رام الله- “القدس العربي”: تركت الحرب الأمريكية الإسرائيلية انعكاساتها على الضفة الغربية المحتلة، وسط تباين في المواقف السياسية ترك تداعياته مع اعتقال أجهزة الأمن الفلسطينية ناشطا سياسيا، ورد الرئاسة الفلسطينية على بيان وقعته شخصيات تدين الحرب.
وكانت أجهزة الأمن قد اعتقلت الناشط السياسي والأسير المحرر عمر عساف، بعد نشره عريضة وقع عليها أكثر من 200 شخصية ومؤسسة فلسطينية من الوطن والشتات، تندد بالعدوان العسكري المستمر على إيران ولبنان، وتصفه بأنه امتداد لحرب الإبادة على قطاع غزة والضفة الغربية، وتطالب بإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة.
وأثار اعتقال عساف انتقادات حقوقية وسياسية، ليأتي بيان الرئاسة الفلسطينية ردا على بيان الـ200، في تجل لانقسام بين موقفين.
وقالت الرئاسة الفلسطينية إن البيان الصادر باسم مجموعة من الأشخاص حول الحرب الجارية في المنطقة “لا يمثل إلا هؤلاء الأشخاص، ولا يعكس الموقف الرسمي أو الشعبي لدولة فلسطين بأي شكل من الأشكال”.
وأوضحت الرئاسة أن الموقف الفلسطيني الرسمي، كما ورد في بيانها بتاريخ 28 شباط / فبراير 2026، يعارض العدوان على الدول العربية الشقيقة من قبل إيران، وكذلك العدوان الإسرائيلي على لبنان.
كما أوضح الناطق باسم قوى الأمن الفلسطيني أن اعتقال عمر عساف جاء على خلفية ترؤسه إصدار البيان نفسه، الذي وقع عليه عدد من الشخصيات تحت مسميات مختلفة غير رسمية.
وأشار إلى أن البيان تضمن “إساءات ومزايدات” تجاه الدول العربية الشقيقة، وهو ما عدته تجاوزا لا يعكس الموقف الوطني الفلسطيني.
وقال الناطق باسم قوى الأمن الفلسطيني في بيانه إن هذه الممارسات قد تلحق ضررا بالقضية الفلسطينية وبمصالح الفلسطينيين المقيمين والعاملين والدارسين في الدول العربية، الذين يشكلون جسورا للعلاقات التاريخية والأخوية.
وكانت قوى سياسية فلسطينية، في وقت سابق، إلى جانب مؤسسات نقابية واجتماعية ومؤسسات من المجتمع المدني وشخصيات وطنية، قد أدانت العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
وقالت القوى والمؤسسات والشخصيات في بيان لها إنه “منذ ما يقارب أربعة أسابيع تتعرض إيران والشعب اللبناني الشقيق ومقاومتهما لعدوان تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، مستخدمة أسلحة تدميرية، ومرتكزة على قواعد أمريكية في الدول العربية، بهدف السيطرة على الإقليم ونهب خيرات شعوبه”.
وأكد البيان أن “الاعتداء على إيران يشكل امتدادا للحرب التي تشنها حكومة الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية ولبنان، ويأتي في سياق “حرب إبادة جماعية” و”تطهير عرقي”، مع استمرار خرق وقف إطلاق النار وتهديد خطير للسلم والأمن الدوليين”.
وأدانت منظمات حقوقية ومؤسسات مجتمع مدني فلسطينية اعتقال الأجهزة الأمنية في مدينة رام الله للناشط عساف، وذلك على خلفية توقيعه على بيان يدعو إلى التضامن مع إيران ولبنان في حربهما ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وقالت لمى صافي، ابنة الناشط عساف، إنه في تمام الساعة العاشرة والربع من مساء الخميس حاصرت قوات الأمن الوقائي المنزل في رام الله لمدة ساعة كاملة، تخللها تفتيش محتويات المنزل والسيارة، ومصادرة المقتنيات الشخصية الخاصة بوالدها عساف.
وقالت: “لقد تم عرضه الخميس على النيابة العامة، ورفض الامتثال للتحقيق من دون وجود محام، فتم تأجيل عرضه مع استمرار احتجازه في مقر الأمن الوقائي لمدة 15 يوما”.
وعدت احتجاز والدها على هذا النحو “انتهاكا لحقه في التعبير عن رأيه”، وحملت جميع الأجهزة والنيابة العامة مسؤولية سلامة والدها، وقالت: “نطالبهم بالإفراج الفوري عنه والكف عن ملاحقته والعبث بمحتويات هاتفه”.
وقال النائب السابق في “المجلس التشريعي” حسن خريشة، وأحد الموقعين على البيان، إن اعتقال زميله عساف يأتي في ظرف غير موات وغير مناسب، وإنه يعكس سياسة كبت الحريات العامة في ظل تعرض الشعب الفلسطيني لانتكاسات وحروب كثيرة، وهو ما يجعل مشاعر الفلسطينيين تقف مع من يحارب الاحتلال الذي يشن الحروب علينا في غزة والضفة والقدس.
وعدّ في حديث خاص لـ”القدس العربي” أن البيان الذي وقع عليه يعكس حالة من التعبير عن المزاج الشعبي الوطني الفلسطيني، حيث يقول للعالم إنه يقف مع من يقاوم الاحتلال ويتصدى له.
وتابع قائلا: “لقد سقطت كل المنظومة القانونية الغربية، وأصبحنا نرى اليوم من يلوم الضحية ولا يتحدث عن المجرم ومرتكب الحروب غير القانونية، ونحن في البيان لا ننطلق من منطلقات طائفية إطلاقا، فنحن مع الحق وضد الظلم والظالمين”.
ورأى أن اعتقال عساف يأتي على هذه الخلفية، وبادعاء الإساءة للعرب، فإن “هذا مستغرب جدا، فليس هناك من يسيء للعرب، ولا يوجد من يفعل ذلك بيننا”.
وشدد على أن الفلسطيني بطبعه وفي لكل من ساعده ووقف إلى جانبه ودعم صموده، وقال: “ومن هؤلاء دول الخليج التي وقفت إلى جانبنا، ولها أياد بيضاء علينا، ولكننا في الوقت نفسه نقول لدول الخليج إن هذه الحرب ليست حربكم، فيما الأمريكي يريد جرهم إليها. وبالتالي أنا مع لبنان ومع إيران في رد العدوان الإسرائيلي والأمريكي”.
وتابع أن رسالة البيان واضحة، ومفادها أن “الأمريكي لا يحمي أحدا إلا إسرائيل، والواقع يثبت ذلك”.
وقال خريشة: “لا يوجد أي مبرر للاعتقال إطلاقا. كلها أفلام مركبة، والقضاء لا يصمد أمامها. وأنا أناشد وأطالب السلطة، وتحديدا الرئيس محمود عباس، بإنهاء الملف. نحن لا ننوي بأي حال الإساءة لأحد، فظروفنا تحتم علينا التوحد في وجه المخاطر”.
ويشار إلى أن “محكمة صلح رام الله” قررت تمديد توقيفه لمدة 15 يوما لاستكمال إجراءات التحقيق.
وطالبت مجموعة “محامون من أجل العدالة” بضرورة احترام حرية الرأي والتعبير، بوصفها حقا دستوريا مكفولا لا يجوز تقييده إلا في أضيق الحدود ووفقا للقانون، وشددت على أهمية الالتزام بالمعايير القانونية السليمة في إجراءات التوقيف والتحقيق، وضمان عدم التعسف في استخدام النصوص القانونية، ورفض توسيع نطاق التجريم ليشمل التعبير السلمي عن الرأي أو المواقف السياسية.
وبدوره، قال إيهاب بسيسو، الوزير السابق والأكاديمي وأحد الموقعين على البيان، إنه “ما كان يجب اعتقال عساف من الأساس على خلفية بيان رأي يدعو إلى احترام القانون الدولي وشجب الاعتداءات الاستعمارية التي لا توفر استقرارا حقيقيا قائما على العدالة، بقدر ما تسهم في خلق المزيد من الفوضى في المنطقة”.