الحرب على إيران: كيف أوقع نتنياهو بترامب؟


ظهرت، بعد 26 يوما من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، إشارات من قبل الإدارة الأمريكية على رغبة في التفاوض دعمها إعلان الرئيس دونالد ترامب وقف الهجمات على محطات الكهرباء والنفط لخمسة أيام، وهي إشارات قابلتها وقائع تبدو متناقضة من الطرف الإيراني.
نُسب الموقف الأول إلى وزير الخارجية عباس عراقجي الذي أكدت وسائل إعلام غربية أنه قال لستيف ويتكوف، مبعوث الرئاسة الأمريكية، إن المرشد الأعلى للجمهورية، مجتبى خامنئي، موافق على بدء مفاوضات لإنهاء الحرب. تزامن ذلك مع إعلانات عن قيام ممثلين كبار من إيران وأمريكا بالمشاركة في مفاوضات، عبر الهاتف، يوم الخميس الماضي، فيما لم تتلق إسرائيل حتى تقريرا رسميا من شريكتها الولايات المتحدة. تمثّل الموقف الآخر بإعلانات أطلقها المتحدث باسم “مقر خاتم الأنبياء” (القيادة القتالية الموحدة للقوات الإيرانية) يقول إن “أمريكا تتفاوض مع نفسها”، وأن طهران لن تعقد أي اتفاق مع الولايات المتحدة.
تم تفسير عدم إبلاغ تل أبيب ببدء تلك المفاوضات بالتذكير بتجربة سابقة حاولت فيها الإدارة الأمريكية، في العام 2025، إجراء محادثات مباشرة مع حركة “حماس” عبر مبعوثها آدم بولر، وأدت معرفة إسرائيل بالواقعة إلى تسريب القصة ثم إفشال تلك المحادثات، غير أن عدم إبلاغ إسرائيل ببدء إدارة ترامب مفاوضات مع إيران يمكن أن يحمل تفسيرات أخرى، بينها أن ترامب يشعر بأن إسرائيل ورّطته في مأزق سياسي كبير.
تشير معلومات متقاطعة أن مدير المخابرات الإسرائيلية، دافيد برنياع، قدّم لبنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة، خطة تقول إن اغتيال القادة الكبار في إيران، سيؤدي، إلى تمرّد الشعب الإيراني، وأن دعما إسرائيليا – أمريكيا لذلك التمرّد كان سيقود لسقوط النظام في إيران. كان نتنياهو، بغض النظر عن ذلك سيناريو الموساد المبالغ فيه جدا، يعتبر دخول أمريكا وإسرائيل معا الحرب على إيران حلما كبيرا من أحلامه.
إضافة إلى “خطة الموساد”، التي تمكن نتنياهو من إقناع ترامب بأرجحية تحققها، لعب ويتكوف نفسه، مع زميله جاريد كوشنر، دورا مهما في إقناع ترامب بأن المفاوضات مع إيران لم تؤد إلى النتيجة المطلوبة. فسّرت بعض التحليلات هذا الموقف بجهل ويتكوف وكوشنر للتفاصيل التقنية التي قدّمتها إيران لتأكيد أن مشروعها النووي لن يتحول إلى سلاح نووي، فيما فسّرته جهات أخرى، سياسية وإعلامية، بأن ويتكوف وكوشنر هما، أساسا، من “أصول إسرائيلية”، بمعنى أنهما يعملان بما تقتضيه مصلحة إسرائيل وليس أمريكا.
ليس دقيقا، بالتالي، ما عبّرت عنه صحيفة “ديلي ميل” البريطانية بعنوان: “ترامب وقع في حفرة حفرها بيده”. الأصح ربما القول إن ترامب وقع في حفرة حفرها نتنياهو وبرنياع، ولا يهمّ هنا إن كان ذلك تم بتنسيق مع كوشنر وويتكوف أم بدونه.
نجاح نتنياهو في جرّ ترامب إلى هذه الحرب موجود، على أية حال، في عيوب شخصية ترامب المستعد لنسبة عمل لنفسه إذا نجح وإنكاره إذا فشل، والمستعد لنقض تعهداته مرارا وتكرارا (كما فعل فيما يخص قصف حقل بارس المشترك بين قطر وإيران)، والقادر على قول الشيء ونقيضه حسبما يناسبه.
إضافة إلى العوامل الآنفة فقد لعب نتنياهو على وتر مقارنة إيران بما حصل في فنزويلا بعد إنجاز القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. صدّق ترامب أن قتل مرشد الجمهورية الإيرانية وقادته العسكريين سيفتح الباب لسقوط النظام، أو لاختيار إيران شخصا يقبل به ترامب، كما قال ذلك صراحة، لكن الذي حصل أن الطاقة النارية والاستخبارية والتكنولوجية الرهيبة لم تسقط النظام، ولم تدمّر المشروع النووي، ولم تنه المشروع الصاروخي، ولا أوقفت “أذرع إيران” الإقليمية عن العمل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *