نواكشوط –«القدس العربي»: لم يمرّ اغتيال شخصية إيرانية بارزة بحجم علي لاريجاني أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، دون أن يترك أثراً واضحاً في المشهد الموريتاني المتحمس في مناصرته لإيران، حيث تحوّل الحدث سريعاً إلى مادة نقاش كثيفة على شبكات التواصل الاجتماعي، اختلطت فيها العاطفة بالتحليل، والتضامن السياسي بالقراءة الاستراتيجية.
وبينما ارتفعت أصوات التعاطف مع إيران في مواجهة ما يوصف بـ»العدوان الأمريكي الإسرائيلي»، برزت في المقابل دعوات تحذيرية تدعو إلى عدم الانجرار وراء الشعارات دون تمحيص.
وعلى شبكات التواصل، أعادت موجة التفاعل استحضار سرديات «قادة المقاومة» الذين استهدفتهم إسرائيل عبر العقود، حيث ركزت تدوينات واسعة الانتشار على فكرة أن هؤلاء القادة غالباً ما بدأوا مساراتهم في سن مبكرة، وظلوا لعقود يشكلون مصدر إزعاج لخصومهم، قبل أن تنتهي حياتهم بعمليات اغتيال تُقدَّم في الخطاب الشعبي باعتبارها «خاتمة بطولية».
وقد عكس هذا النمط من الخطاب، الذي يزاوج بين الديني والرمزي، حضوراً قوياً للبعد القيمي في قراءة الصراع.
وفي الميدان، لم يقتصر التفاعل على الفضاء الافتراضي، إذ شهدت العاصمة نواكشوط خلال الأيام الأخيرة وقفات تضامنية أمام مقر السفارة الإيرانية، إضافة إلى تجمعات قرب منزل السفير، في مشهد يعكس مستوى من التعبئة الشعبية المتعاطفة مع طهران.
وقد التقطت الدبلوماسية الإيرانية هذا الزخم، حيث أشاد سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موريتانيا، جواد أبو علي أكبر، بما وصفه «دعماً قوياً» من الشعب الموريتاني، معتبراً أن هذه المواقف تعكس عمق الروابط مع الشعوب الإسلامية. وأكد السفير، في تصريحات لوكالة الأخبار الموريتانية المستقلة، أن بلاده «صامدة رغم ظروف الحرب»، معرباً عن أمله في «انتهاء الحرب قريباً والاحتفال بالنصر مع الشعوب الإسلامية».
كما أشار إلى أن وزارة الخارجية الموريتانية أدانت في بيانها الأول الهجوم على إيران، في موقف يعكس، حسب تعبيره، التزام نواكشوط بمواقفها المبدئية، مع استمرار قنوات التواصل بين السفارة ومسؤولين موريتانيين.
وفي محاولة لإبراز تماسك الجبهة الداخلية، استحضر السفير قرار حكومة طهران الخاص برفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60% رغم ظروف الحرب، معتبراً ذلك دليلاً على قدرة الدولة الإيرانية على التكيف، إلى جانب تنامي مبادرات التكافل الاجتماعي بين المواطنين.
نقاش فكري عميق
غير أن هذا المناخ المتعاطف لا يخلو من نقاش فكري عميق، يتجاوز ردود الفعل اللحظية إلى مساءلة الخلفيات الاستراتيجية للصراع.
وفي هذا السياق، قدم الكاتب الموريتاني البارز محمد ولد الراظي، مقاربة تحليلية دعا فيها «مناصرة إيران دون الاغترار بها»، في محاولة للجمع بين الموقف المبدئي من الصراع مع إسرائيل، والوعي بطبيعة المشروع الإيراني.
ويرى الراظي أن التعارض بين المشروع القومي العربي والمشروع الإيراني ليس طارئاً، بل هو تعارض بنيوي تحكمه اختلافات فكرية وسياسية عميقة، فإيران، سواء في نسختها الملكية السابقة أو في نظامها الحالي، تحمل، وفق تحليله، «نَفَساً فارسياً» يسعى إلى الهيمنة الإقليمية، مع اختلاف في الأدوات بين مرحلة وأخرى. فإذا كان النظام الملكي قد اعتمد على التحالفات الدولية، يقول ولد الراظي، فإن النظام الحالي يوظف البعد المذهبي، خاصة من خلال مفهوم «ولاية الفقيه»، لتوسيع نفوذه داخل المجتمعات العربية.
وأشار الكاتب إلى أن هذا التمدد لا يقتصر على البعد السياسي، بل يستند إلى مرجعية عقدية تجعل من «تصدير الثورة» جزءاً من بنيتها الفكرية، وهو ما يمنح المشروع الإيراني قدرة أكبر على الاختراق مقارنة بمرحلة ما قبل الثورة. كما ربط الراظي بين هذا التوجه وسعي إيران إلى تحقيق تواصل جغرافي ونفوذ ممتد في المنطقة، معتبراً أن شعارات مثل «تحرير القدس» تشكل نقطة التقاء ظرفية بين مشاريع متباينة في الجوهر.
ورغم هذا النقد، لا ينكر الراظي أن الصراع مع إسرائيل يفرض نوعاً من التقارب المرحلي، قائلاً إن مواجهة المشروع الصهيوني تظل أولوية جامعة، حتى وإن اختلفت الدوافع، لكنه يحذر في الآن ذاته من «الاغترار بالشعار لذات الشعار»، داعياً إلى قراءة ما بعد الصراع، وما يمكن أن يترتب على أي انتصار إيراني من تحولات في موازين القوى الإقليمية.
أزمة العالم العربي
ومضي الكاتب لأبعد من ذلك حين اعتبر أن العالم العربي يواجه أزمة أعمق تتعلق بتفكك مشروعه القومي وفقدان أدوات الردع، مستحضراً تجارب تاريخية لقادة سعوا إلى بناء قوة استراتيجية، بما في ذلك القدرات العسكرية المتقدمة بل أن يتم إجهاض تلك المشاريع في سياقات معقدة.
وفي خضم هذا التفاعل المتعدد المستويات، امتدت النقاشات إلى الفضاء الديني، بعد تداول رواد التواصل الاجتماعي أخباراً عن استياء عدد من المصلين في الجامع الكبير بنواكشوط، المعروف بـ»مسجد السعودية»، من دعاءين وردا في ختام خطبة الجمعة، أحدهما للمملكة العربية السعودية والآخر على إيران. ووفق شهادات متداولة، فقد أثار ذلك نقاشاً داخل المسجد عقب الصلاة، حيث عبّر بعض الحاضرين عن رفضهم لما اعتبروه «تسييساً لمنابر المساجد»، في مؤشر على حساسية إدخال القضايا الجيوسياسية في الفضاء الديني المحلي.
وفي موازاة ذلك، شهدت الساحة السياسية أمس تنظيم تظاهرة جماهيرية شارك فيها عدد من قيادات الأحزاب ومناضليها وأنصارها، تأكيداً على مركزية القضية الفلسطينية ورفضاً لما وصفوه بـ»العدوان الأمريكي الصهيوني» على إيران.
وخلال هذه الفعالية، اعتبر رئيس الحزب محمد ولد فال رئيس حزب الرفاه «أن ما تتعرض له إيران يدخل ضمن سياق أوسع من الاستهداف»، مشدداً على حقها في الدفاع عن نفسها، وداعياً دول الخليج إلى مراجعة مواقفها في ظل ما وصفه بـ»اللحظة التاريخية الفارقة».
كما أشاد ولد فال بما سماه «صمود قوى المقاومة في المنطقة»، مثمناً دور حزب الله في لبنان، ومؤكداً أن فلسطين ستظل «البوصلة الجامعة» التي تحدد اتجاه المواقف.
وفي السياق ذاته، تحدث القيادي القومي عبد الله ولد الطالب عن «حدة الاصطفاف بين الحق والباطل»، معتبراً أن إيران باتت تمثل، في نظر مؤيديها، أحد أبرز أطراف «خندق المواجهة» في المنطقة.
وفي المحصلة، فإن التفاعل الموريتاني مع اغتيال لاريجاني ومع الحرب الدائرة، يعكس حالة مركبة تجمع بين التعاطف الشعبي مع إيران بوصفها طرفاً في مواجهة إسرائيل، وبين وعي متنامٍ بتعقيدات المشهد الإقليمي.
وبين خطاب دبلوماسي يدعو إلى التهدئة، وتعبئة شعبية ذات طابع وجداني، ونقاش فكري يسعى إلى ضبط الاتجاه، تبدو موريتانيا منخرطة، على طريقتها، في متابعة صراع يعيد طرح أسئلة كبرى حول التحالفات، والهوية، ومستقبل التوازنات في المنطقة.