الحوار السياسي الموريتاني يتقدم والمنسق الوطني يتسلم مقترحات الأطراف المشاركة وأسماء ممثليها في هيئة تسيير الجلسات



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: بعد أكثر من عام كامل من التحضير السياسي والمشاورات الهادئة، دخل مشروع الحوار الوطني في موريتانيا مرحلة حاسمة، مع تسلّم المنسق الوطني للحوار موسى فال، مقترحات مختلف الأطراف السياسية وأسماء ممثليها في هيئة قيادة التشاور، في خطوة يُفترض أن تمهد للانطلاق الرسمي لمسار طال انتظاره، لكنه لا يزال محفوفًا بتجاذبات عميقة.
وقد دخل مسار الحوار السياسي في موريتانيا مرحلة مفصلية، بعد أن تسلّم المنسق الوطني للحوار، موسى فال، مقترحات القوى السياسية وأسماء ممثليها في هيئة قيادة التشاور، في خطوة تعكس اقتراب الانتقال من مرحلة التحضير إلى مرحلة التنفيذ.
غير أن هذا التقدم الإجرائي يتزامن مع تباين حاد في مواقف الأطراف، ويكشف عن عمق التحديات السياسية التي تواجه هذا الحوار.

تحفظات وشروط مسبقة

وقد برز داخل صفوف المعارضة اتجاه قوي يدعو إلى تجميد المشاركة في الحوار، تقوده مجموعة من النواب الذين اعتبروا أن إدراج مسألة المأموريات الرئاسية ضمن جدول الأعمال يعتبر «خطًا أحمر».
ويرتكز هذا الموقف على عدة اعتبارات أولها الخشية من أن يؤدي فتح هذا الملف إلى المساس بالمكاسب الدستورية، خصوصًا مبدأ التناوب السلمي على السلطة، والنظر إلى أن إدراج المأموريات في أجندة الحوار مؤشر على احتمال توظيف الحوار لأهداف سياسية تتجاوز الإصلاح إلى إعادة هندسة النظام الدستوري.
ومما كان منتظرا مطالبة المعارضة بضمانات مسبقة، أبرزها إعلان رسمي من السلطة التنفيذية يستبعد موضوع إدراج نقطة التعديلات الدستورية المتعلقة بمأموريات الرئاسة.
كما حمّل نواب المعارضة الأغلبية والحكومة مسؤولية أي تداعيات محتملة، محذرين من أن إثارة هذا الملف في ظرف اقتصادي واجتماعي صعب قد يزيد من الاحتقان، في ظل ارتفاع الأسعار وتحديات المعيشة.
بالمقابل، تعكس هذه الدعوة أيضًا استمرار أزمة الثقة بين المعارضة والسلطة، حيث تسعى المعارضة إلى تحصين الحوار سياسيًا قبل الانخراط فيه.

الأغلبية وتوسيع النقاش دون قيود

في الجهة المقابلة، تتبنى الأغلبية الرئاسية مقاربة أكثر انفتاحًا تقوم على اعتبار الحوار فرصة شاملة لمناقشة مختلف القضايا الوطنية دون استثناء.
وترتكز رؤيتها على أهداف كبرى مثل الوحدة الوطنية، وتعزيز الديمقراطية، وتحسين الحكامة، مع إدراج ملفات اجتماعية حساسة، مثل بقايا الرق والإرث الإنساني، ضمن أولويات النقاش؛ والاستعداد لمناقشة الإصلاحات المؤسسية، بما يشمل آليات عمل المؤسسات، وصلاحياتها، وحتى «المدد والولايات»، في إطار إصلاح شامل.
وترى الأغلبية أن تقييد جدول الأعمال مسبقًا يتعارض مع فلسفة الحوار، التي تقوم على الانفتاح والتوافق، معتبرة أن نجاحه يتطلب نقاشًا «هادئًا وجادًا» لكل القضايا.
أما مؤسسة المعارضة التي يقودها حزب «تواصل» المحسوب على التيار الإسلامي فقد ركزت في مقترحاتها على الجانب المؤسسي وضمانات التنفيذ العملية للمخرجات.
وتضمنت مقترحات مؤسسة المعارضة الديموقراطية نقاطا بينها الدعوة إلى إنشاء حكومة وحدة وطنية لتطبيق مخرجات الحوار، بما يعزز الثقة في جدية التنفيذ، واقتراح هيئة متابعة مشتركة بين الأغلبية والمعارضة، تواكب تنفيذ التوصيات وتُستشار قبل أي إجراء، والتأكيد على ضرورة إقرار آلية المتابعة منذ بداية الحوار، وليس بعد انتهائه.
كما انتقدت المؤسسة إغفال بعض القضايا في خارطة الطريق التي قدمها المنسق الوطني من قبل التسجيل البيومتري للسكان، والاعتراف باللغات الوطنية، وإصلاح قطاعي الأمن والدفاع.
وتحدثت المؤسسة عن تشكيل هيئة قيادية موسعة ومتوازنة تضم مختلف الأطراف، مع رئاسة دورية بين الأغلبية والمعارضة، لضمان تمثيل عادل لكل الحساسيات.
ويتضح من خلال تحليل هذه المواقف كلها وجود ثلاث مقاربات مختلفة للحوار، أولاها معارضة متوجسة تشترط ضمانات سياسية مسبقة، والثانية أغلبية منفتحة تسعى إلى توسيع النقاش دون قيود، والثالثة مؤسسة معارضة تركز على آليات التنفيذ وضمانات التطبيق.
وبين هذه الرؤى، يظل التحدي الأكبر هو بناء أرضية مشتركة تتيح إطلاق الحوار دون أن يتحول إلى ساحة صراع سياسي جديد؛ فنجاح هذا المسار لن يتوقف فقط على الاتفاق حول جدول الأعمال، بل على القدرة على تجاوز أزمة الثقة، وتحويل الحوار من أداة للتجاذب إلى آلية حقيقية لإنتاج التوافق.

تحديات مربكة

ورغم هذا التقدم في الجانب الإجرائي، تظل التحديات السياسية قائمة، خاصة في ظل سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، يتميز بارتفاع الأسعار، وأزمات التموين، وتزايد الضغوط المعيشية.
وتؤكد هذه التحديات أن الطريق إلى التوافق المنشود يبدو أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، في ظل بروز خلافات مبكرة حول جدول أعمال الحوار، وعلى رأسها مسألة المأموريات الرئاسية.
فبينما ترى أحزاب الأغلبية أن الحوار فرصة مفتوحة لمناقشة «كل القضايا دون استثناء» بما في ذلك «المأموريات ومددها»، اعتبرت أطراف معارضة أن مجرد إدراج هذا الملف يمثل «محذورًا أساسيًا» قد يقوض الثقة في المسار برمته.
وقد ذهب عدد من النواب المعارضين إلى الدعوة الصريحة لتعليق المشاركة في الحوار إلى حين صدور موقف رسمي يستبعد هذا البند، محذرين من أن فتح النقاش حول المأموريات قد يمس بجوهر التناوب الديمقراطي الذي ظل أحد أبرز مكاسب التجربة السياسية الموريتانية خلال العقدين الأخيرين.
وتعكس هذه الدعوة في العمق، أزمة ثقة متجددة بين السلطة والمعارضة، وهي أزمة لطالما طبعت مسارات الحوار السابقة في البلاد؛ فالمعارضة رغم إعلانها المبدئي الاستعداد للمشاركة، تسعى للحصول على «ضمانات سياسية» مسبقة، بينما تراهن السلطة على إبقاء سقف النقاش مفتوحًا، معتبرة أن أي قيود مسبقة قد تفرغ الحوار من مضمونه.
وفي هذا السياق، يبدو الحوار المرتقب أكثر من مجرد محطة سياسية عادية؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة المشهد السياسي الموريتاني على إدارة خلافاته ضمن أطر سلمية وتوافقية، بعيدًا عن منطق الغلبة أو الإقصاء؛ كما أنه يشكل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وبناء عقد سياسي جديد يستجيب لتحديات المرحلة.
غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهينًا بمدى استعداد مختلف الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، والالتزام بروح الحوار، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، فالحوار في نهاية المطاف ليس مجرد طاولة نقاش، بل هو اختبار للإرادة السياسية، ولمدى نضج الفاعلين في تحويل الخلاف إلى فرصة لبناء التوافق.
وبين رهانات الإصلاح ومخاوف الانزلاق، تقف موريتانيا اليوم على مفترق طرق، فإما أن يتجه البلد نحو مزيد من الاستقرار والتوافق، أو نحو جولة جديدة من التجاذب الذي سيعيدها للحلقة المفرغة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *