الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية واحتمالات التوسّع


يوما بعد آخر تتحول الحرب التي شنّها التحالف الأمريكي – الإسرائيلي على إيران إلى حرب وجوديّة.
وتبدو الأطراف المشاركة فيها مصرّة ليس على مواصلتها فحسب، بل على تكثيفها واستخدام كافة الأسلحة التي تحت أيديها. فلم يبق إلا السلاح النووي والكيماوي بعد أن استُخدمت الطائرات والصواريخ، وضُربت محطات تحلية المياه، واستُهدفت المنشآت الاقتصادية خصوصا المصارف، ودُمّرت محطات توليد الكهرباء ووحدات تحلية  المياه. ومع استمرار الحرب وعجز أمريكا عن حسمها، ثمّة توقّعٌ بأن تلجأ واشنطن للسلاح النووي. وهذا تطوّر خطير جدّا، ينذر باندلاع حرب عالميّة. وبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء العدوان الأمريكي – الإسرائيلي، ما تزال إيران حاضرة في الميدان تتحدى ما تعتبره “عدوانا” من ذلك التحالف، وما تزال الحرب يتصاعد أوارها وتهدد بالمزيد من الدمار. هذا التوسع يتأرجح بين التصعيد الذي لا يُبقي ولا يذر، والتراجع الذي تفرضه الضغوط المحلّيّة تارة، والعالمية تارة أخرى. وقد اتضح الآن أن الرهان على تدمير إيران في الضربات الشاملة في الأسبوع الأول لم يكن في مكانه، بل كان تعبيرا عن الطموحات التي تشبثت بها الولايات المتحدة الأمريكية، وتخيّل ترامب أنه أنجزها. فما تزال طهران تتصدّى لآلة الحرب الأمريكية برغم التفاوت الكبير في الإمكانات التكنولوجية، والحصار المفروض على إيران من الغرب. ولا شكّ أن ترامب يشعر بخيبة أمل كبيرة إزاء هذه الحقيقة. فلم يذكر  التاريخ أن بلدا خسر الطبقات العليا من قياداته بضربات عدوّه لكنه لم يستمر في المقاومة فحسب، بل ما يزال قادرا على إلحاق الأضرار بمصالح الطرف الآخر على نطاق واسع.
العالم يقف حائرا أمام مشاهد الدمار التي لحقت بـ “إسرائيل” وتظهر بشكل متواصل في شكل حرائق كأنها من مشاهد الجحيم يوم القيامة. ويزداد حيرة حين يرى الصواريخ الإيرانية تقطع المسافات الطويلة لتصل إلى عمق الكيان الإسرائيلي مخترقة منظومة الدفاع الإسرائيلية التي أطلق عليها “القبّة الحديدية” لتضرب تل أبيب أمام عدسات التصوير. وهذه ليست ادّعاءات تطلقها طهران جزافا لتزييف الحقائق، بل تعجّ بها وسائل التواصل الاجتماعي على مدار الساعة. ولا شكّ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي عندما أطلق العنان لطموحاته بتدمير إيران بحربه التي يشنها بشراكة أمريكية، لم يكن يتوقع أن يأتي اليوم الذي يتحدث فيه العالم عما إذا كان حيّا أم ميّتا بعد ضربات من الصواريخ الإيرانية أصاب بعضها منزله. ومع استمرار سقوط الضحايا من كافة الأطراف، أصبحت الكفّة العسكرية تتأرجح بدون أن يستطيع أي طرف إعلان تحقيق ساحق على الطرف الآخر. هذا برغم استخدام أحدث الأسلحة الأمريكية، وبرغم استمرار الولايات المتحدة بإمداد آلة الحرب الإسرائيلية بكل ما تحتاجه من سلاح وعتاد. هذا لا يعني أن إيران محصّنة ضد الدمار. فقد نجم عن القصف الأمريكي – الإسرائيلي تصفية تدمير البنى التحتية للجمهورية الإسلامية، بما في ذلك مصانع السلاح والعتاد والجسور ومخازن السلاح والقواعد العسكرية ومنصات إطلاق الصواريخ. بل أن قياداتها من الصف الأول، بمن فيهم مرشدها، استشهدت في الضربات المتتالية. ولكن مع ذلك لم يسقط النظام ولم تستسلم إيران. ويكاد المراقبون يُجمعون على أن بقاء النظام الإيراني بعد الحرب يعني انتصارا حقيقيا، لأن التحالف الأمريكي – الإسرائيلي لم يحقّق الهدف الأساسي من العدوان المتمثّل بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.
لم يكن ترامب ولا مسؤولو إدارته يتصورون أن تصمد إيران أمام الضربات الأولى، وبنوا موقفهم على أساس أنهم سيحققون كل النتائج في وقت سريع، حسب ما قاله خبير دولي في مقابلة مع الجزيرة. يقول كبير الباحثين في معهد كيتو للدفاع دوغلاس بنداو: “إن واشنطن لم تكن معنية بضرب منشآت إيران النووية خلال هذه الحرب بقدر اعتنائها بإسقاط النظام، لكنها صُدمت حتى من الهجمات الإيرانية على جيرانها التي لم تكن تتوقعها.” وثمة مقولة شهيرة أن “النصر له آباء كثيرون، أما الهزيمة فهي يتيمة ” غالبًا ما تُنسب إلى السياسي الأمريكي جون إف. كينيدي، لكنها في الأصل اقتباس مأخوذ من مقولة قديمة مشابهة وردت على لسان الدبلوماسي الإيطالي غاليليو غاليلي، الذي قال: “النصر له مائة أب، لكن الهزيمة يتيمة.” ولذلك ثمة لغط كبير في الأوساط السياسية الغربية حول هذه الحرب، إلى الدرجة التي أصبحت محل شد وجذب بين أطراف عديدة. فقالت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي ونائبة رئيس المفوضية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أنه لا توجد أسس قانونية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وشددت على أن الاتحاد الأوروبي لن يشارك فيها. وركزت على أن إنهاء حرب إيران لا يقل أهمية عن إيجاد حل لأوكرانيا. وجاء الردّ عليها من جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، الذي قال : تقول كايا كالاس: “إيران ليست حرب أوروبا أنا فقط أخبرك أن هذا النوع من الخطابات قد يقود دونالد ترامب إلى القول حسناً، لا بأس، إنها ليست حرب أوروبا خمّنوا ماذا؟ أوكرانيا ليست حرب أمريكا”. إن دوّامة النقاش حول طبيعة الحرب ومداها وآفاقها يعكس حجم البلبلة الفكرية والسياسية في عواصم القرار الغربية، وتشوّش الصورة في أذهان القادة العسكريين فضلا عن السياسيين.

مع استمرار سقوط الضحايا من كافة الأطراف، أصبحت الكفّة العسكرية تتأرجح بدون أن يستطيع أي طرف إعلان تحقيق ساحق على الطرف الآخر

وهكذا فُتحت أبواب الجحيم أمام أمريكا بعد أن ورّطتها “إسرائيل” في حرب لن تستفيد منها شيئا، وأن إنهاءها بعد أن اندلعت ليست بيد أمريكا أو الغرب. فأية دولة تفقد قياداتها بعدوان خارجي تجد نفسها أمام واحد من خيارين: إما الاستسلام أو الصمود والانتقام. صحيح أن لدى أمريكا أسلحة أكثر تطورا، خصوصا إف – 35 التي تعتبر درة تاج العسكرية الأمريكية، ولكن هذه الأسلحة جميعا لا تستطيع كسر شوكة بلد يرفض الإذلال والهزيمة. فحتى هذه الطائرة المنيعة لم تستطع الصمود أمام المسيّرات الإيرانية. فقد خسرت أمريكا اثنتين على الأقل من هذه الطائرات بضربات إيرانية في تطور أثار قلقا كبيرا في الأوساط العسكرية الأمريكية. وبدلا من الاستسلام أصبحت الجمهورية الإسلامية التي خسرت أقوى قياداتها في شهر رمضان ابتداء بالمرشد وانتهاء بالدكتور علي لاريجاني، أكثر تحدّيا وإصرارا على الاستمرار في نهجها. فهي تعلم أن أي تراجع سيؤدي بشكل تدريجي إلى الهزيمة وانتهاء أسطورة الصمود والبقاء والاستبسال. مع ذلك لا بد من الاعتراف بحجم الخسائر الإيرانية ليس المادّيّة منها فحسب، بل المعنويّة والنفسية. ولكن ما يعوَّض عن ذلك قدرة إيران على توسيع دائرة الصراع ليشمل منطقة الخليج كلها، وهو أمر خطير لا يمكن  التنبّؤ بمآلاته المدمّرة. إنها واحدة من الحقب التاريخية المفصلية في تاريخ المنطقة. الأمر المقلق غياب الدول العربية والإسلامية الكبرى عن المشهد وإحجامها عن طرح مبادرات لاحتواء الحرب ومنع انتشارها أو استمرارها. وما يزيد القلق أيضا غياب ما يوحي بجدّيّة هذه الدول لتشكيل جبهة عربية – إسلامية مرصوصة تدافع عن المنطلقة وتمنع توسّع الاحتلال ونفوذه في الشرق الأوسط. وهناك من يقول إن بقاء الدول الإسلامية الكبرى القريبة من مسرح العمليات خارج الحرب أمرٌ إيجابي، فقد منع توسع المعارك بما يخرج الأزمة عن السيطرة، وأبقى الأبواب مشرعة أمام مبادرات حقيقية وجادّة لوقف الحرب، وإن كان ذلك مستبعدا في الوقت الحاضر.
حتّى الآن لم تتوسع دائرة الحرب كثيرا نظرا لقناعة دول الجوار بخطر التدخل مع أيٍّ من الأطراف المشاركة فيها. ولكن هناك مؤشرات لذلك التوسّع. فقد هدّدت السعودية بالردّ على الضربات الإيرانية التي تستهدف المنشآت النفطية والغازية بالإضافة للقواعد العسكرية المنتشرة على أراضي دول مجلس التعاون. في البداية سعت إيران لمنع توسع نطاق الحرب، ولكن بعد أن بدأت أمريكا بشنّ اعتداءاتها انطلاقا من تلك القواعد، اعتبرت طهران أن ذلك يساهم في تكثيف العمليات الأمريكية ويسهّل مهمتها في استهداف المواقع الإيرانية، وبذلك بدأت دائرة الصراع المسلّح في التوسّع. والواضح أن الحرب دمّرت نسبة عالية من البنى التحتية بالإضافة للمنشآت العسكرية والنفطية، سواء في إيران أم دول مجلس التعاون، وأن إعادة بناء ذلك يحتاج وقتا طويلا وتكاليف مالية باهظة. هذا فضلا عن الآثار النفسية والسياسية التي تنجم عن الحروب عادة.

٭ كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *