الحاشية لا تحمي الطاغية من رداءته


عندما أعلن ترامب إقالة وزيرة العدل بام بوندي، التي لم تألُ جهدا في ليّ عنق الإجراءات القانونية إرضاء لنزوات سيدها واستهدافا لخصومه، كتبت صحيفة “كورييري ديلاسيرا” الإيطالية يومئذ أن “ترامب أنهى المحنة السياسية الأليمة والمديدة التي كابدتها المرأة التي كانت تمحّضه خالص الوفاء والتي لطالما دأبت على حمايته قانونيا من كل شيء”. ثم استدركت الصحيفة: إلا أن بوندي لم تستطع في نهاية الأمر حماية ترامب من انعدام كفاءته!
وليست بوندي من الساسة أو المسؤولين الأكفاء ذوي الخبرة المهنية الطويلة الذين يُبغضهم ترامب لأنهم يعترضون، بحجج تقنية وعقلانية، على ما يعتزمه من قرارات أو يمنّي به النفس من رغبات. أي أنها ليست من طراز القائد الأعلى للقوات البرية راندي جورج الذي أقاله وزير الحربية الصليبي “الكافر” (كما وصم نفسه ووشم جسمه) بيت هيغسث ظلما لأن كفاءته المهنية وخبرته العسكرية الطويلة حالتا بينه وبين مجاراة العصابة الترامبية في مقامراتها الطائشة. كما أن بوندي ليست مثل ثلة الموظفين المهنيين الذين “طهّر” منهم هيغسث وزارة الدفاع واستبدل بهم هواة ومغامرين خفاف الوزن من طينته. وإنما كانت بوندي، مَثلُها مثَلُ وزيرة الأمن الداخلي المعزولة والمغضوب عليها هي أيضا كريستي نويم، من حاشية الوزراء والمسؤولين الذين عيّنهم ترامب لا على أساس الكفاءة، بل على أساس الولاء الفج الفاضح. الولاء ولا مؤهلات غير الولاء. إذ يصعب تسمية أي مسؤول في هذه الإدارة الموغلة في ظلام الرداءة يمكن القول إنه كان للكفاءة بعض دخل في تعيينه، ربما باستثناء نائب الرئيس جاي دي فانس، ولو أن وجوده في الإدارة ليس وليد التعيين بل هو وليد الحسابات الانتخابية (علما أن فانس خطير الشأن، فهو المنظّر للإيديولوجيا الشعبوية، وأنه كان، في حياة أخرى، من أشد منتقدي ترامب!).

 من “المبادئ” التي لقنها كوهن لترامب: أولا، لا تعتذر ولا تعترف بأخطائك أبدا. ثانيا، هاجم على الدوام حتى لا تكون أبدا في موقف الدفاع

ولكن الفوز بالقرب، بفضل “فضيلة” الولاء، لا يضمن البقاء في المنصب ولا رضاء الطاغية الزئبقي المزاج. ذلك أن من عادات ترامب أن يسارع إلى التضحية بأفراد حاشيته من الموالين المتملقين و”الرمي بهم تحت عجلات الحافلة”، كما يقول التعبير الإنكليزي، وتحميلهم مسؤولية أخطائه حالما يتبين له ضرر هذه الأخطاء التي كان مُقيما عليها بالعناد. وإذا توخينا الدقة وجب القول إن هذا ليس من عادت ترامب، بل هو من “مبادئه” التي تعلمها منذ بداية حياته العملية. علمه إياها روي كوهن الذي كان المستشار القانوني للجنة السناتور جورج ماكارثي ومساعدا لها في تحقيقاتها أثناء الحملة “الماكارثية” السيئة الصيت التي نصبت محاكم التفتيش في الخمسينيات لآلاف المثقفين والفنانين والموظفين الفدراليين بزعم انتمائهم للشيوعية أو عمالتهم للاتحاد السوفييتي.
وقد ترافع روي كوهن في المحاكم الأمريكية عن عدد من زعماء عصابات المافيا وعائلات الجريمة في نيويورك وأتلانتيك سيتي. ولأن والد ترامب لم يكن بمنأى عن هذه الأجواء المافيوزية فقد اتخذ روي كوهن وكيلا قانونيا. وهكذا توطدت علاقة “رجل القانون المنحرف” هذا بالابن فأشرف أوائل السبعينيات على تكوينه وإعداده لمفاسد البزنس، وعلمه “كيف يستغل السلطة ويشيع الخوف”. وكان من “المبادئ” التي لقنها كوهن لترامب: أولا، لا تعتذر ولا تعترف بأخطائك أبدا. ثانيا، هاجم على الدوام حتى لا تكون أبدا في موقف الدفاع. ثالثا، استخدم الإعلام سلاحا، واملأ الساحة الإعلامية فرقعة وضجيجا. رابعا، انسج شبكة علاقات مع أصحاب السلطة والنفوذ. خامسا، لا تعترف بهزيمتك أبدا، وأصِرَّ دوما على أنك أنت المنتصر.
ولأن كوهن كان واسع الصلات داخل أجهزة الإدارة والقضاء، وكان ذا سمعة مخيفة في المحاكم، فإن ترامب كان يصطحبه في مواجهاته مع خصومه، وكثيرا ما كان ذلك كافيا لحمل الخصم على قبول “الصفقة” التي يعرضها ترامب وكوهن بشروطهما المجحفة دون ضرورة اللجوء إلى المحاكم. لهذا السبب كتبت صحيفة معاريف العبرية أن ترامب يتخيل إمكان استخدام الجيش الأمريكي اليوم كما كان يستخدم روي كوهن بالأمس: للتخويف والترويع وحمل الطرف المقابل على الرضوخ والاستسلام حتى من قبل أن تبدأ المواجهة. والدليل على صحة هذا التحليل أن مستثمر العقارات صديق ترامب وشريكه في لعبة الغولف ستيف ويتكوف قال، بسذاجة من دخل السياسة بمحض الصدفة فلم يبلغ حتى درجة الهواية ناهيك عن الاحتراف، إن ترامب أصيب أواخر فبراير بالكَبْت والاندهاش كيف أن إيران لم تستسلم ولم تذعن لشروطه رغم ما كانت ترى من مشاهد تحشيد المدمرات وحاملات الطائرات وقطع سلاح البحرية الأمريكية.

٭ كاتب تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *