لندن ـ «القدس العربي»: أعلن رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة جو كينت استقالته من منصبه، أمس الثلاثاء، لرفضه الحرب المتواصلة على إيران، معتبرا أن الجمهورية الإسلامية لا تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة. وتعد هذه أول استقالة لمسؤول رفيع المستوى في إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
كينت والخداع الإسرائيلي
أما أسباب الاستقالة فتم ذكرها في تدوينة عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية، قال فيها كينت: “بعد تفكير عميق، قررت الاستقالة من منصبي كمدير للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، اعتبارا من اليوم”.
وتابع: “لا يمكنني بضمير مرتاح أن أؤيد الحرب الدائرة في إيران. لم تشكل إيران أي تهديد مباشر لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها”.
وموجها حديثه إلى ترامب، قال كينت في خطاب الاستقالة المرفق: “أؤيد القيم والسياسات الخارجية التي روجت لها في حملاتك الانتخابية أعوام 2016 و2020 و2024، والتي طبقتها خلال ولايتك الأولى حتى يونيو (حزيران) 2025”. وأضاف: “كنت تُدرك أن حروب الشرق الأوسط فخٌّ يسلب أمريكا أرواح أبطالها الأعزاء، ويستنزف ثروات أمتنا وازدهارها”.
وأردف: “في ولايتك الأولى (2017-2021)، كنت أكثر فهما من أي رئيس معاصر لكيفية استخدام القوة العسكرية بحزم دون جرّنا إلى حروب لا تنتهي. وبرهنت على ذلك بقتل (قائد فيلق القدس الإيراني) قاسم سليماني (عام 2020) وهزيمة داعش”.
كينت استدرك، لكن “في بداية هذه الإدارة (يناير/ كانون الثاني 2025)، شنّ مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى وشخصيات مؤثرة في الإعلام الأمريكي حملة تضليلية قوّضت تماما شعار “أمريكا أولًا” وبثّت مشاعر مؤيدة للحرب لتشجيعها على شنّ حرب مع إيران”. وتابع: “استُخدمت هذه الدائرة المفرغة لخداعكم وإيهامكم بأن إيران تُشكّل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأنه في حال شنّ هجوم الآن، سيكون هناك طريق واضح لتحقيق نصر سريع”. وشدد على أن “هذا كان كذبا، وهو نفس التكتيك الذي استخدمه الإسرائيليون لجرّنا إلى حرب العراق الكارثية (عام 2003)، التي كلّفت أمتنا أرواح آلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا تكرار هذا الخطأ”. واستطرد: “بصفتي جنديا مخضرما شاركت في القتال 11 مرة (…) لا يمكنني تأييد إرسال الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تعود بأي فائدة على الشعب الأمريكي ولا تبرر التضحية بأرواح الأمريكيين”.
وختم كينت بدعوة ترامب إلى إعادة النظر في سياسته تجاه إيران، مضيفا: “بإمكانكم تغيير المسار ورسم طريق جديد لأمتنا أو بإمكانكم السماح لنا بالانزلاق أكثر نحو التدهور والفوضى”.
وقبل انضمامه إلى إدارة ترامب، خدم كينت في الجيش، حيث شارك في 11 مهمة كجندي في القوات الخاصة، ثم عمل في وكالة المخابرات المركزية.
وحاول ترامب استيعاب صدمة استقالة كينت فقال عن موقف مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب: “من الجيد أنه رحل لأنه قال إن إيران لا تشكل تهديدا”، وقال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض: “لطالما اعتقدت أنه ضعيف في مجال الأمن، ضعيف للغاية”. وأضاف أنه حين اطلع على بيان استقالته “أدركت أن تركه (المنصب) هو أمر جيد”. وقدّم ترامب أسبابا متضاربة للحرب، بينها الادعاء باقتراب إيران من إنتاج أسلحة نووية، ورفض الاتهامات المتزايدة بأن إسرائيل أجبرت الولايات المتحدة على التورط في تلك الحرب.
المرشد يرفض وقف القتال
في هذا الوقت ذكر مسؤول إيراني كبير أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحات نقلتها دولتان لخفض التصعيد، وفقا لما نقلته وكالة رويترز. وقال المسؤول إن مجتبى خامنئي رفض مقترحات قُدّمت إلى وزارة الخارجية الإيرانية بشأن “خفض التوترات أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة”.
ونقل المسؤول عن مجتبى خامنئي، الذي عقد أول اجتماع لبحث السياسة الخارجية منذ تقلده منصب الزعيم الأعلى، قوله إن هذا “ليس الوقت المناسب للسلام لحين إجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات”.
وقال رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، أمس، إن الولايات المتحدة لن تفرض مشيئتها في النظام الجديد الذي سيسود الشرق الأوسط بعد الحرب.
وصرّح قاليباف الواسع النفوذ في مقابلة مسجّلة مع وكالة تسنيم للأنباء تداولتها وسائل إعلام أخرى أن “النظام هنا سيتغيّر لكنه لن يكون نظاما تسوده مشيئة الولايات المتحدة”. وأكّد: “سيكون نظاما إقليميا، نظاما أصيلا”. وندّد قاليباف الذي يعدّ شخصية بارزة في الشأن العام الإيراني وكان قائدا سابقا في الحرس الثوري، بجولة المفاوضات مع الولايات المتحدة التي أعقبتها ضربات عسكرية على إيران، مؤكّدا أنه لا بدّ للأمر أن ينتهي. وهو قال إن على إسرائيل والولايات أن “تعلم أننا لم نعد نقبل بهذه الجولة”.
وصرّح قاليباف: “لا بدّ من كسر هذه الدوّامة، ما يعني استئصال التهديد من الجمهورية الإسلامية والمنطقة”.
وتواصل إيران تعبئة الشارع لتعزيز الجبهة الداخلية، حيث دعت السلطات في طهران المواطنين إلى النزول إلى الشوارع في مواجهة “مخططات” الأعداء، وذلك في ليلة يحييها الإيرانيون قبيل حلول رأس السنة الفارسية، وتأتي بعد أكثر من أسبوعين على بدء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وحثت الرسالة التي بثتها وسائل الإعلام الإيرانية، أمس الثلاثاء، المواطنين الإيرانيين إلى الحضور في ساحات جميع مدن البلاد ليلا، وذلك في “حشد شعبي لإفشال المخططات المحتملة لعناصر مرتبطين بالعدو الصهيوني”. كما جاء في النداء.
ووفقا للتقويم الهجري الشمسي الذي تعتمده الجمهورية الإسلامية، تشهد ليلة الثلاثاء – الأربعاء الأخيرة من كل عام، احتفالات ليلية تعرف باسم “جهارشنبه سوري”، وهو مهرجان قديم للأنوار والنار يُقام قبيل عيد نوروز، وهو رأس السنة الجديدة.
وكان مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون دعوا الإيرانيين إلى الاحتجاج ضد السلطات، لكن ذلك لم يحصل، بل على العكس فقد توحد الإيرانيون للدفاع عن بلدهم بعدما اعتبروا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية تهدف إلى تفتيته وتقسيمه. وبالتوازي دعت السلطات القضائية في طهران الأحد المواطنين إلى المساهمة في الحفاظ على النظم العام. وقالت إنه “للحفاظ على الأمن والنظام العام، يُرجى الامتناع عن إشعال النيران أو إطلاق المفرقعات” خلال العيد، حسبما ذكرت وكالة تسنيم. وأضافت “لنُبقِ القوات جاهزة للتعامل مع أي حوادث محتملة وضرورية”.
في هذا السياق، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أمس أن السلطات اعتقلت عشرة أجانب من بين عشرات الأشخاص الذين احتجزوا للاشتباه في تعاونهم مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وبالإضافة إلى الأجانب العشرة الذين تم اعتقالهم في منطقة خراسان رضوي شمال شرق البلاد، قالت وكالة أنباء تسنيم شبه الرسمية إنه تم اعتقال 55 شخصا في هرمزغان في الجنوب.
وتُتهم مجموعة الأفراد الأجانب، الذين لم تذكر التقارير الإعلامية جنسياتهم، بجمع معلومات عن مواقع حساسة والتحضير لعمليات ميدانية. ووُصفت المجموعة الأكبر التي تم اعتقالها في جنوب إيران بأنها “مرتزقة” للولايات المتحدة وإسرائيل.
وأبلغت وزارة الاستخبارات وسائل الإعلام الحكومية أنه تم ضبط مئات من أنظمة “ستارلينك”، التي يستخدمها بعض الإيرانيين لتجاوز حجب الإنترنت، في عملية شملت جميع أنحاء البلاد، وذكّرت الناس بأن حيازة مثل هذه التكنولوجيا يعاقب عليها بأشد العقوبات.
وفي الوقت نفسه، وكان قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان، أعلن الأحد أن ما لا يقل عن 500 شخص تم اعتقالهم منذ اندلاع الحرب، متهما المعتقلين بتبادل المعلومات مع الأعداء.
وحذر رئيس الشرطة أيضا من احتمال أن يثير الأعداء “حالة من انعدام الأمن في البلاد” .
وقال رادان، وفقا لوسائل الإعلام الحكومية، “قد يسعى العدو إلى التسبب في حوادث وحتى وقوع ضحايا من خلال مثل هذه الأعمال من أجل تأجيج التوتر في البلاد”.
ودعا متحدث باسم سلطات الإطفاء في طهران الناس إلى عدم الخروج للاحتفال في ليلة “جهار شنبه سوري”، والاحتفال في منازلهم بدلا من ذلك.