بمرور الأزمنة وهي تمضي سريعاً على وقع التطوّر الآلي، وهو يقفز قفزاته السريعة، يحنّ المرء أحياناً إلى أعمال أدبية كانت قد تركت أثرها الجمالي والفني والخيالي فيه، حين كان في مَيْعة الصبا، أو في أطوار الشباب وتحولاتها الفيزيولوجية، فيعود ويتذكر بعض أجواء تلك الأعمال التي كان قد قرأها في يوم ما، في أيام بعيدة وفي أحد فصول السنوات الغاربة، في بلد المنشأ، حيث الرفاق اليوميون من الأدباء والفنانين، الذين يتداولون في ما بينهم الكتب والآراء والصفحات الإبداعية، أو في بلدان المنافي وما أكثرها، كباريس ولندن، أو في بلدان قريبة إلى قلبك، مثل بيروت ودمشق وحتى نيقوسيا، فهناك تكون قد اطلعت وقرأت وشُغفت بكتّاب كبار فأحببتهم، وقرأتهم في ظرف قلق وعلى عجل، نتيجة ظروف إقاماتك القلقة في تلك البلدان، حيث ترغب وأنت في حال مستقِّر وفي ضرب من الحنين إلى إعادة قراءتهم مرة ثانية، فتتذكر رواية مثل «حارس حقل الشوفان» بترجمة بعيدة موغلة في العقود الماضية، للكاتب والروائي الراحل غالب هلسا، فلا تجدها في مكتبتك، ثم ّيأتي مترجم متميز، مثل الراحل أسامة منزلجي فيترجمها إلى العربية بصيغته هو، مع تغيير طفيف في العنوان فيصبح «حارس حقل الشوفان» بترجمة هلسا، «حارس حقل الجودار» بترجمة منزلجي في سلسلة معروفة بـ»أعمال خالدة» صدرت عن دار «المدى». وللأمانة الترجمة كانت أنيقة ودقيقة كعادة منزلجي في الترجمة بشكل عام.
تقرأ الكتاب مرة أخرى، ستجده حين تتمّه عملاً ليس خالداً، بل مملاً، وتنعس بين الفينة والأخرى وأنت تقرأ صفحات الكاتب الأمريكي سالينجر، وكذلك هو الأمر مع عمله الآخر «روني وزوي» والمنعوت أيضاً تحت مسمى «أعمال خالدة».
كتاب آخر لكاتب تشيكي قرأته على مضض، وفي أوقات متقطعة، لم أتركه وأهمله وأرميه جانباً، فقط أردت أن أسبر عمق رؤى الكِتاب، وما هي الدلالة الجمالية التي يحملها كتاب الكاتب والروائي التشيكي ياروسلاف هاتشيك الذي لم يضحكني البتة، بل راكم الضجر لديّ خلال مرحلة القراءة. ففي تضاعيف رواية « الجندي الطيب شفيك» والتي تُرجمتْ بقلم رامي طويل، وصدرت عن «دار الآداب»، حيث تمّ تذييل اسم المترجم في أسفل الغلاف بحرف صغير جداً، تكاد لا تراه وتتبيّنه لصغره، مقارنة بالعنوان العريض للكِتاب واسم مؤلفه. الترجمة اكتست لغة سلسلة وواضحة ومأنوسة، ولكن للأسف كانت لغة المؤلف مملة وبسيطة، ووصلت لتغدو ساذجة في مفاهيم القيمة النقدية الحالية، فهي تحمل روحاً ومواصفات ساخرة، ولكنها عادية، لو قارنتها بالأزمنة الحالية للأعمال الروائية التي تحمل مواقف فنية كوميدية، لكتّاب من أمريكا اللاتينية، أو لكتّاب أفارقة وآسيويين.
الرواية تطرح فكرة كوميدية، كتبت أثناء الحرب العالمية الأولى، إذ مضى على تدوينها أكثر من مئة عام، ربما كانت في زمنها تمثل حالة عبثية وفوضوية ساخرة وتحمل روحاً مرحة في ذلك الزمان، ولكنها قطعاً لا تنتمي لمواضعات الزمن الحالي لعالم الرواية الجديد، فأنت حين تقرأ العمل ستصاب بالصدمة الفنية، من عمل لا يمت للكوميديا بصلة، وليست فيه مقوّمات العمل السياسي الفكاهي في استخدام الفهم العبثي الساخر، بغية توظيفه في محتوى فني ذي دلالة تعبيرية ثاقبة، سوى أنه عمل كان في يوم ما عملاً لافتاً قبل مئة عام ويزيد، بينما وسائل البعد الكوميدي الآن قد تغيّرت وحلّت محلها تقنيات حديثة، وطرائق أسلوبية جديدة للفنان الكوميدي.
العيب هنا طبعاً لا يكمن في العمل أو في الصياغة أو طريقة الترجمة، فالترجمة كما قلت شفافة وواضحة وتحمل طابعها الدقيق والاستثنائي لمترجم قدير هو رامي طويل، وهنا لا يشفع للكِتاب ما صاحبه من توصيف على أنه «باع أكثر من عشرة ملايين نسخة وترجم لستين لغة»، لكنّ المسألة هنا جمالية بحتة، ذات بعد دلالي، أنطولوجي، تعوزه الحركة السيميائية، الفنية البارعة والدينامية، فالحس الفكاهي الذي يتمتع به «الجندي الطيب شفيك»، هو حس شعبوي شائع ويحمل الكثير من صفات البطولة العامة، السائدة وغير المقنعة في عالم اليوم، هذا العالم الذي تطورّت فيه أعماق الكائن الإنساني ورؤاه الحياتية، فصار ينظر إلى الحياة نظرة فيها تلاعب دلالي، فالتسطيح والعمل المكشوف والبناء المتسلسل والطابع السردي غير المحكم والمنفلش، بات ينظر إليه القارئ نظرة مختلفة. لنتذكر هنا أعمالاً سينمائية لشارلي شابلن فهي قصص أيضاً، ولكننا حين نراها مرة ثانية سنرى فيها عمق فنِّها الدلالي المتوّج بحس فكِهٍ درامي، ذي ملمح مأساوي، بينما حركات ومشاهد الثنائي البريطاني الساخرين لوريل وهاردي لم تعد حكايتهما مقنعة الآن، كونها تحمل طابعاً ساذجاً، ورؤية فنية بدائية، خالية من التعبير الدلالي والفني والحس الاستاتيكي، الذي يترك لديك انطباعاً جمالياً مؤثراً، كبدائع شارلي شابلن مثلاً، وابتكاراته الفذة في خلق حالة من التوتر والانزياح لدى من يشاهد أعماله السينمائية العميقة.
وكي لا أبتعد عن الموضوع الأساس، وهو الأعمال الخالدة المملة، فهناك دائماً استثناءات، وهناك عبقريات تكاد أن تكون أسطورية، فأعمال ديستوفسكي كلها تقريباً أعمال خالدة، تستطيع أن تقرأها عدّة مرات، ثمّ تعود لتكتشف فيها من جديد أشياء في غاية الإدهاش، في لفت حواسّك كلها تجاه رواية من رواياته العظيمة، وكذلك هو الأمر مع الروائي الأمريكي أرنست همنغواي الذي سخر مرة من سالينجر، في إحدى رسائله.
هناك أعمال استثنائية خالدة وعظيمة، مثل عمل البير كامو «الغريب» وسيمون دوبوفوار «الجنس الآخر» و»دروب الحرية» لسارتر، و»لوليتا» لنباكوف و»المسخ» لكافكا و»الحرب والسلام» لتولستوي. هؤلاء الكتاب الذين اخترقوا اللا معلوم وشقّوا الحُجب، وصولاً إلى خلق عالم وجودي مغاير، وطبيعة إنسانية مختلفة ليصنعوا حياة فيها تحوّلات وكشوفات وأساطير جديدة مستوحاة من الواقع اليومي، والتفاصيل المشهدية الرؤيوية للإنسان المعاصر، هذا الذي تعرّض للحروب والغزوات والدمار.
فهؤلاء الكتاب نهلوا التفاصيل من واقعهم عبر شخصياتهم القلقة، التي خلقوها وبناهم السردية الغريبة ومساقهم الفني، الذي خلخل الواقع والخيال واخترق الأنسقة القديمة وقوّضها، ما جعلهم في مصاف الرواد الأوائل في ابتكار الدلالة الراسخة، والنموذج الجديد والمثال النادر والقادر على الخلق التعبيري، المختلف عن الأنسقة الشائعة، وغير المملة، ولنا في العالم العربي تجربة الكاتب الكبير نجيب محفوظ مثال ساطع على ذلك.
شاعر وكاتب عراقي