الإنفاق العسكري الهائل لم يحقّق للغرب أمنه


■ عيد الفصح يمر هذا العام في أجواء تشهد تصدّعا للقيم الأخلاقية التي جسّدها السّيد المسيح عليه السلام، وتراجعا عما طرحه حواريّوه وأتباعه، ومن بينهم القس الكاثوليكي، توماس أكويناس في القرن الثالث عشر حول شروط «الحرب العادلة». فمهما كانت نتائج الحرب الدائرة في المنطقة بين التحالف الأمريكي – الإسرائيلي وإيران، فإن أهم ما تمخض عنها حتى الآن سقوط عدد من الاساطير حول القوى الغربية التي تسعى للهيمنة على العالم. ومن هذه الأساطير ما يلي: أولا أن أمريكا قوّة لا تُقهر نظرا لما تمتلكه من إمكانات عسكرية هائلة لا يضاهيها ما يمتلكه غيرها خصوصا في الشرق الأوسط. فالإنفاق العسكري الأمريكي للعام الحالي (2025-2026) يبلغ تريليون (ألف مليار) دولار. هذه الموازنة العملاقة تكشف الإصرار الأمريكي على تصدّر المشهد السياسي في العالم بامتلاك تلك القوّة. ولذلك يشعر الزعماء الأمريكيون بنشوة متميّزة عند الحديث عن التوازن العسكري في العالم ومدى قدرة أمريكا على التعاطي مع الواقع السياسي والعسكري الذي يعيشه عالم اليوم. ولتوضيح المفارقة في الإنفاق العسكري لكل من أمريكا و»إسرائيل» وإيران، يجدر الاستعانة بالأرقام المتوفرة حاليا. تقول الأرقام أن أمريكا تنفق حوالي تريليون دولار سنويا (1000 مليار) في المجال العسكري. أما كيان الاحتلال فيبلغ إنفاقه 45 مليار دولار. بينما لا يصل الإنفاق الإيراني 10 مليارات دولار. مع ذلك فقد مضى أكثر من شهر منذ اندلاع الحرب التي بدأت بعدوان أمريكي – إسرائيلي مشترك على الجمهورية الإسلامية وما تزال إيران قادرة على التصدّي لذلك العدوان. وهذا يعني أن أسطورة التفوق العسكري لأمريكا و «إسرائيل» إنما هي عامل نفسي لطمأنة مواطنيها بأن نتائج أية مواجهات عسكرية أو حرب ستكون دائما لصالح أمريكا و «إسرائيل».
أما الأسطورة الأخرى فقد تأسست على مقولة استحالة الوقوف بوجه أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي على المنطقة أو على أي من دولها. وتهدف هذه الأسطورة لتعميق الشعور العام بعدم جدوى التصدّي للسياسات التي يمارسها التحالف الأمريكي – الصهيوني في المنطقة، وأنّ التصدّي سوف يؤدي إلى نتائج كارثية. ولذلك كان صمود أهل غزّة العام الماضي بوجه العدوان الإسرائيلي خارجا عن المألوف، وعاملا في تآكل الصورة النمطية للهيمنة العسكرية لذلك التحالف. وهذا يكشف المبالغة في توصيف القدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وأن التفوّق المادّي لا ينعكس بالضرورة عندما يتقابل الطرفان في الحرب. فمقولة أن أمريكا لا تُهزم ترسخت في أذهان العالم منذ أن تدخّلت القوات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، ورجّحت كفتهم وساهمت في حسم الحرب بإلقاء قنبلتين ذرّيّتين على كل من هيروشيما وناغاساكي اليابانيتين. يقابل ذلك أن أمريكا لم تحقّق انتصارات حقيقية في أغلب الحروب التي خاضتها بعد ذلك. وكان التدخل الامريكي في الحرب الكورية (1950-1953) باكورة تلك الحروب. وبرغم الزخم الذي حصدته أمريكا بعد العام 1945 نتيجة استخدام القنبلة الذرّيّة، إلا انها لم تحقّق انتصارا حقيقيا في تلك الحرب. فقد كان التدخل الأمريكي ضمن قوات الأمم المتحدة لدعم كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية المدعومة من الصين والاتحاد السوفياتي في السنوات الأولى من الحرب الباردة. وانتهت تلك الحرب بهدنة وليس معاهدة سلام، وتلاشت صورة أمريكا التي لا تُهزم من الأذهان.
كما لم تنتصر أمريكا في حرب فيتنام (1955-1975) بل كانت تجربتها هناك هزيمة سياسية وعسكرية. فقد شاركت الولايات المتحدة في بهدف منع انتشار الشيوعية في جنوب شرق آسيا، وتصاعد دورها من تقديم مستشارين عسكريين في الخمسينيات إلى تدخل عسكري مباشر واسع النطاق (1965-1973) بنحو 500 ألف جندي. انتهت الحرب بهزيمة أمريكية تمثلت بانسحاب القوات، وسقوط سايغون في العام 1975، مخلّفة خسائر بشرية هائلة بلغت قرابة 58 ألف قتيل أمريكي.  وبحلول العام 1964 كان عدد القوات الأمريكية المتدخلة في الصراع في فيتنام 23,000 جندي أمريكي، ثم تصاعد العدد أكثر في أعقاب حادث خليج تونكين عام 1964، ليصل 184,000 جندي أمريكي.  وقد عبّر وزير الدفاع الأمريكي آنذا روبرت ماكنامارا الذي لعب دورا رئيسيا في تصعيد تدخل الولايات المتحدة في حرب فيتنام عن شكوكه في الانتصار بنهاية عام 1966. اعتمدت القوات الأمريكية والفيتنامية الجنوبية على التفوق الجوي والقوة النيرانية الهائلة لإجراء عمليات بحث وتدمير، واستُخدمت القوات البرية والمدفعية والضربات الجوية . وخلال الحرب شنت الولايات المتحدة حملة قصف إستراتيجية واسعة النطاق ضد شمال فيتنام على رأسها «القصف السجّادي» ولم يتحقق لها النصر، فسعت لإنهاء التدخل الأمريكي في الحرب ونقل مهمة محاربة الشيوعيين إلى الفيتناميين الجنوبيين من خلال تطوير وتدريب الجيش الفيتنامي الجنوبي. وفي الولايات المتحدة والعالم الغربي، ظهرت حركة كبيرة مناهضة لحرب فيتنام وهي أكبر حركة مناهضة للحرب في التاريخ المعاصر.
لقد خسرت أمريكا، بدون الدخول في حرب عسكرية، هيمنتها القديمة على إيران، عندما هبّ شعبها ضد حكم الشاه الذي دعمته أمريكا بأضخم ترسانة عسكرية آنذاك. وقاد الإمام الخميني ثورة شعبية واسعة النطاق بشعارها المفضّل «الموت لأمريكا»، ولم تستطع الولايات المتحدة حماية حليفها الأكبر في المنطقة، وبسقوط نظام الشاه في العام 1979 انتهى النفوذ الأمريكي في ذلك البلد الكبير. ولم تتوقف الخسارة الأمريكية عند هذا الحد، بل أصبحت أمريكا هدفا للنظام الإسلامي الجديد في إيران الذي وضع أمريكا في بؤرة اهتمامه، وقطع الطريق أمام واشنطن لمنعها من استعادة نفوذها الذي تلاشى بشكل كبير.

 أمريكا تستطيع إحداث أكبر تخريب وتدمير باستخدام قواتها وطائراتها المتطورة جدّا، ولكنها لا تستطيع بناء دولة حديثة للآخرين

بعد خسارتها إيران، ظهر تحدٍّ آخر كشف ضعف أمريكا السياسي وحدود إمكاناتها العسكرية. فبعد التدخل السوفياتي في أفغانستان في نهاية العام 1979 سعت أمريكا لوقف التمدد السوفياتي بالتصدي لوجوده في أفغانستان. فحدثت الحرب التي استمرت قرابة العشرين عاما (2001–2021). واستطاعت أمريكا إسقاط حكومة حركة طالبان سنة 2001، لكنها بعد 20 سنة انسحبت وعادت طالبان للحكم في 2021. صحيح أن إسقاط طالبان كان إنجازا، لكن الهدف البعيد
ببناء دولة مستقرة لم ينجح.  وبعد أن سحبت أمريكا قواتها نجم عن ذلك سقوط سريع للحكومة التي دعمتها أمريكا وعادت حركة طالبان إلى السلطة وهو ما اعتبره الكثيرون فشلا في تحقيق الأهداف البعيدة المدى للولايات المتحدة.
ثم تدخلت في العراق في العام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين بسرعة، لكن واجهت تمرّدًا وحربًا طويلة بعدها.
وانسحبت القوات القتالية عام 2011 ثم عادت لاحقا بشكل جزئي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. ولم يعد التدخل الأمريكي المباشر في العراق مقبولا، بل أصبحت قواعدها العسكرية مستهدفة من قبل أطراف عديدة من بينها الميليشيات المسلّحة التي تعتبر أمريكا الداعم الأكبر لكيان الاحتلال.  وتحتفظ الذاكرة العراقية أن ذلك التدخل أدّى لقيام حرب طائفية قتل فيها الآلاف. كما فشلت أمريكا في العثور على «أسلحة الدمار الشامل» التي استخدمتها مبررا للتدخل المباشر. ذلك الفشل سيظل يلاحق أمريكا لسنوات مقبلة
ولم تنجح التدخلات العسكرية الأمريكية في أمريكا اللاتينية في تهدئة الأمور بما يخدم المصالح الأمريكية. ويعتبر التدخل الأمريكي في تلك القارّة موغلا في القدم. فقد حاولت أمريكا دعم محاولة إسقاط نظام فيدل كاسترو في غزو خليج الخنازير في العام 1961، لكنها فشلت بالفعل، وأصبح كاسترو رمزًا للمقاومة في نظر أنصاره. ودعمت واشنطن المعارضة ضد نيكولاس مادورو، في فنزويلا خصوصًا بعد إعلان خوان غوايدو نفسه رئيسًا مؤقتًا في العام 2019، لكن النظام بقي في السلطة. ولمّا لم تنجح عمدت لخطف الرئيس مادورو ونقله إلى سجن داخل الولايات المتحدة، وما يزال سجينا. ولا يبدو أن أمريكا حققت هدفا استراتيجيا واضحا بتدخلها السافر في فنزويلا.
أما في إيران فإن استمرار اغتيال العلماء والشخصيات السياسية يؤكد أمرين: فشل أمريكا في احتواء الوضع، وإصرارها على استهداف العقول القادرة على النهوض والابتكار والإبداع. وقد اعتمدت إنجازات أمريكا على الخونة والعملاء داخل الأنظمه ولكنّ قوة الشعوب وإرادتها تفوقت على كل التكنولوجيا والسلاح الأمريكي.
في ضوء الوقائع التاريخية المعاصرة، يمكن استنتاج حقيقة واحدة بأن أمريكا تستطيع إحداث أكبر تخريب وتدمير باستخدام قواتها وطائراتها المتطورة جدّا، ولكنها لا تستطيع بناء دولة حديثة للآخرين، ولا تُسهم في بناء عالم آمن. إنه تحدٍّ للنظام السياسي الدولي يتطلب مواقف وسياسات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لوقف انحدار العالم نحو الفوضى والدمار.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *