استراتيجية مخرج أم وقت ضائع؟


أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراء محادثات “جيدة ومثمرة للغاية” مع إيران، تقترب من التوصل إلى اتفاق يتألف من 15 بنداً، وأنه بناء على ذلك أمر وزير الحرب بتعليق عمليات استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام. وتردد في السياق أن نائبه جي دي فانس سوف يقوم بإدارة محادثات بهذا الصدد في إسلام آباد، عبر وساطات باكستانية وتركية ومصرية سبق لها أن تولت تمرير رسائل بين الطرفين.
ولعل هذا التحول ليس مفاجئاً إلا عند أولئك الذين لا يأخذون بعين الاعتبار عنصراً بالغ الأهمية في شخصية ترامب عموماً، ويهيمن بصفة خاصة على قراراته ذات البعد الدولي والنوعي، وهو أنه دائم التقلّب والتحول على منوال يتخذ أحياناً صفة مباغتة ودراماتيكية. وهذه ظاهرة تتكرر تحديداً حين تنتهي خيارات الرئيس الأمريكي إلى وضع عالق أقرب إلى مأزق شامل يعيق الحلول ويجمد إحراز النتائج، حيث يمتنع التقدم نحو مرحلة يطلق عليها خبراء السياسات الأمريكية الكبرى تسمية “استراتيجية المخرج”.
فليس خافياً أن مبادرة ترامب على صلة وثيقة بمشهد أسعار النفط والطاقة عموماً ومعضلات تعثر مرور الناقلات عبر مضيق هرمز، بوصفه جبهة أخرى لا تقل عاقبة وخطراً عن الجبهات العسكرية في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، خاصة وأن شرائح واسعة في قاعدة ترامب الشعبية والانتخابية داخل الولايات المتحدة ترتبط على نحو وثيق بارتفاع أسعار البنزين والديزل والغاز.
وبالفعل، احتاجت الأسواق إلى ساعات قليلة بعد مبادرة ترامب كي تتراجع تداولات خام برنت بنسبة 9٪، ويلتقي بها خام غرب تكساس بنسبة 8٪، وأما بورصات الأسهم فقد ارتفعت مؤشرات داو جونز وستاندرد وناسداك بمعدلات تتراوح بين 1,38 و6,5 و21,9٪ في قطاعات مختلفة ذات صلة باستهلاك المواد الأساسية والنقل والصحة.
كذلك فإن انعدام المفاجأة يمكن أن ينطبق أيضاً على سلوك القيادة الإيرانية، من حيث التضارب في تصريحات تنفي وجود مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، أو تطرح شروطاً لوقف الحرب تعرف طهران أن واشنطن لن تقبل بها، وهذه وسواها مواقف تصدر أيضاً عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف التي ترجح التقارير أنه شخصية التفاوض “المحترمة” التي ألمح إليها ترامب من دون كشف النقاب عن الاسم.
وأما المواقف الأكثر ثباتاً على إدامة العدوان، وعدم استثناء البنى التحتية ومنشآت الطاقة الإيرانية من “بنك أهداف” التدمير، وتوسيع نطاق الحرب لتشمل البلدات والقرى والمدن والضواحي والجسور في سائر لبنان، فهي تلك الصادرة عن دولة الاحتلال الإسرائيلي ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو شخصياً. وإذا جاز القول بأن الأخير لا يملك سوى الرضوخ لإرادة ترامب، فمن الجائز أيضاً التذكير بأن سوابقه تشير إلى محاولات التعطيل أو العرقلة أو الانفراد، بما يرضي الرئيس الأمريكي ضمناً، أو لا يغضبه في نهاية المطاف.
ومن واشنطن إلى تل أبيب، غير مستبعد أن تغرق مبادرة ترامب بين استراتيجية مخرج، أو لعب في الوقت الضائع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *