نواكشوط – «القدس العربي»: في لحظة دولية مضطربة تتقاطع فيها أزمات الجغرافيا السياسية مع اختناقات خطوط الإمداد وارتفاع الطلب، الناجمة عن الحرب المتجهة للتوسع بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، تجد موريتانيا نفسها في مواجهة ارتدادات ما بات يُوصف بأزمة طاقة عالمية زاحفة.
وقد دفع ذلك حكومة نواكشوط إلى توجيه دعوة صريحة للسكان من أجل بذل الجهد اللازم لترشيد استهلاك المحروقات، في وقت يتصاعد فيه الجدل داخليًا حول قرار ربط أسعار الوقود بالسوق الدولية بدل تثبيته بالدعم الحكومي.
ولم يخف وزير الاقتصاد والتنمية الموريتاني عبد الله سليمان الشيخ سيديا، خلال مؤتمر صحفي أعقب اجتماع الحكومة أمس، قلقه إزاء حجم الضغط الذي تعيشه البلاد، مؤكداً أن «ترشيد استهلاك الطاقة وتجنب التبذير مسؤولية وطنية»، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لم تعد قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية دون مساهمة مجتمعية.
وأوضح الوزير أن «محدودية طاقة التخزين في موريتانيا، والتي لا تتجاوز بضعة أسابيع، تفرض مواكبة حذرة للأسعار العالمية»، مضيفًا أن الحكومة «تدخلت بقرار سيادي لتحمل تكاليف زيادة الأسعار نيابة عن المواطن»، في محاولة لاحتواء موجة الغلاء.
وأكد ولد الشيخ سيديا أن الدولة تتحمل دعماً مباشراً «يتجاوز 200 أوقية قديمة عن كل لتر من الغازوال المباع محلياً»، في إطار سياسة اجتماعية تهدف إلى التخفيف من وطأة ارتفاع الأسعار، رغم القفزات المسجلة عالمياً.
وأوضح أن «الفارق السعري كبير جداً»، مستشهداً بارتفاع سعر برميل النفط من 72 دولاراً إلى 103 دولارات، وصعود سعر طن الغازوال من 735 دولاراً إلى 1156 دولاراً.
ورغم هذه المعطيات، شدد الوزير على أن «السلع الأساسية متوفرة»، مؤكداً أن الدولة «تواصل تدخلها لضمان استقرار الأسعار، خاصة في قطاع الطاقة الذي يواجه ضغوطاً بفعل التقلبات الجيوسياسية العالمية».
أزمة عالمية… وارتدادات محلية
وليس ما تقوله نواكشوط عن أزمة المحروقات معزولاً عن سياق دولي أوسع، حيث تتزايد التحذيرات من أزمة طاقة عالمية جديدة متوقعة، فقد أعادت التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الدائرة حاليا بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل، وفي أوكرانيا، مضافة للعقوبات المفروضة على روسيا، أحد أكبر موردي الطاقة في العالم، رسم خريطة الإمدادات، ودَفعت الأسعار إلى مستويات قياسية.
كما أن اضطراب سلاسل التوريد منذ جائحة كورونا، وتراجع الاستثمارات في قطاع النفط والغاز لصالح الطاقات النظيفة، خلقا فجوة متزايدة بين العرض والطلب، في وقت تواصل فيه الاقتصادات الكبرى استهلاكها المرتفع للطاقة.
وفي هذا المشهد، تبدو الدول المستوردة للطاقة، مثل موريتانيا، في موقع هش، إذ تجد نفسها مضطرة لاستيراد التضخم الطاقوي من الخارج، دون امتلاك أدوات كافية للتحكم فيه.
التخلي الصادم عن الدعم
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الأسعار العالمية، بل في الخيارات الداخلية، فقد تزامنت دعوة الحكومة إلى الترشيد مع شروعها في مراجعة نظام تسعير المحروقات، من خلال ربطه بالسوق الدولية، بدل تثبيت الأسعار كما كان معمولاً به سابقاً. فقد قوبل هذا التحول، الذي تقدمه السلطات بوصفه إجراءً ضرورياً لضمان استدامة المالية العمومية، بانتقادات واسعة، حيث يرى معارضون ونقابيون أنه ينقل عبء الأزمة مباشرة إلى المواطن، في بلد لا تزال فيه القدرة الشرائية هشة.
ويخشى منتقدو القرار من أن يؤدي هذا الربط إلى موجة تضخم جديدة، نظراً لارتباط أسعار النقل والإنتاج بالمحروقات، ما سينعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية والخدمات.
وفي المقابل، تراهن الحكومة على مزيج من الدعم الجزئي والتدخلات السوقية لتخفيف الصدمة، مع الإبقاء على خطاب الطمأنة بشأن توفر المواد الأساسية.
تهريب يعمّق الأزمة
ولا تقف التحديات عند حدود السوق الدولية أو خيارات التسعير الداخلية، إذ تواجه موريتانيا معضلة مزمنة تتمثل في تهريب المحروقات والمواد الغذائية نحو دول الجوار، خصوصاً السنغال ومالي، حيث تسجل الأسعار مستويات أعلى من تلك المعتمدة داخل السوق الموريتانية.
ويغري هذا الفارق السعري شبكات التهريب باستنزاف جزء من الإمدادات المحلية، ما يزيد الضغط على السوق الوطنية الموريتانية ويقوّض جهود الدولة في تثبيت الأسعار وضمان التموين.
ويخشى مراقبون لهذا الشأن أن يؤدي استمرار هذا النزيف إلى تفاقم الاختلالات، خاصة في ظل محدودية قدرات التخزين، وهو ما يضع السلطات أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة تداعيات الأزمة العالمية من جهة، وتشديد الرقابة على الحدود والمسالك غير النظامية من جهة أخرى، للحفاظ على توازن السوق الداخلية.
بين التطمين والواقع
وليست هذه المرة الأولى التي تسارع فيها الحكومة الموريتانية إلى طمأنة المواطنين بشأن الأمن الطاقوي والغذائي، فقد أكدت قبل أسبوعين أن البلاد في وضعية تموين «مريحة»، وأنها تتابع الأسواق بشكل مستمر.
غير أن محدودية قدرات التخزين، التي أقر بها وزير الاقتصاد نفسه، تظل نقطة ضعف هيكلية، تجعل البلاد عرضة لأي اضطراب مفاجئ في الإمدادات.
وفي مواجهة ذلك، تعول موريتانيا على مشاريع استراتيجية لتعزيز استقلالها الطاقوي، من بينها استغلال حقول الغاز البحرية، وتطوير الطاقات المتجددة، خاصة الشمسية والهوائية، التي توصف بأنها من بين الأكبر حجما في المنطقة.
كما تسعى إلى تقوية إنتاجها الزراعي، في محاولة لتقليص فاتورة الاستيراد الغذائي، التي تتضخم عادة في أوقات الأزمات العالمية.
اختبار صعب
وفي المحصلة، تبدو موريتانيا أمام اختبار اقتصادي واجتماعي دقيق: كيف توفّق بين ضرورات التكيف مع سوق دولية مضطربة، وبين حماية السلم الاجتماعي في الداخل؟
وقد تبدو دعوات الترشيد منطقية في لغة الأرقام، لكنها على الأرض تصطدم بواقع معيشي صعب، فيما يظل ربط الأسعار بالسوق الدولية خطوة محفوفة بالمخاطر السياسية.
وبين خطاب الطمأنة الرسمي وقلق الشارع، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة والمواطن، في بلد بات أكثر انكشافاً على تقلبات عالم لا يهدأ.