ارتكبنا ثلاثة أخطاء تحول دون التغلّب على إيران


الناصرة- “القدس العربي”:

مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني اليوم الأحد، يتصاعد الجدل داخل إسرائيل حول وضعها الحالي، هي والولايات المتحدة من الناحية العسكرية والاستراتيجية، وحول نتيجة هذه المواجهة الآن ولاحقا، ويرافقه مزاج يشوبه قلق وشكوك في الشارع الإسرائيلي بعد نشوة وإجماع مؤيد لاستخدام القوة والضربات العسكرية.

من أبرز الأصوات المشككة والمتشائمة حيال الحرب ومآلاتها، مستشار الأمن القومي الأسبق الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، الذي قال صباح اليوم للإذاعة العبرية الرسمية، إن إسرائيل في ختام الشهر الأول من الحرب موجودة في حالة إشكالية. ويعلل رؤيته هذه بالإشارة لارتكاب الولايات المتحدة وإسرائيل ثلاثة أخطاء أو تقديرات خاطئة، الأول هو خطأ تقليدي شائع يتمثّل بالفجوة بين أهداف الحرب وبين الوسائل المعتمدة لتحقيقها أو المعيقات التي يستخدمها العدو لإفشال الحرب عليه، وكان ينبغي أن تؤخذ بالحسبان. فهو “يلعب لعبته وأحيانا تكون بخلاف لعبتك أنت”.

ويقدم مثلا من التاريخ على ذلك باستذكار حملة نابليون بونابرت على روسيا، يوم اعتقد الإمبراطور الفرنسي أنه يستطيع إخضاع روسيا من خلال احتلال موسكو أولا، ليبدأ بعد ذلك في المفاوضات من منطلق قوة، لكن القيصر الروسي لم يستسلم بعد احتلال موسكو، وأبلغ نابليون أنه لا يريد التفاوض، وهذا حالنا مع إيران، فهي تقول للولايات المتحدة الآن بعد كل الجحيم عليها: “لا نريد التفاوض ولا نريد الاستسلام لشروطكم غير الواقعية”.

أما الخطأ الثاني برأي آيلاند، فهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تأخذا بالحسبان إغلاق مضيق هرمز. وعن ذلك أضاف: “بسبب السذاجة اعتقدوا أنه مع تدمير الأسطول البحري لإيران، فإنها ستفشل في سدّ المضيق، ونسينا أن لدى طهران وسائل مثل المسيرات وصواريخ وألغام بحرية. ليس فقط أننا لم نتقدم مقابل إيران بما يتعلق بالبحر، بل تراجعنا خطوة خاصة: باب المندب على الطريق، ربما يغلق بعد هرمز مما يفاقم الأزمة والضغوط في العالم”.

أما التقدير الخاطئ الثالث، برأي آيلاند، فهو عدم الفهم بأنه لا يمكن الانتصار في مثل هذه الحروب دون حملة برية. وعن ذلك يضيف: “ليبس فقط أنهم لم يفعلوا وربما تأخروا، بل إنهم فشلوا في تجنيد الأكراد لهذا الغرض. نحن كإسرائيليين نفرح في كل مرة نسمع عن التدمير. هناك تدمير ولكن لا يوجد تغيير استراتجي حتى الآن. مهم أن نفهم كيف يشعر العدو وأي وعي لديه. فالضربات لا تؤثر على قناعاته وقراراته. أشكّك بالزعم أننا حطّمنا مقدرات وقدرات إيران لعقود. قلنا ذلك في لبنان قبل عام، وفي إيران. وها نحن في حرب جديدة معهما. اتضح أن إيران استعدت لهذه الحرب منذ أربعين سنة وبنت مدنا وقواعد أسفل الأرض”.

ويوضح آيلاند أن “المقياس هو النتائج، وهنا لم تحقق أمريكا وإسرائيل ما يكفي. فالنجاحات التكتيكية لا ترتقي لمكسب استراتيجي، ولا تؤّثر على توجّهات إيران”.

ربما لا نحتاج لاتفاق مع إيران؟ ردا على هذا السؤال قال آيلاند: “ربما يكون صحيحا، لكننا سنبقى عندئذ مع مضيق هرمز مغلق. بدون اتفاق، ستقول إيران لنا اقصفوا كما تشاؤون، فنحن لن نفتح المضيق. يقولون نريد العودة لما قبل الحرب: نفتح المضيق ونتفاوض على النووي فقط”. وعندئذ سنسأل أنفسنا لماذا دخلنا الحرب إذن؟ المساس بالقدرات الصاروخية التي تعرّضت لأذى فعلا، ولكن المفاوضات إن حصلت ستدور حول النووي فقط، ولن يصمم الأمريكيون على إدخال موضوع الصواريخ أيضا، بعكس ما نريده نحن”.

ربما لا نجيد قراءة ترامب؟ “ربما، لا نعرف. الواضح أن الإيرانيين يحسبون خطواتهم. حقيقة أننا بعد شهر في حرب والمواجهة مستمرة. لذا هنا توجد معركة فيها استعدت إيران جيدا مع تفكير استراتيجي متوازن وحكيم، أما أمريكا، فلا تأخذ بالحسبان الاجتياح البري بسبب صدمة العراق، علاوة على فشلها في تجنيد الأكراد. ولذا نحن اليوم بوضع “مينوس1″ في هذه الحرب”.

وردا على سؤال عما إذا كان سيخرج لمثل هذه الحرب لو قيض له القرار بذلك، قال آيلاند: “لا أسارع لحرب دون أن أعرف كيف أنهيها. أن نقوم بهجمات جوية ونرى ماذا نفعل لاحقا.. هذا لا يكفي. وهذا ينطبق أكثر فأكثر على لبنان. ففي البداية، اكتفى حزب الله بإطلاق نار متلعثمة ضعيفة، فهل كان صحيحا أن نفتح جبهة جديدة في توقيت غير مريح، خاصة أن هناك تقديرات بأن حزب الله سيسقط بعد سقوط إيران؟ نحن الذين وقعنا في مصيدة. أنظر ماذا يفعلون لسكان الشمال، قصف لا يتوقف من جنوب لبنان”.

فخ لبناني

لكنك قلت ذلك أيضا قبل  حملة “سهام الشمال” في 2024 ؟ “لا أعرف ما حققناه في سهام الشمال أيضا. ألم يقل لنا إننا حطّمنا حزب الله في 2024؟ الطموح ينبغي ألا يكون النصر المطلق، إذ علينا التواضع والاكتفاء بتحديد الهدف بنتيجة طيبة بما يكفي. هذه عبرتنا في غزة ونحن نعيد الخطأ في لبنان. صحيح، انتزعنا القدرات الاستراتيجية لحزب الله من ناحية كم وكيف الصواريخ الاستراتيجية، لكن الشمال كله تحت النار”.

وردا على سؤال حول مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، يرى آيلاند أن هناك مخاوف حقيقة عليها، معللا ذلك بالقول: “الحقيقة أن الحرب بدأت في 28 شباط بسبب مظاهرات إيران، ولولاها لما خرجت إسرائيل أو أمريكا للحرب. لكن هناك رواية رائجة خطيرة في الولايات المتحدة مفادها أننا استدرجناهم للحرب. في حال فشلت الحرب مقابل إيران، ستواجه إسرائيل مشكلة كبيرة جدا في علاقاتها مع الأمريكيين”.

في المقابل، يعتبر مستشار الأمن القومي الإسرائيلي المستقيل تساحي هنغبي، أن إيران وفي حال بقيت جامدة على توجهاتها التقليدية النافية لتسوية جوهرية، وفي حال لم تنسحب أمريكا من نواياها المعلنة بتحقيق حسم بأي طريقة، يمكن تغيير ميزان الرعب الحالي بين إيران والغرب.

هنغبي الذي لا يخفي شهوته منذ البدايات باستمرار الحرب حتى تحطيم إيران، يزعم اليوم ضمن مقال بعنوان “جرد حساب مرحلي” تنشره “يديعوت أحرونوت” اليوم أنه بالإمكان تغيير هذا الميزان بشكل يضاعف المكاسب طويلة الأمد لهذه المعركة ويضعف توجهات طهران السلبية.

كما يقدّم باحث إسرائيلي من أصل إيراني في معهد الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، بيني سبطي، رؤية معاكسة بقوله للإذاعة ذاتها إنه يتوقع انهيار النظام الحاكم في إيران بسرعة. بيني سبطي الذي كان توقع انهيار إيران خلال خمسة أيام في اليوم الأول للحرب، قال اليوم الأحد إن هناك أمرين مهمين حدثا يفرحاه ويستند عليهما في رؤيته، وهما نشوب خلافات عميقة بين الرئيس الإيراني وبين الحرس الثوري حول المضي في الحرب، والثاني تأزم الاقتصاد الإيراني الذي سيصمد لعدة أسابيع فقط قبل أن ينهار كما حصل عام 1988 مما تسبب في وقف الحرب مع العراق.

ماهي الضربة الاقتصادية هذا الشهر؟ يقول: “يبيعون نفطاً بكميات أقل، والأهم أن الأموال تبقى خارج إيران، في روسيا والصين، وبالتالي لا تستطيع طهران توفير احتياجات الجمهور ولا حتى الطعام”.

لكنك وعدت قبل أسابيع بسقوط النظام؟ “أرجو ألا تستخفوا بأقوالي. صحيح أنني قلت ذلك، لكنني قلت أيضا إن الإيرانيين سيخرجون للشوارع عندما يدعوهم ترامب لذلك، وهو يرتكب خطأ كبيرا بذلك بعدم دعوتهم. الإيرانيون شعب مطيع وينتظر تعليمات. هكذا تمت تربيتهم منذ الطفولة”.

لكن في النهاية لنا كإسرائيليين، هذا الحديث لا ينفعنا، فالصواريخ مستمرة والأهم ماذا نفعل عندما ينهض الإيرانيون بعد شهور؟ “عندما ينفد المال لن يبقى للحرس الثوري وسيلة للتصنيع، ما يعني تكرار أزمة 1988 مع العراق. أغلبية الإيرانيين ضد النظام، وأقترح تصعيد الضربات والاغتيالات، فهذا بالتزامن مع الاقتصاد المتداعي، فإن النظام يتجه للسقوط حتما بعد إضعافه بهذه الوسائل خاصة أن تطرفه سيضعفه أكثر وربما يدفعه للتحطّم والانهيار وهو ما يعني خنق حزب الله أيضا”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *