الرباط ـ «القدس العربي»: تحوّلت برامج رمضان في القنوات التلفزيونية المغربية إلى مرآة تعكس واقع الإعلام العمومي المحلي، كما أصبحت تحرّك النقاش وتشعل الجدل لدى المختصين من إعلاميين ونقاد، ولدى عموم الرأي العام، وتطرح تساؤلات مقلقة.
وليس رمضان وحده من أعاد بوصلة الانتقاد نحو التلفزيون المغربي بقنواته الأولى والثانية (دوزيم) والأمازيغية والرياضية وغيرها، بل إن مناسبات أخرى، كالتظاهرات الرياضية، ساهمت بدورها في تأجيج هذا النقاش، خاصة مع الحديث عن «ضعف» الإعلام المرئي في مواكبة التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم على مستوى البنيات التحتية والعنصر البشري، في ضوء تألق المنتخبات المغربية بمختلف فئاتها في العديد من التظاهرات الدولية والقارية. كما بدا هذا الإعلام ضعيفا في الدفاع عن هذا التألق أمام حملات ممنهجة حاولت النيل من إشعاع المغرب رياضيا، والانتقاص من القيمة المضافة التي قدمها للقارة الافريقية.
ويظلّ شهر رمضان المناسبة الأبرز لتجدد هذا النقاش، خاصة في ما يتعلق بجودة البرامج التلفزيونية التي تقدمها القنوات التلفزيونية العمومية، حيث يتحول إلى لحظة تقييم جماعي تعكس تنامي وعي المشاهد المغربي وارتفاع سقف انتظاراته. وغالبا ما يتخذ هذا النقاش طابعا حادا، يعكس في عمقه حالة من عدم الرضى العام عن إنتاجات تتكرر فيها الاختلالات نفسها، وتتّهم بعدم مواكبة التحولات المجتمعية والثقافية التي يعرفها المغرب. في هذا الإطار، يقدّم الإعلامي محمد السراج الضو، قراءة نقدية لواقع الإنتاج السمعي البصري، معتبرا أن الإنتاجات الرمضانية، سواء الدرامية أو الكوميدية، لا تزال أسيرة نمطية واضحة، تقوم على التكرار وغياب الإبداع حتى في حدوده الدنيا. ويؤكد أن الإبداع يشكل الركيزة الأساسية لأي عمل فني، غير أن هذا العنصر يكاد يغيب في كثير من الإنتاجات، ما يجعلها عاجزة عن التطور أو ترك أثر إيجابي لدى المشاهد.
ويربط السراج الضو، متحدثا لـ»القدس العربي»، هذا الجمود بشكل مباشر بالإطار الإداري والمالي، الذي يؤطر القطاع منذ سنة 2012، وهو إطار يراه مشوبا باختلالات عميقة، سواء على مستوى المؤسسات العمومية الممولة، كالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون، والقناة الثانية (دوزيم)، أو على مستوى شركات الإنتاج الخاصة التي يظل هدفها الأساسي الظفر بالصفقات. ويشير إلى أن العديد من هذه الشركات لا تحترم شروط الإنتاج المنصوص عليها في العقود، وأن جزءا من الأعمال المنتجة لا يستجيب حتى للحد الأدنى من المهنية والإبداع.
ووفق تقييمه، فعلى الرغم من الميزانيات المهمة التي تخصص سنويا لبرامج رمضان، فإنها لم تترك أثرا إيجابيا يذكر لدى الجمهور، لأن المشاهد المغربي، في رأيه، يرتبط أساسا بشاشة التلفزيون خلال لحظة الإفطار، حيث تسجل أعلى نسب المشاهدة المرتبطة بانتظار أذان المغرب، بينما تتراجع نسب المتابعة بشكل ملحوظ خارج هذا التوقيت. كما أن الصحافة والإعلام في المغرب، لم يتوقفا منذ سنوات عن انتقاد هذه البرامج، واعتبارها في كثير من الأحيان سطحية لا تعكس هموم المواطن، ولا تواكب تطلعاته في إعلام مهني راق.
وحسب السراج، فإنه مع التحولات الرقمية المتسارعة، يبرز تحد إضافي يتمثل في صعود المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تستقطب جمهورا واسعا، خاصة من فئة الشباب. ويعزو الإعلامي في حديثه لـ»القدس العربي» تراجع حضور القنوات العمومية إلى سوء تدبير عمليات الإنتاج، وإلى الجمود الذي يعرفه القطاع منذ أكثر من عشر سنوات، ليس على مستوى الكم، بل في محتوى قيمي متطور ومبدع، يلبي طموحات الجمهور. كما ينتقد غياب أي تقييم حقيقي لتجربة طلبات العروض، التي يتم اعتمادها في تنفيذ الإنتاج السمعي البصري داخل القنوات العمومية، رغم مرور أكثر من عقد على العمل فيها، من دون الوقوف على نتائجها المهنية أو المالية أو آثارها على جودة المحتوى. ويشير إلى أن إعداد خريطة البرامج، سواء الموسمية أو السنوية، يتم في كثير من الأحيان بشكل عشوائي، من دون الاعتماد على إحصاءات دقيقة أو استطلاعات رأي علمية تعكس انتظارات الجمهور المغربي.
ويوضح المتحدث أن هذا الوضع أدى إلى تزايد عزوف المغاربة عن متابعة القنوات العمومية طيلة السنة، حيث تتراجع نسب المشاهدة إلى مستويات ضعيفة، مع تسجيل تراجع حتى في الإقبال على برامج رمضان، رغم الاستثمارات الضخمة التي ترصد لها، ما يطرح تساؤلات حول الشفافية. ويتطرق السراج إلى الجانب القانوني والتنظيمي، متحدثا عن إشكالية دفاتر التحملات (بنود الالتزامات) المعتمدة منذ سنة 2012، والتي يعتبرها نقطة تحول سلبية في مسار إصلاح الإعلام العمومي. ويستحضر في هذا السياق الدينامية التي عرفها القطاع في بداية الألفية، غير أن هذه الدينامية، في نظره، توقفت بعد 2012، مع اعتماد دفاتر جديدة لم تكن مصحوبة بعقد برنامج، ما خلق وضعا قانونيا ملتبسا لا يزال قائما إلى اليوم. كما ينتقد المتحدث نظام «طلبات العروض» الذي جرى اعتماده في إنتاج البرامج، والذي يتم عبر لجان يعين أعضاؤها من طرف الإدارة، من دون معايير واضحة تحدد كفاءتهم أو خبرتهم. ويشير إلى أن القرار النهائي في منح الصفقات يبقى بيد الإدارة، ما يؤدي إلى تركيزها لدى شركات معينة، في غياب منافسة شفّافة. ويرى أن هذه المنظومة ساهمت في إنتاج أعمال ضعيفة الجودة، خاصة منذ سنة 2013 التي شهدت بداية تطبيق هذا النظام.
ويربط هذه الاختلالات بغياب استراتيجية واضحة لبناء صناعة سمعية بصرية وطنية حقيقية، قادرة على إنتاج أعمال درامية تعكس التاريخ المغربي الغني والمتنوع، مستشهدا بغياب أعمال تتناول شخصيات تاريخية مغربية بارزة، مثل يوسف بن تاشفين، أو طارق بن زياد، أو ابن بطوطة، أو عبد الكريم الخطابي، مقابل حضور هذه الشخصيات في إنتاجات أجنبية تفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة.
ويبرز محمد السراج الضو أن الأزمة التي يعيشها الإعلام العمومي ليست ظرفية، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات في الحَوْكَمة والتدبير، رغم وجود آليات للمراقبة، سواء الداخلية، أو عبر مؤسسات رسمية. ويؤكد أن تجاوز هذه الوضعية يقتضي إصلاحا جذريا يشمل إعادة النظر في الإطار القانوني وتعزيز الشفافية وتحسين آليات الإنتاج والاستثمار في التكوين، وفتح المجال أمام إبداع حقيقي قادر على معالجة قضايا المجتمع بجرأة ومسؤولية، بما يعيد الثقة للمشاهد المغربي ويمنح الإعلام العمومي مكانته المستحقة.