أصبحت البلاغة في النقد الحديث تتجاوز مفهومها القديم، وصارت كاشفة للعديد من الخطابات المختلفة، وما تمثله من مفاهيم ورسائل تحملها إلى متلقيها، إضافة إلى كون هذه الخطابات تكشف بدورها عن طريق الدرس البلاغي عن السلطة التي ترعاها وتريد أن يهيمن خطابها على سائر الخطابات الأخرى، مما يجعلها تدور في فلكه، تبعية كانت أو نقداً لها. عن البلاغة الجديدة وأفقها كان حوارنا مع الباحث والأكاديمي المغربي ياسين الشعري ..
* كيف تنظر إلى تحول البلاغة من أداة للإقناع إلى آلية للصراع في الخطابات المعاصرة؟
– تحفل الخطابات المعاصرة، مثل الخطابات السياسية وخطابات جماهير كرة القدم والخطابات السجالية والخطابات المتطرفة، بتوظيف البلاغة آلية لإقصاء الآخر والتهجم عليه والتقليل منه، ضاربة عرض الحائط المبادئ والقواعد المنظمة لعملية التواصل، فهي تستبدل بالاختلاف والتعددية مناهضة الاختلاف، وأحادية الرأي، وإن كان صنيعها هذا مخالفا لطبيعة البلاغة التي ينبغي أن تُسخر لحل الصراعات وفض الاختلافات بين الناس. لكن التحول في وظيفة البلاغة ليس جديدا، ففي التراث العربي والغربي على السواء، نماذج كثيرة وُظِّفت فيها البلاغة لممارسة العنف والعدوانية، غير أن الفرق يكمن في إسهام التقنية الحديثة في إشاعة هذه الخطابات بين الجمهور، وفي احتضان الصراعات الدائرة بين المتكلمين، بل وفي تأجيجها. وهذا ما يفسر سبب كثرة الخطابات الصراعية التي يمتد بها الأمر في كثير من الأحيان إلى تجاوز دائرة الخطاب نحو المواجهات المباشرة، أي الانتقال من الصراع الرمزي إلى الصراع الحقيقي.
*ما الذي تضيفه المقاربة البلاغية الجديدة لفهم النصوص الشعرية الحديثة التي تبدو أحيانا عصية على أدوات البلاغة التقليدية؟
– من خصائص المقاربة البلاغية الجديدة، أنها تتعامل مع كل نص انطلاقا من خصائصه هو، لا انطلاقا مما بلورته من مفاهيم وأدوات تجريدية تطبقها على جميع النصوص، سعيا منها إلى فهم عملية إنتاج المعنى والكشف عن قدرة النص على التأثير في القارئ، بخلاف البلاغة التقليدية التي بلورت جهازا مفاهيميا متعالياً لا يمكنه أن يستوعب مقومات جميع النصوص. وبخصوص ما يمكن أن تضيفه هذه المقاربة للنصوص الشعرية الحديثة فهو سؤال إشكالي، ذلك لأن هذه الإضافة تتوقف على مدى قدرة المحلل البلاغي على تكييف البلاغة لاستنطاق هذه النصوص، واستجلاء مقوماتها وخصائصها البلاغية، وفهم ما تحدثه من أثر في القارئ. ولكن يمكن الإشارة عموما إلى بعض الإضافات التي يمكن أن يحققها اشتغال المقاربة البلاغية الجديدة على الشعر الحديث ومنها: تحرير القراءة النقدية من الأحكام المعيارية والانطباعية، فغاية هذه المقاربة ليست هي الإجابة عن إشكالية التزام الشاعر بالقواعد من عدمه، وإنما الكشف عن الأثر الذي يحدثه هذا النص في المتلقي، والتمكن من إدراك ما تنطوي عليه هذه النصوص من غموض بوصفها استراتيجيات بلاغية وليست علامة نقص، أو خلل يصيب المعنى، واكتشاف ما ينبني عليه من تحولات دلالية وجمالية.
*أما زال الشعر المجال الأخصب لاختبار فعالية البلاغة، أم أن النثر الحديث أصبح أكثر جذبا لاهتمامات المحللين البلاغيين؟
– كان الشعر قديما يتربع على عرش البلاغة، وكان هو المعيار الضابط لجمالية الأنواع الأدبية، يجتذب القراء والنقاد على السواء، لكنه تراجع شيئا فشيئا عن مركزيته تلك، فأصبحنا نلاحظ في وقتنا الراهن انشغال المحللين البلاغيين بمقاربة النصوص السردية، نظرا لما أصبحت تتميز به من تطور وغنى. ولذلك يمكن القول إننا نعيش زمن أزمة الشعر، بسبب ما أصابه من تراجع وابتذال وضيق الأفق، ولتغير ذائقة القارئ الحديث، كذلك الذي أصبح ينجذب إلى النصوص السردية، ولا سيما الروائية التي تغريه بما تبتدعه من عوالم خيالية.
*كيف يمكن للبلاغة أن تشتغل داخل النص الأدبي دون أن تفقد بعدها الجمالي لصالح الوظيفة التداولية أو الحجاجية؟
– تؤمن المقاربة البلاغية التي أتبناها بأن البلاغة علم كلي لا تنحصر في الإقناع أو الإمتاع، وإنما تشملهما معا، وبناء على ذلك ينقسم الأدب إلى نصوص تخييلية تهيمن عليها الوظيفة الجمالية، ونصوص إقناعية تهيمن عليها الوظيفة التداولية. لكن هذا لا يعني وجود قطيعة بين هذين البعدين في النصوص الأدبية، إذ يمكن لخطابٍ إقناعي أن يستعين بالجمال، كما يمكن لنص تخييلي أن يستعين بالإقناع، ولكن إذا كان التفاعل بين النصوص الأدبية سمة تشكلية، ونقاء الأجناس والأنواع الأدبية ضربا من المستحيل، فإنه ينبغي عدم تقويض الحدود بين الأجناس والأنواع بشكل نهائي يؤدي إلى تمييعها وطمس هويتها، وإلا صار الشعر خطبة، والرواية قصيدة. وهنا أستحضر رأي حازم القرطاجني، الذي سوَّغ للشاعر أن يخطب لكن في الأقل من كلامه، وللخطيب أن يشعر لكن في الأقل من كلامه.
*إلى أي حد يمكن الحديث اليوم عن انتقال البلاغة من تحليل البنية إلى تحليل السياق؟
– لم تعد المقاربة البلاغية الحديثة تنظر إلى النص معزولا عن المقام بمعناه الواسع الذي يشمل المتكلم والمخاطب ونوع الخطاب والظرفية التي أُنتج فيها والمقصدية التي يروم تحقيقها، كما تفعل المقاربات البنيوية، لأن هذا النهج لن يمكنها من إدراك مرامي الخطاب ومقاصده، فهي تنظر إلى النص باعتباره بنية كلية، ولكنه ليس منغلقا على ذاته، أي إنها تضيف إلى ذلك عناصر أخرى تقترن بالسياق التواصلي الذي أفرز النص، بهدف تحديد وظيفته التأثيرية. وهذا يعني أنه لا يمكن تصور النص منعزلا عن السياق، ما دام أن كل نص كيفما كان نوعه يروم التواصل مع المتلقي، رغم اختلاف طبيعة هذا التواصل وتنوعه بين ما هو تخييلي وما هو إقناعي.
*في ظل هيمنة الخطابات الرقمية والإعلامية كيف يمكن للبلاغة العربية أن تعيد تشييد أدواتها النقدية، من دون أن تُحدث قطيعة مع تراثها؟
– تجد البلاغة اليوم، عربية كانت أو غربية، نفسها أمام مجموعة من التحديات التي يفرضها تطور وسائل الاتصال التي أفرزت ظهور مجموعة من الخطابات كالخطاب الإعلامي وخطابات السوشيال ميديا، ومعلوم أن البلاغة تشكلت في سياق لغوي وثقافي مختلف، ولذلك فإنها اليوم في أمس الحاجة إلى تطوير أدواتها حتى تستطيع مواكبة هذه التغيرات. ولن يتم ذلك بتخلي البلاغة عن مفاهيمها وأدواتها، وإنما بالعمل على توظيفها في سياق جديد ينزع عنها طابعها المعياري، ليحيلها إلى أدوات مرنة قابلة لأن توظف في تحليل هذه الخطابات. كما يقتضي الأمر أيضا إدماج الوسيط في التحليل البلاغي، لأن هذه الخطابات لم تعد تقتصر على اللغة في عملية التواصل، وإنما أصبحت تزاوج بين اللفظي وغير اللفظي.
*هل تعتقد أن البلاغة، كما تُدَرَّس اليوم في الجامعات، قادرة على مواكبة تحولات النص الأدبي المعاصر؟
– أعتقد أن البلاغة، بصيغتها التي تُدرَّس اليوم في كثير من الجامعات، لا تمتلك الكفاية الإجرائية، القادرة على مواكبة التحولات والإبدالات التي يعرفها النص الأدبي، وهذا راجع في الأساس إلى هيمنة ما هو تقليدي على الدرس البلاغي الجامعي، إلا إذا استثنينا بعض المحاولات الفردية التي تروم تطوير الدرس البلاغي، بأن تجعله منفتحا على البلاغة في ثوبها الجديد، لذلك ينبغي أن يعاد النظر في مقررات البلاغة في الجامعة، ونقلها من البلاغة الموروثة إلى البلاغة الجديدة، حتى يتسنى لها مواكبة تحولات الكتابة الحديثة وما تعرفه من تجارب كالشعر الحر والهايكو والسرود التجريبية والكتابة العابرة للأنواع.
*كيف تقرأ العلاقة بين البلاغة والهوية في النص الأدبي، خاصة في سياق ثقافي عربي متعدد المرجعيات؟
ـ يمكنني القول إن النص الأدبي يوظف البلاغة لتشييد الهوية، ولتمثيل مآزقها وما تتعرض له من تصدعات وأزمات، ويكشف استنادا إليها عن أنماط وأشكال متعددة من الهويات؛ نقية وهجينة، مركزية وهامشية، فردية وجماعية، وطنية وقومية، وهذا ما يعني أن البلاغة تمثل الأداة التي تُبنى بها الهوية في النص الأدبي، وتكشف عن علاقات التفاعل بين جانبيها الفردي والجماعي، وما يقترن بهما من منازع فكرية وثقافية واجتماعية وعاطفية. ويمكن إجمال هذه العلاقة في القول إن البلاغة مرآة للهوية من جهة، وآلية فاعلة في بنائها وتشييدها داخل النص الأدبي من جهة ثانية.
*إلى أي مدى يمكن للبلاغة المقارنة أن تفتح آفاقا جديدة في قراءة الأدب العربي؟
– بإمكان البلاغة المقارنة أن تفتح الأدب العربي، شعره ونثره، على التقاليد الكتابية الأجنبية، وتجعله يستفيد منها لتطوير نفسه، وتجديد آليات الكتابة والإبداع، نظرا لأنها تعمل على ردم الهوة بين الثقافات والشعوب، وتمكنها من التواصل والتفاعل والاغتناء من تجارب بعضها. كما تمكن أيضا من إعادة اكتشاف النص الأدبي العربي وتقدير ما ينطوي عليه من أسرار بلاغية لم نكن لندركها دون انفتاحنا على الآداب الأجنبية.