ماكسيمو توريرو خلال مقابلة مع رويترز على هامش قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية في أديس أبابا، 28 يوليو 2025
الأمم المتحدة- “القدس العربي”: عقد ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، مؤتمراً صحافياً عن بُعد من مقر المنظمة في روما، الخميس، قدم فيه تحليلاً حول آثار النزاع الجاري في الشرق الأوسط على الأمن الغذائي العالمي. وأوضح توريرو أن النزاع أحدث اضطرابات سريعة وغير مسبوقة في تدفقات الطاقة العالمية، خصوصًا مرور النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، الذي يمثل حوالي 35% من النفط الخام العالمي ويشكل جزءًا هامًا من تجارة الغاز الطبيعي والأسمدة. وأضاف أن المنطقة تعد مصدرًا رئيسيًا لنحو نصف تجارة الكبريت العالمية، وهو عنصر أساسي في إنتاج الفوسفات المستخدم في الأسمدة الزراعية.
وأشار توريرو إلى أن هذه الاضطرابات تتسبب في زيادة تكاليف الأسمدة، ما يضع ضغوطًا على المزارعين ويؤثر على خياراتهم الإنتاجية. وأوضح أن ارتفاع أسعار الأسمدة، إلى جانب تكاليف النقل والري، سيدفع بعض المزارعين إلى تقليل استخدامها أو التحول إلى محاصيل أقل اعتمادًا عليها، مثل الذرة أو الفول الصويا الذي يثبّت النيتروجين بشكل طبيعي. وأكد أن الأثر الفعلي سيكون مرتبطًا بمدة استمرار النزاع؛ فإذا انتهى خلال شهر، من المتوقع أن تتكيف الأسواق بسرعة، أما إذا استمر النزاع لأكثر من ثلاثة أشهر فسيؤدي إلى تأثيرات ملموسة على الموسم الزراعي المقبل وعلى إنتاجية أكبر الدول المصدرة مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وأستراليا.
وأوضح ممثل منظمة الأغذية والزراعة أن هناك ضرورة لإيجاد بدائل للإمدادات، وتقديم دعم عاجل لميزان المدفوعات للدول المستوردة، وتجنب سياسات التقييد على التصدير، مع التركيز على تعزيز مرونة الأسواق على المدى الطويل من خلال تحسين كفاءة استخدام المدخلات الزراعية وتنويع مصادرها. كما شدد على أهمية تقليل حالة عدم اليقين في الأسواق، لما لها من تأثير مباشر على أسعار السلع الغذائية، محذرًا من أن أي تأخير في حل النزاع سيزيد من المخاطر المتعلقة بانعدام الأمن الغذائي وارتفاع التضخم الغذائي العالمي.
تعتمد غزة بشكل كبير على المساعدات الغذائية، وأي ارتفاع في تكاليف النقل أو أسعار السلع سيقيد القدرة على توصيل المساعدات، مما يجعل سكان القطاع معرضين لتداعيات الأزمة بشكل مباشر
ورداً على سؤال “القدس العربي”، حول سبب عدم ذكر غزة في الافتتاحية رغم تأثرها الشديد بالنزاع ورغم أن أمنها الغذائي في أضعف حالاته، قال توريرو إن التركيز الافتتاحي كان على التأثيرات العالمية للحرب الحالية على الأمن الغذائي والأسواق الدولية، وليس غياب أثر الأزمة العالمية عن غزة. وأكد أن غزة تعتمد بشكل كبير على المساعدات الغذائية من وكالات الأمم المتحدة والجهات الإنسانية الأخرى، وأن أي ارتفاع في تكاليف النقل أو أسعار السلع سيقيد قدرة هذه الوكالات على توصيل المساعدات، مما يجعل سكان القطاع معرضين لتداعيات الأزمة بشكل مباشر. وأضاف أن استمرار النزاع قد يضع قيودًا على العمليات الإنسانية، رغم الزيادة الملحوظة في عدد الشحنات منذ اتفاقيات السلام السابقة، مما يجعل مراقبة وصول المساعدات أمرًا حيويًا.
كما تناول توريرو آثار النزاع على التحويلات المالية للعمال المغتربين، مشيرًا إلى أن اقتصادات عدة دول خليجية تعتمد على ملايين العمال القادمين من جنوب آسيا وأفريقيا. وأوضح أن استمرار النزاع قد يقلل القدرة على إرسال التحويلات إلى دولهم الأصلية، مما يؤثر على مستوى الدخل القومي لبعض الدول ويزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا في الدول التي تشكل التحويلات جزءًا كبيرًا من ناتجها المحلي الإجمالي.
استمرار النزاع قد يقلل القدرة على إرسال المغتربين التحويلات إلى دولهم الأصلية، مما يؤثر على مستوى الدخل القومي لبعض الدول ويزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية
وأجاب توريرو أيضًا على أسئلة تتعلق بالمقارنة بين الأزمة الحالية وأزمة أسعار الغذاء والأسمدة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا. وأوضح أن هناك تشابهات في طبيعة التأثيرات على أسعار الغذاء، لكن هناك اختلافات جوهرية، أبرزها أن الأسواق العالمية اليوم لا تستطيع إنتاج المزيد من النفط أو الغاز أو الأسمدة على المدى القصير، ما يقلل من قدرة التكيف الفوري مقارنة بالأزمة الأوكرانية، حيث كانت هناك إمكانية لتوجيه الإنتاج من دول أخرى لسد الفجوات. وأكد توريرو أن أي استمرار طويل للنزاع سيؤدي إلى ارتفاع أسعار جميع المدخلات الزراعية وارتفاع التضخم الغذائي، مؤكدًا على ضرورة إيجاد حلول عاجلة لتقليل المخاطر على الموسم الزراعي المقبل.
كما ناقش المسؤول الدولي وضع المزارعين في الولايات المتحدة والدول المصدرة الكبرى، موضحًا أنهم يمتلكون مخزونات تسمح لهم بتغطية الموسم الزراعي الحالي، لكنهم سيضطرون لشراء المدخلات الجديدة بأسعار أعلى إذا استمر النزاع، ما يعني أن التأثيرات ستشمل جميع الدول على المدى المتوسط والطويل. وأشار إلى أن المنافسة في قطاع الوقود الحيوي قد توفر طلبًا إضافيًا للمزارعين، لكنها تشكل ضغطًا إضافيًا على المستهلكين نتيجة ارتفاع أسعار السلع.
وفي ختام المؤتمر، شدد توريرو على أن التركيز الآن يجب أن يكون على البلدان ذات الأولوية في الجداول الزراعية، مثل الهند ومصر وبلدان شرق أفريقيا، وتوفير الدعم المالي والمساعدات الإنسانية بشكل مستهدف لتجنب تفاقم أزمة الأمن الغذائي، مع التأكيد على أهمية تنويع مصادر المدخلات الزراعية وتحسين كفاءتها لتعزيز صمود الأسواق في المستقبل.