبت تحتها هذا الوصف صراحة.

2- وبعد نحو تسعة أشهر، استخدم أدونيس المصطلح نفسه ضمن ترجمته للفصل الأول من كتاب سوزان برنار، المنشورة في مجلة «شعر» البيروتية عام 1960، بالتسمية ذاتها: «قصيدة نثر». وقد عدّ أدونيس نفسه أول من نقل هذا المصطلح عن سوزان برنار، متجاوزاً سبق شوقي أبي شقرا في استعماله، وهو ما أسهم في إشعال الخلاف بين الرجلين، وما تبعه من سجال حاد.

3- وفي عام 1960 أيضاً، أصدر أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال، ومعهم جماعة مجلة «شعر»، بياناً عبر المجلة أعلنوا فيه انطلاقة قصيدة النثر العربية.

4- وفي لقاء تلفزيوني موثق بثّه التلفزيون السوري ضمن برنامج «تدق الساعة الكلمة تدق»، في حوار مع محمد رضا نصر الله، تناول أدونيس قصيدة النثر والشكل الجديد للشعر، وقال:
«أنا أول من سمّى هذا النوع من الكتابة قصيدة النثر، وهذه العبارة، قصيدة النثر، أنا شخصياً وضعتها، أخذت كلمة قصيدة لأميّز هذا النوع من الكتابة عن النثر العادي لا أكثر».
وهذا النص يدلّ على أنّه كان يتحدث هنا عن ابتكار التسمية، لا عن ترجمتها، وهو ما يختلف عن طرحه السابق عام 1960 حين قدّم الأمر بوصفه ترجمة للمصطلح.
وخلاصة الأمر أن أبرز الآراء في مسألة ترجمة مصطلح «قصيدة النثر» انحصرت بين شوقي أبي شقرا وأدونيس، غير أنّ التسلسل الزمني المتاح يرجّح سبق شوقي أبي شقرا في استخدام التسمية، في حين يثير اختلاف رواية أدونيس أسئلة مشروعة بشأن دقة هذا الادعاء.

تسمية قصيدة النثر وتعريفها عربيّا

هناك بعض آراء أطرحها في هذا الباب حول التسمية، التي تراوحت بين مفاهيم فرنسيّة وأخرى عربية، لذلك كان لا بد من معالجة هذه الجزئية لإنهاء الجدل الذي ظل مستمراً كلَّ هذا الزمن، وبالتالي سوف أعرض هذه الآراء وتحليلها بشكل دقيق وأمين، وأترك النهايات مفتوحة كعادتي لأشراك القارئ في إبداء آراء قد تخدم عملية البحث:
1ـ الرأي الأوّل هو رأي تبناه جبرا إبراهيم جبرا وعبد الواحد لؤلؤة وعبد القادر الجنابي وجماعة كركوك، يتلخص في مسألتين:
أ. دلالة التسمية مفاده أن ما يكتب عربيا باسم قصيدة النثر هو ليس قصيدة نثر، بل شعر حر.
ب. تقنية قصيدة النثر العربية تختلف عن تقنيّة قصيدة النثر الفرنسية.
ويحتجون بكل من رائد قصيدة النثر الفرنسية ألويسيوس برتران (1807-1841) وديوانه «جاسبار الليل» الذي صدر بعد وفاته بسنة أي بعام 1842، أو ما كتبه حسين مردان منذ عام 1951 من قصائد نثر خالصة، ومن هنا جاء رأي الفريق الأوّل بأنّ تسمية قصيدة النثر لا تنطبق على ما يكتب عربيا بهذه الكيفية، ويقترحون مسمى الشعر الحر ويلقون اللوم على نازك الملائكة، بتسميتها النوع الجديد بالشعر الحر ويرون الأصح تسميته بشعر التفعيلة، حتى تترك تسمية الشعر الحر لما يكتب عربيا من قصيدة النثر، لأنّ خصائص قصيدة النثر الفرنسية سيميائياً وتقنيّاَ وصياغيّاً لا تنطبق على نسختها العربية. وفي هذا يقول فاضل العزاوي (فما دمنا نعيش في زمن تنهدم فيه الحدود باستمرار بين الثقافات وما دمنا قد اقتبسنا مصطلحي الشعر الحر وقصيدة النثر من الثقافة الأوروبية، ولم نستخرجهما من تراثنا الخاص مثلاً، فإنه يصبح ضرورياً الالتزام بمعناهما المحدد شعرياً وثقافياً، بدل مواصلة المزيد من الالتباس وسوء الفهم).
لقد كان للفريق الأول موقف حاد من التسمية، وقد ألقوا باللوم كلّه على نازك الملائكة، وجيل رواد قصيدة التفعيلة، الذين أيّدوا رأي نازك الملائكة، وفي هذا يقول فاضل العزاوي، (وخطأ معرفي وثقافي ارتكبته الشاعرة العراقية نازك الملائكة في العام 1947 اقتبست حركة الحداثة الشعرية العربية معظم أفكارها ومفاهيمها منه، فاقدة القدرة على تمييز معنى المصطلح الذي يرتبط بها، وخطأ آخـر وقعت فيه مجلة «شعر» اللبنانية في عام 1960). لكن ليس فقط نازك الملائكة من ارتكب خطأ في التسمية، بتسميتها الشعر الذي جاءت به بالشعر الحر، بل إن الخطأ تواصل عند جماعة مجلة «شعر» الذين أعلنوا في بيانهم عن انطلاقة قصيدة النثر العربية الخاطئة، التي تختلف عن النسخة الفرنسية، سواء عند برتران، أو بودلير، أو رامبو، (أطلقت عليها اسم» الشعر الحر» المقتبس من اللغة الإنكليزية، ضمن خطأ في فهم معنى المصطلح نفسه، حيث يعني «الشعر الحر» في الثقافة الأوروبية، نقضا كاملا لمفهوم الشعر الحر المُساء فهم معناه في الثقافة العربية، لأنّه معنى يقوم ببساطة على التخلي عن الوزن والقافية، وهما مظهران من مظاهر القصيدة التي كتبتها نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وكثيرون غيرهما). فالمصطلح الإنكليزي يعني أن الشعر يكون فيه متحرراً من أيّ نوع من أنواع القيود فهو بلا وزن ولا قافية، لكنّ الشعر الذي كتبته نازك والروّاد مختلف تماماً لأنّ فيه وزن وقافية، وبالتالي الأمر لا يستقيم مع التسمية نفسها، أي الشعر الحر، فهذا المسمى ينطبق على الشعر الإنكليزي وليس على شعر الرواد، وإنّما التسمية الأصح لشعر الرواد هي شعر التفعيلة وليس الشعر الحر.

الرأي الثاني:

تبنت هذا الرأي جماعة مجلة «شعر»، كل من شوقي أبي شقرا وأدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال، بعد أن ترجم شوقي أبي شقرا المصطلح بقصيدة نثر فحاولوا تبني، أو إسقاط هذا المصطلح على ما كتبوه نثرا من شعر، على أن قصيدة النثر التي كُتبتْ في مجلة «شعر» لم تتبع الأصول الفرنسيّة من حيث قصر الجمل، ولا تتحكم بطول الأسطر الفكرة أو الصورة، ولا تترك فراغات، أو علامات، ولم تكتب على شكل مقال، و لم تتوخ اللاغرضية ولا المجانية، وبالتالي هي لا تمتُّ إلى قصيدة النثر في نسختها الفرنسية، ولكن دعوة جماعة شعر فَرَضتْ نفسَها وبقوّة على النسخة العربيّة الخاطئة من قصيدة النثر، بسبب العجلة الإعلامية الهائلة والمشبوهة التي تقف وراء هذه المجلة، بفضل العجلة الإعلامية الهائلة التي تقف وراءها مؤسسات مريبة تدير مجلة «شعر»، فالمعروف إنّها مجلة مشبوهه ببُعد أيديولوجي انتمائي رصده بدقة سامي مهدي في كتابه أفق الحداثة، حيث قال (مجلة شعر يديرها عدد من الشعراء المعاديين للعروبة، مثل يوسف الخال، وأدونيس، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا) وهكذا بقيتْ هذه التقنية والأسلوب والخصائص الفنية والتسميّةُ، هي السائدة في الساحة الشعرية العربية، وقد تبنى هذه التسمية أدونيس وأنسي الحاج يوسف الخال شوقي أبي شقرا.

تبعات أخطاء جماعة مجلة «شعر»
لكننا نرى التبعات الكارثية التي جرّتها على الشعر العربي دعوة جماعة مجلة «شعر»، حيث تحوّلت صياغة الجملة الشعرية لدى الأجيال التي تلت جيل مجلة «شعر» إلى خاطرة، أو في أحسن حالاتها الخاطرة الجديدة، فإننا نرى ما يكتب اليوم على أنّه قصيدة نثر في الحقيقة هو لا يمتّ بأي صلة إلى النسخة الفرنسية مطلقا، بل لم يلامس حتى قشرها الخارجي، وما هذه الكتابات إلا خواطر، ولم تستوف لا شروط قصيدة النثر الفرنسية، ولا حتى ميزات قصائد شعراء مجلة «الشعر»، وما عزز هذه الانتكاسة هم هواة النقد، الذين يذهبون إلى ما يكتبه كتاب الخواطر ويفسرونه ويأخذ شكل مقالات أو دراسات نقدية، أو حتى أطاريح ماجستير أو رسائل دكتوراه، وفي الحقيقة ما هو إلا تفسير لهذه الخواطر، وفي أحسن حالاته هي انطباعاتهم الشخصية يقومون بإسقاطها على هذه الخواطر، وبهذا أرسلوا إشارات خاطئة إلى أصحاب الخواطر على أنّهم شعراء، بينما الحقيقة هم ليسوا شعراء بل كتاب خواطر،
يضع عبد القادر الجنابي لقصيدة النثر تعريفاً صارماً، قوامه اللاغرضية والمجانية، والكثافة الخالية من الاستطراد والسرد المفصل وتقديم البراهين، فضلاً عن غياب التقطيع والتشطير. فقصيدة النثر، بحسب هذا التصور، ليست سوى «كتلة نثرية» مكتوبة على سطور كاملة، تلامس السرد في هيئتها، لكنها تنأى عن الوعظ والشخصنة والسببية والاسترسال الشارح.

وانطلاقاً من هذا التعريف، تصبح «الكتلة» النثرية و«المجانية» معيارين حاسمين في التمييز بين قصيدة النثر في أصلها الأوروبي، وبين ما استقرّ في المشهد الشعري العربي تحت هذه التسمية. ومن هنا يخلص الجنابي إلى نتيجة لافتة، مفادها أن جانباً كبيراً مما يُكتب عربياً بوصفه «قصيدة نثر» لا ينهض، في حقيقته الفنية، على الشروط التي قام عليها هذا الجنس، بل يقترب أكثر من الشعر المنثور أو النثر الشعري.
وهذا التحديد النقدي يفتح الباب أمام مساءلة واسعة للمصطلح في السياق العربي؛ إذ يكشف أن التسمية، في كثير من الأحيان، سبقت التحقق الفني، وأن ما يُقدَّم على أنه قصيدة نثر ليس دائماً سوى كتابة نثرية مشحونة بانفعال أو تأمل، من غير أن تبلغ الخصائص الأسلوبية والجمالية التي تمنح هذا النوع شرعيته الدقيقة. وحتى حين تحضر في هذه النصوص نبرة إيقاعية خافتة، فإن ذلك لا يكفي وحده لإدراجها ضمن الشعر، ما لم تقترن ببنية فنية تبرر هذه التسمية.

ناقد وشاعر عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *