لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن الحرس الثوري الإيراني يسيطر الآن على إيران، فهو يدير الدولة والحرب.
وتقول المجلة إنك لو استمعت إلى الرئيس دونالد ترامب، تشعر وكأن شيئا لم يتغير منذ إعلانه الحرب على إيران في 28 شباط/ فبراير، فقد قال للصحافيين في 23 آذار/ مارس، إن مضيق هرمز يمكن أن يدار “بواسطتي وآية الله”.
وتساءلت المجلة عمّن يدير البلد في الحقيقة، وسط الإشارات بشأن إعادة المفاوضات حول نهاية الحرب، وما قال ترامب إنها خطة الـ15 نقطة.
ويبقى السؤال المعلق هو: من يملك السلطة لعقد اتفاق مع أمريكا وضمان استمراريته؟
في قلب هذه الشبكة يقف الحرس الثوري، القوة شبه العسكرية التي يبلغ قوامها 190000 جندي، والتي يبدو أنها تدير الدولة والحرب معا
فلم يظهر المرشد الأعلى المفترض، مجتبى خامنئي، ولم يُسمع عنه شيء منذ مقتل سلفه ووالده آية الله علي خامنئي في بداية الحرب، كما قُتل كبار المستشارين والقادة، بمن فيهم علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي. وحلت محلهم شبكة مبهمة ولا مركزية من المؤسسات، مصممة لحماية النظام من عمليات استهداف القيادات.
وفي قلب هذه الشبكة يقف الحرس الثوري، القوة شبه العسكرية التابعة للجمهورية الإسلامية، والتي يبلغ قوامها 190000 جندي، والتي يبدو أنها تدير الدولة والحرب معا، على حد تعبير المجلة.
ونقلت المجلة عن إيراني يعيش بالمنفى وعلى صلة وثيقة بالنظام الإيراني قوله: “هذه الحرب نعمة للحرس الثوري، فقد رسخت مكانتهم في السلطة”.
ويصف المقربون نظاما تحول من نظام ديني إلى ما يشبه المجلس العسكري، على غرار الجزائر أو مصر أو باكستان. ويقول أحدهم: “انتقلنا من السلطة الدينية إلى القوة العسكرية”.
وتضيف أن الدستور ينص على أن يكون المرشد الأعلى لإيران مرجعية دينية. لكن تولي مجتبى خامنئي هذا المنصب لم يكن مرتبطا كثيرا بمؤهلاته الدينية، بل برغبة الحرس الثوري في الحفاظ على استمرارية الحكم. وقد أجبر رجال الدين على تأييده. ومع ذلك، لا يزال غائبا بشكل ملحوظ، حفاظا على سلامته.
وتنتشر شائعات كثيرة حول دخوله في غيبوبة أو وجوده في أحد مستشفيات موسكو أو وفاته.
ويقول راز زيمت، المحلل الإسرائيلي: “ليس من الواضح ما إذا كان قادرا على اتخاذ قرارات مصيرية”. وإذا عاد للظهور، فمن المرجح أن يكون ذلك كرمز، فـ”الجيش الآن هو من يحرك الخيوط”، كما يقول محمد عامرسي، وهو رجل أعمال بريطاني على صلة بالنظام.
وترى المجلة أن السلطة قد انتقلت عمليا إلى الحرس الثوري، ويقوم مجلس الأمن القومي المكون من رموز عسكرية برسم الإستراتيجية العامة، وفي 24 آذار/ مارس، تم تعيين محمد باقر ذو القدر، أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفا لعلي لاريجاني، أستاذ الفلسفة السابق وأحد رموز النظام المهمة الذي اغتيل في وقت سابق من هذا الشهر. وهناك محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان القوي والذي صعد عبر الحرس الثوري وتحاول إدارة ترامب تقديمه على أنه محاورها في طهران.
وأضافت “إيكونوميست” أن مجلس الدفاع الذي أعيد تنشيطه، يعمل كغرفة حرب، ويقوم بتحديد الأهداف وتوجيه الغارات.
ولا يعرف شيء عن أعضاء المجلس هذا، ويعتقد أنه مكون من جنرالات سابقين أو حاليين يعملون في الحرس الثوري. ويتم توجيه العمليات من خلال مقرات “خاتم الأنبياء”. ويعتقد المراقبون للشأن الإيراني أن الحرس الثوري يتحكم بشدة في الصواريخ طويلة المدى والمتقدمة التي تملكها إيران.
وتشير المجلة أن هذا الوضع الناشئ من الحرب يمثل معضلة لأي مفاوض أمريكي محتمل لأن الحرس الثوري ليس تيارا واحدا متماسكا. فبعض قادته، مثل حسين علائي، الجنرال المتقاعد الذي شبه استبداد خامنئي باستبداد الشاه، ينتمون إلى التيار الإصلاحي، أما قاليباف فيترأس مجموعة من البراغماتيين الذين يراوحون بين التشدد والاعتدال حسب مقتضيات الموقف، وقد يكون كلا المعسكرين منفتحا على الحوار.
ومع ذلك، يوجد العديد من المتشددين الذين يرفضون بشدة أي حلول وسط، يقودهم سعيد جليلي، والذي خرج من عباءة الحرس الثوري وحصل على 13.5 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ومن غير المؤكد ما إذا كانت جميع الأطراف ستلتزم بأمر إنهاء المواجهة العسكرية مع أمريكا، أو ستلتزم باتفاق وقف تطوير الأسلحة النووية.
يقول أعضاء سابقون في الحرس إنه تم تقسيمه إلى 31 منطقة فرعية. وقد حصلت كل منطقة على مخزونها الخاص من الأسلحة (بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة) ومخازن الأهداف
بالإضافة إلى هذا، يشكك المراقبون للشأن الإيراني في مدى سلطة القيادة المركزية في جميع أنحاء البلاد. ويبدو أن أحد أسباب صمود الحرس الثوري، رغم القصف المكثف، هو اللامركزية.
ولتجنب تكرار عمليات الاغتيال الجماعي التي شهدتها حرب الصيف الماضي، يقول أعضاء سابقون في الحرس إنه تم تقسيمه إلى 31 منطقة فرعية. وقد حصلت كل منطقة على مخزونها الخاص من الأسلحة (بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة) ومخازن الأهداف، إلى جانب استقلاليتها في استخدامها في حال انقطاع الاتصالات أو تعطل القيادة المركزية.
وفي سياق آخر انقسمت قوات الباسيج، الذراع الأمنية الداخلية للحرس الثوري، إلى عشرات الآلاف من الخلايا الصغيرة المتنقلة. وبعد أن بدأت إسرائيل قصف قواعدها، انتشرت هذه الخلايا في المساجد والمدارس والمخيمات وتحت الجسور. وهذا نذير شؤم لأمريكا وإسرائيل، لأن خلايا الحرس الثوري المتفرقة قد تنشق وتشكل نواة لقوة حرب عصابات قادرة على مواصلة القتال وإغلاق مضيق هرمز إلى أجل غير مسمى.
وفي المقابل، لم تعد التهديدات الخارجية للحرس الثوري ملحة جدا، كما كانت عليه قبل أسابيع. ففي بداية الحرب، هددت جماعات المعارضة الكردية في العراق بالزحف عبر الحدود وإشعال انتفاضات عرقية في كردستان إيران ومحافظات أخرى تعيش فيها أقليات عرقية، بما في ذلك الأذريون والعرب والبلوش. لكن تعزيزات الحرس الثوري وموجة من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ أجبرت هذه الجماعات على إعادة النظر في الأمر مؤقتا.
وفي الوقت نفسه، خفتت التوقعات باندلاع انتفاضة شعبية. فمع أن بعض الإيرانيين في المدن فرحوا بمقتل خامنئي الأب. لكن قصف الأهداف المدنية قد أضعف حماسهم، مثلما أضعفه نجاح الحرس الثوري الملحوظ في المقاومة.
وتقول المجلة إن الحرس الثوري الذي ازداد جرأة، بات يصنف منتقديه بالمتعاونين مع العدو ويهدد بمصادرة ممتلكاتهم.
ويقول أحد المعلمين في مدينة مشهد، شمال شرق إيران: “كنا نتحدث عن نهاية النظام عندما تتوقف الحرب، أما الآن، فنحن نخشى ما يجب فعله بنظام أقوى وأكثر نفوذا من أي وقت مضى”.