البنتاغون ضدّ CNN: نزهة داخلية؟


يصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إبقاء الحرب الأمريكية الراهنة ضدّ إيران، التي تتواصل بشراكة تامة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تحت تسمية «النزهة الخارجية». وليس هذا بسبب بؤس مأثور في استخدامه للمفردات خصوصاً، أو إدقاع مريع في قاموسه اللغوي عموماً، فحسب؛ بل كذلك، وجوهرياً ربما، ضمن سلسلة مساعيه اللفظية للتغطية على مسارات فاضحة اتخذتها تلك الحرب، وتتخذها تباعاً بعد نحو أسبوعين على اندلاعها، والعجز المريع عن تلمّس منفذ نحو «سياسة الخروج» الشهيرة لدى مخططي حروب الولايات المتحدة.
والأرجح أنه تعمد تكرار حكاية النزهة هذه أمام أعضاء الكونغرس الجمهوريين في فلوريدا، ثمّ خلال اجتماع «بزنس» في أوهايو؛ وكأنه أراد التشديد على أنّ واجب الاستخفاف بالحرب مُلقى على عاتق ممثلي هاتين الشريحتين تحديداً: السلطة التشريعية المرتهنة لإرادته، واقتصاد تصنيع السلاح والإتجار به وتكديس مليارات الأرباح. ولم يغبْ عن الكثيرين أنّ ترامب قد يكون وقع في خلط معجمي ولفظي بين معنى النزهة Excursion ومعنى الاقتحام Incursion الذي يجري عادة على ألسنة العسكر.
وبصرف النظر عن حال الالتباس الدلالي، فالثابت أن البيت الأبيض منشغل بسلسلة نزهات/ اقتحامات في سياق الحرب ذاتها، بينها نموذج تكشفت تفاصيله على لسان وزير الحرب بيت هيغسيث؛ ليس ضدّ إيران هذه المرّة، بل صوب وسائل إعلام أمريكية «ناقصة الوطنية»، على رأسها شبكة CNN دون سواها، ثمّ نفر من مصوّري الصحافة الذين لا تعكس صورهم جوانب مضيئة وظافرة من أنشطة البنتاغون، خلال المؤتمرات الصحفية (إذْ لا سبيل، أصلاً، لتغطية الحرب الراهنة بواسطة العدسات الأمريكية).
وهكذا لم يجد هيغسيث أيّ حرج، وهو الإعلامي خريج مدرسة «فوكس نيوز»، في التصريح بأنه ينتظر على أحرّ من الجمر انتقال ملكية الـCNN  إلى دافيد إليسون، نجل الملياردير المقرّب من ترامب لأنه ببساطة أحد أسخى المتبرعين لحملاته الانتخابية. ولأنّ الرئيس الأمريكي لا يخفي كراهيته للشبكة إياها، لأنها لا تسير على هواه في كامل سياساته، فإنّ تقارير جادة تحدثت عن ضغط ترامب شخصياً على شركة نيتفلكس كي تسحب عرضها لشراء الـCNN، بما يمهد السبيل أمام آل إليسون للفوز بالصفقة؛ بالرغم من ملابسات إجرائية فاضحة، واحتجاجات صدرت عن قضاة ومشرّعين  بصدد قانونية العرض والطلب.
وليس خافياً أنّ البيت الأبيض لا يقصد بهذه النزهة/ الاقتحام السيطرةَ على شبكات وشركات أفلام من عيار الـCNN  والـ HBO وسواها، فقط؛ بل ترويض، إذا لم يذهب المرء إلى الأقصى: إخضاع، الرأي الآخر، المعارض أو المختلف أو الملتزم بالحدود الدنيا للمصداقية المهنية. ذلك ما يتخوّف منه مارك شويف رئيس «نادي الصحافة الوطنية»، الذي اعتبر أنّ حرب البنتاغون ضدّ وسائل الإعلام غير السائرة في ركاب البيت الأبيض «تتنافى مع مبادئ أساسية للشفافية والمجتمع الديمقراطي»، و«حين تقرر الحكومة أيّ الصور يُسمح للجمهور بمشاهدتها، فإنّ الشفافية تُستبدل بالرقابة. فالمحاسبة لا تجري خلف أبواب موصدة».
هذا بافتراض أنّ المحاسبة يمكن أن تجري بالفعل عن طريق وسائل الإعلام الأمريكية، في ظلّ البلدوزر الزاحف الذي تقوده عائلة الملياردير إليسون وتستولي فيه تباعاً على شبكات الأخبار، أو تحت رقابة كونغرس قد صوّتت أغلبيته على منح ترامب تفويضاً بمواصلة الحرب من دون الرجوع إلى السلطة التشريعية، أو إلى الاشتراطات الدستورية التي تقيّد صلاحيات الرئيس الأمريكي فس إعلان الحرب أو خوضها.
وكلّ هذا ضمن فرضية لا تقلّ كارثية، ترجح على الدوام احتمالية أنّ نزهات إدارة ترامب واقتحاماتها لن تتكرر هنا وهناك، أو لن تذهب أبعد؛ نحو كوبا مثلاً، بعد إيران، وفي أية عاصمة ذات سيادة بعد كراكاس!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *