الحرب على إيران تسقط حل الدولتين نهائيا وعلى الفلسطينيين إطلاق مشروع وطني جديد


الناصرة- “القدس العربي”:

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا بروفيسور أسعد غانم، في حوار خاص مع “القدس العربي”، أن الحرب على إيران، وبغض النظر عن مآلاتها، قد أسقطت الخيار العسكري نهائيا مثلما أسقطت حل الدولتين، داعيا الفلسطينيين لصياغة مشروع نضالي وطني ل”إزالة التفوق العرقي الإسرائيلي في كل فلسطين التاريخية”. كما يتوقف غانم أيضا عند أهم تبعات الحرب على العالم العربي من بعض النواحي، وفيما يلي الحديث معه.

كيف تقرأ تبعات الحرب على الأمن القومي العربي خاصة في الخليج؟

أسعد غانم: “لا يوجد أمن قومي عربي بالمعنى الشامل منذ زمن طويل. ما هو موجود هو أمن لدول في منطقة تعتبر إجمالا، في النقاش العام، قوية كالسعودية أو قطر كـمركز ثقافي وإعلامي وغيره، أو حتى الإمارات. لكن الحرب على غزة والحرب الحالية أثبتتا أن الأمن القومي العربي، حتى على مستوى الدول، مستنزف ولا رصيد حقيقيا به. كذلك هناك ثلاث دول حقيقية في المنطقة هي إسرائيل وتركيا وإيران، وتمتاز بـتجانس عرقي واسع وفيها مؤسسات دولة وباعتبارات قومية تتعلق بمصالح الدولة والمواطنين.

دللت هذه الحرب الآن على أن الدول العربية، بشكل عام، كنظام سياسي، ملحقة وليس فقط للولايات المتحدة، ولا يوجد لديها قرار أو تنسيق قومي، وهذا رغم تقديري الشخصي أن دولا عربية عززت من هويتها الوطنية في العقود الأربعة الأخيرة، بيد أنه في نهاية المطاف لم تلعب دورا في الدفاع عن أمنها الذاتي القومي والشخصي، بل أنه تم استدراجها لهذه المواجهة كعامل ثانوي.

غانم: رغم أن دولا عربية عززت من هويتها الوطنية في العقود الأربعة الأخيرة، بيد أنه في نهاية المطاف لم تلعب دورا في الدفاع عن أمنها الذاتي القومي والشخصي

التهميش أو الضعف العربي بدأ بوضوح خلال حرب الإبادة ولم يجد ما يواجه به إسرائيل وهي تمضي في الإبادة في غزة، وهناك دول عربية اليوم تنتظر أن يقوم العرب الفلسطينيون في إسرائيل بتغيير إسرائيل من الداخل وربما إسقاط نتنياهو من خلال ممارسة المواطنة والانتخابات. العرب في إسرائيل، وهم أقلية صغيرة مستضعفة، أقوى من دول عربية في مواجهتها. العالم العربي ضعيف ويعتمد على مساعدات خارجية لحماية أمنه. هذه القوة الأمريكية تستطيع إسقاط كل الأنظمة لو رغبت لعدم وجود ما يحمي هذه الدول”.

مستشار الأمن القومي الأسبق تساحي هنغبي قال في مقال نشرته “يديعوت أحرونوت” أمس إن مصير غزة سيحسم في طهران، فإن نجت الأخيرة ستنجو حماس وإن سقطت ستسقط. كيف ستؤثر الحرب، باحتمالات نهايتها المختلفة، على قطاع غزة؟

“غزة تشهد كارثة، ولكن المشكلة ليست في غزة بل تكمن في إسرائيل، من هنغبي إلى نتنياهو، وتطلعاتها ومساعيها لحسم الصراع حول مسألة الدولتين بمعنى السيطرة على مصير فلسطين التاريخية من خلال السيطرة المباشرة على الضفة الغربية ومن خلال “مجلس السلام” على غزة.

إسرائيل تقوم بحروبها على إيران أولا بسبب فلسطين، بمعنى منع أي قوة في المنطقة تستطيع أن تقف أمامها في محاولتها السيطرة على فلسطين التاريخية، وثانيا مصالح جيو استراتيجية على مستوى المنطقة، أي تعاون أمني مع الدول العربية. وقد نجحت إسرائيل في ذلك لدرجة إن هناك تقارير تقول إن قائد الجيش الإسرائيلي ينسق مع قيادات جيوش عربية في مسألة الحرب على إيران، علاوة على مصالح إسرائيل الاقتصادية في العالم العربي، سوق واستثمارات.

غانم: إسرائيل حسمت مسألة العلاقة مع العالم العربي على أرض الواقع مع مقولة متزامنة مفادها أنه لا مكان لدولتين ولدولة فلسطينية، والآن لا أحد يتحدث عن تعاون مع السعودية حول حل الدولتين

ذروة هذه الحرب بلغت في تحالف استراتيجي عسكري، بمعنى أن المصالح الاقتصادية والدبلوماسية ثانوية وموجودة على الطريق. إسرائيل حسمت مسألة العلاقة مع العالم العربي على أرض الواقع مع مقولة متزامنة مفادها أنه لا مكان لدولتين ولدولة فلسطينية، والآن لا أحد يتحدث عن تعاون مع السعودية حول حل الدولتين بعدما كنا نحن كفلسطينيين نبني على دور محتمل للسعودية في إنقاذ حل الدولتين. لذلك فإن هذه الحرب حتى الآن، وإن توقفت اليوم، ومن خلال ضبط إيران والتحكم بها، هي لحد بعيد نجاح لإسرائيل حتى الآن، وبحال سقط النظام الإيراني ستكبر إنجازاتها. من هذه الناحية وبهذا المعنى فقد اقتربت كثيرا جدا من حسم الصراع مع الفلسطينيين حول السيطرة على فلسطين التاريخية”.

هل تقصد أن التطبيع مع السعودية قادم دون تسوية القضية الفلسطينية بحال سقطت إيران؟

“نعم صحيح، لأن السعودية عمليا ثبت أنها بحاجة لأمريكا وللتعاون مع إسرائيل”.

ولكن بحال سقطت إيران فلن يعد هناك حاجة لدى السعودية بتحالف ملح مع أمريكا وإسرائيل؟

“إذا سقطت إيران فإنها ستدخل في مرحلة عدم استقرار مما يترك آثارا سلبية على كل المنطقة، وبالتالي ستكون الرياض أقرب لواشنطن وتل أبيب. حتى وإن كان هذا وهما بنظري فإن السعودية ترى أن التعاون مع أمريكا حسم أكبر تحد لها وللعائلة المالكة”.

لكن العكس ربما صحيح، فقد عجزت الولايات المتحدة عن توفير مظلة حماية لدول الخليج رغم كل الاستثمارات، بل إن هناك دولا أوروبية علمت بقرار الحرب قبل السعودية؟ فلماذا تكون دول الخليج والسعودية مدينة لواشنطن؟

“السعودية مدينة لأمريكا لأن الحرب أظهرت أن عدة أيام من تساقط الصواريخ قد زعزعت أمن السعودية وغيرها، ولذا فإن الحماية الأمريكية والإسرائيلية حاجة مهمة”.

لكن المظلة الأمريكية غير فعالة بدليل أن الصواريخ تتساقط حتى الآن؟

“نعم، لكن هذا لا يعني سقوط الأنظمة، وبقاؤها هو الأهم”.

ربما تتجه دول الخليج للبحث عن أفق آخر، مفهوم أمني قومي مختلف بعد هذه التجربة، بدلا من وضع بيضاتها في سلة واشنطن فقط؟

“بينت الحرب أن هذا الأفق الآخر مفقود، فإيران لم تجد روسيا والصين إلى جانبها. طبعا ممكن أن ينشأ وضع تكون فيه حاجة لدور تركي أكبر، لكن حتى تركيا مهددة وغير ضامنة بعد تهديد إيران، وستحسب علاقتها مع واشنطن وبتل أبيب بحذر أكبر بعد هذا الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الناجح إلى حد كبير”.

نعود لتبعات الحرب الجارية على القضية الفلسطينية؟

“ما قصدته هنا هو أن الخيار العسكري سقط نهائيا بعدما كانت جهات فلسطينية وعربية تراهن على إيران وقوتها العسكرية والاستراتيجية وعلى الخيار العسكري أكثر فأكثر”.

هذا برأيك صحيح اليوم بكل الأحوال بصرف النظر عن كيف ستنتهي الحرب؟

“طبعا. الآن الخيار العسكري سقط. إسرائيل الآن تتحكم بفلسطين وحققت انتصارا كبيرا لها وللصهيونية بالمعنى التاريخي بعدما بلغت ذروة جديدة من ذروات القوة. لكن في ذات الوقت هذا يفتح أفقا أمام الفلسطينيين مجددا على خيار النضال لتحويل فلسطين لنظام ديموقراطي، خاصة أن 60% من الأمريكيين ضد الحرب وأقرب لفلسطين من إسرائيل”.

وماذا يتطلب ذلك من الفلسطينيين؟

“تتطلب المرحلة القادمة من الفلسطينيين توضيح استراتيجيتهم، وأنا شخصيا أتمنى أن ننتقل كشعب فلسطيني من استراتيجية الدولتين إلى استراتيجية إزالة آثار الاستعمار والتفوق العرقي في فلسطين التاريخية. وهذا النجاح الإسرائيلي بين مزدوجين يعني التوضيح للفلسطينيين أن خيارهم الممكن الوحيد هو الذهاب لتغيير استراتيجي في كل فلسطين التاريخية”.

ترى بذلك نقطة ضوء في هذا الواقع الراهن الناجم عن الحرب؟

“نعم أعتقد ذلك رغم السواد والتفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي في حرب مشتركة”.

كيف ترى النتائج السياسية الداخلية على إسرائيل ومدى استفادة نتنياهو وائتلافه في حال انتهت بسقوط إيران؟

“من النتائج السياسية للحرب أن هناك احتمالا ببقاء ائتلاف نتنياهو المتشدد أو ائتلاف مشابه له في الحكم، وهذا يضع تحديات كبيرة أمام كل الفلسطينيين، فخيار الدولتين سقط نهائيا، والحالة الفلسطينية الداخلية مهلهلة في ظل الخلافات والعجز عن صياغة مشروع يواجه التفوق العرقي الاستعماري ولم يعد بالإمكان أن يستمر. تنظيم الفلسطينيين هو المفتاح.

من النتائج السياسية للحرب أن هناك احتمالا ببقاء ائتلاف نتنياهو المتشدد أو ائتلاف مشابه له في الحكم، وهذا يضع تحديات كبيرة أمام كل الفلسطينيين، فخيار الدولتين سقط نهائيا، والحالة الفلسطينية الداخلية مهلهلة

السؤال الآن هل ينجح الفلسطينيون في استعادة وحدتهم وإعادة بناء عمل سياسي منظم، وهذا ينسحب على الفلسطينيين في إسرائيل. الآن مرجح أن يفوز نتنياهو بعدة مقاعد إضافية، مما يحتم قائمة عربية مشتركة لمحاولة منع نتنياهو من العودة للحكم، وبدون وحدتنا سيبقى في الحكم.

المطلب الآن تنظيم الفلسطينيين عموما وفلسطينيي الداخل خاصة، إضافة للتفكير بأفق وطني جماعي فلسطيني لتحدي الهيمنة والتفوق العرقي وليس من خلال الرهان على خيارات عسكرية خارجية وعلى مفاوضات عبثية، بل العودة لأسس النضال الفلسطيني: الصمود الفلسطيني، بناء الوضع الفلسطيني مع تصور لإزالة التفوق والآبرتهايد وآثار الاستعمار الاستيطاني. هناك نماذج عالمية كجنوب إفريقيا، شمال إيرلندا وألبانيا وغيرها. نضال مبني بالأساس على صمود الشعب الفلسطيني وبناء مؤسساته الوطنية التي سبق وأدت تراكميا للانتفاضة الأولى التي تم هدرها بصفتها إنجازا كبيرا، والآن هناك حاجة لإعادة الاعتبار لها، لأن كل الفلسطينيين في فلسطين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية”.

وهذا رغم حالة التوحش الإسرائيلية الراهنة أم بسببها بالذات؟

“بسبب حالة التوحش وعدم وجود أفق لأي حل سياسي. يجب أن يكون المشروع الأساسي الآن هو الصمود، بناء المؤسسات والعمل المشترك وبناء تصور لإحداث تغيير في طابع الحكم في فلسطين التاريخية. مرحلة تاريخية قد تطول كثيرا. المرحلة السابقة انتهت طبعا، في غزة، ولكن الآن بات واضحا أكثر أن مرحلة المفاوضات والحل السلمي والرهان على السعودية وأمريكا والتدخل الدولي أمر غير مجد ولا معنى له، ولذا يجب الذهاب لتصور أكثر استراتيجية لتغيير الواقع”.

من جملة ركائز التغيير الذي تتحدث عنه يرتبط بالتغيير المحتمل في العالم مستقبلا ضد إسرائيل ومع فلسطين؟

“طبعا. هذا مهم جدا. إذا كان الفلسطينيون مستعدين لهذا التغيير، بمعنى طرح بديل ديموقراطي مدني مقنع للعالم، قد يكون هناك دعم شعبي أولا لصالح فلسطين، وهناك بذور لذلك في أمريكا وأوروبا لهذا الدعم. كما يمكن الاعتماد على العالم العربي أيضا في دعم نضالنا المدني فقط، لأنه سيكون على علاقة مع إسرائيل، وعلينا إعادة النظر بعلاقاتنا مع العالم العربي الذي لا يريد ولا يستطيع مجابهة إسرائيل”.

هذا ممكن في ظل توحش إسرائيلي شامل ونزوح صهيوني نحو التطرف؟

“لا يوجد طريق آخر. بالعكس، هذا التوحش الإسرائيلي بالذات يزيد الحاجة لنضال طويل الأمد مبني على الصمود وعلى وسائل مبتدعة غير عسكرية. لا طريق آخر، ولذا للفلسطينيين في إسرائيل دور كبير في هذا الأمر، وهذه مسيرة طويلة. ولنا في جنوب إفريقيا عبرة، فكلما زاد توحش البيض زاد الدعم الدولي، لكن هناك كانت قيادة برئاسة مانديلا قادرة على بلورة نضال لإزالة التفوق العرقي بوسائل غير عسكرية لأن الخيار العسكري سقط نهائيا في غزة والآن سقط أكثر”.

من لا يريد أن تكون جاره فكيف يقبل بك شريكا في بيت واحد؟

“ما البديل؟ لا بديل أمامنا كفلسطينيين إلا تنظيم أنفسنا وخوض نضال يقنع العالم بأنه حان الوقت لإعلان تغيير في مجابهة التفوق العرقي الإسرائيلي. أمس على سبيل المثال قال بوضوح مرشح الحزب الديموقراطي الأقوى للرئاسة الأمريكية إن هناك نظام آبرتهايد في الضفة الغربية، وهذا تقدم مهم يجب أن نبني عليه في نضالاتنا بدلا من مواصلة القول “نريد دولة، نريد دولة”. هذا أصبح من ورائنا. واضح أن إسرائيل تستخدم السلطة الفلسطينية للسيطرة على الفلسطينيين مثلما تستخدم العنف والجريمة للسيطرة على فلسطينيي الداخل”.

هذا يعني أنه يجب أن تخرج السلطة الفلسطينية للتقاعد برأيك؟

“على الأقل أن تسعى لتغيير جدي وتمهيد الأرضية لتغيير في السياسة الفلسطينية، وواجبها تنظيم العمل السياسي الوطني على أساس إجراء انتخابات عامة وطنية وحقيقية بدلا من مواصلة سياساتها الحالية. ليس بالضرورة أن تحل السلطة الفلسطينية نفسها، فهي تستطيع تقديم خدمات حقيقية وتكون مرتكزا للرؤية الجديدة المذكورة هنا”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *