ارتفاع جديد للأسعار وهلع في محطات الوقود


الرباط ـ «القدس العربي»: شهدت محطات الوقود في مختلف مدن المغرب، ليلة الأحد، حالة استثنائية بعدما توافدت عليها أعداد كبيرة من السيارات للتزود بالمحروقات، عقب تداول أخبار عن زيادات مرتقبة في الأسعار ابتداء من منتصف الليل. وسارع عدد من السائقين إلى ملء خزانات سياراتهم تحسباً للزيادة الجديدة، في مشهد أعاد إلى الواجهة مخاوف المستهلكين من موجة غلاء جديدة قد تمتد آثارها إلى كلفة النقل وأسعار عدد من المواد الأساسية.
وبحسب معطيات أولية من مصادر مهنية في قطاع توزيع المحروقات، ارتفع سعر «الديزل» بمقدار درهمين للتر الواحد، بينما ارتفع سعر «البنزين» الممتاز بمقدار 1.44 درهم للتر. كما كشف أرباب محطات الوقود أنهم توصلوا بإشعارات من شركات التوزيع تفيد بزيادات في إطار التغيير الدوري الذي يطرأ على أسعار المحروقات بالمغرب في منتصف كل شهر.

ضغوط على الدول المستوردة للطاقة

وتأتي هذه الزيادة في سياق الارتفاع الذي تعرفه أسعار النفط ومشتقاته في الأسواق العالمية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وتعثر مرور بعض ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. ويرى متتبعون أن استمرار هذا الوضع قد يزيد من الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها المغرب، التي تبقى مرتبطة بشكل كبير بتقلبات السوق الدولية.

في ظل توترات الشرق الأوسط

هذه التطورات أعادت النقاش السياسي والبرلماني حول تدبير قطاع المحروقات بالمغرب، حيث وجه النائب البرلماني محمد أوزين سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، حول وضعية المنظومة الوطنية للمخزون الاستراتيجي للمواد الطاقية ومدى توفر ضمانات لحماية المستهلك مما وصفها بـ»ازدواجية» معايير تقلب الأسعار.
وأوضح البرلماني أن المغرب، شأنه شأن عدد من الدول، يتأثر بسلسلة من الأزمات المتلاحقة المرتبطة بالاضطرابات الجيوسياسية واختلال سلاسل الإمداد العالمية. وذكّر في هذا السياق بتوجيهات العاهل المغربي محمد السادس الداعية إلى إرساء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، بما فيها المواد الطاقية. كما اعتبر أن سوق المحروقات بالمغرب يشهد نوعاً من الارتباك في تدبير الأسعار، حيث تسارع شركات التوزيع إلى عكس ارتفاع الأسعار الدولية على محطات الوقود، بينما تتأخر في تمرير الانخفاضات، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام مبدأ العدالة والتناسب في تحديد الأسعار.وأشار أوزين كذلك إلى مقتضيات القانون رقم 09-71 المتعلق بتخزين المواد البترولية، الذي يلزم بتوفير مخزون احتياطي يغطي ما لا يقل عن ستين يوماً من الاستهلاك، متسائلاً عن مدى تفعيل هذا المخزون في التخفيف من تأثير التقلبات المفاجئة للأسعار على المستهلكين. كما أثار مسألة استمرار توقف مصفاة «لاسامير»، معتبرًا أن غيابها يطرح تحديات مرتبطة بالأمن الطاقي ويزيد من تبعية السوق المغربية للأسواق الدولية.
وفي السياق ذاته، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن الارتفاع المفاجئ في أسعار المحروقات بدرهمين دفعة واحدة يثير علامات استفهام حول طريقة تدبير القطاع، مشيراً إلى أن التجارب السابقة، وعلى رأسها تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية، كان يفترض أن تدفع إلى تعزيز آليات الضبط والمراقبة. وأوضح أن مخزون الفاعلين في القطاع لا يتجاوز في أفضل الحالات ما بين 24 و31 يوماً، في حين ينص القانون على ضرورة توفر مخزون استراتيجي لا يقل عن شهرين، وهو ما اعتبره تهديداً مباشراً للأمن الطاقي والاستقرار الاقتصادي.

تلاعب الشركات بالأسعار

كما استغرب جدري ضمن تصريح لـ «القدس العربي»، من لجوء بعض الشركات إلى تطبيق زيادات الأسعار بسرعة كبيرة كما لو أنها تبيع محروقات تم اقتناؤها بعد اندلاع الأزمة، رغم أن جزءاً من الكميات المعروضة في السوق يكون قد تم شراؤه مسبقاً بأسعار أقل. وشدد على ضرورة تدخل الحكومة بشكل عاجل لدعم الغازوال المهني لتفادي انعكاس ارتفاع كلفة النقل على أسعار الخضار والفواكه والمواد الغذائية.
من جهته، حذّر الحسين اليماني، الكاتب العام لـ «النقابة الوطنية للبترول والغاز بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على سوق الطاقة، مبرزاً أن أسعار النفط العالمية بلغت نحو 100 دولار للبرميل، فيما وصل سعر طن الغازوال إلى حوالي 1112 دولاراً، أي ما يعادل نحو 9.5 دراهم للتر. وأكد أن استمرار التوتر في منطقة تضم حوالي 80 في المئة من الاحتياطات العالمية من النفط والغاز من شأنه أن يزيد من الضغط على الأسواق الدولية.
ودعا اليماني ضمن حديثه لـ «القدس العربي»، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من آثار هذه التطورات، من بينها إلغاء تحرير أسعار المحروقات بشكل مؤقت والعودة إلى تنظيمها، إلى جانب تعزيز المخزون الوطني وتفعيل آليات الاحتياط ضد تقلبات الأسعار. كما اقترح العودة إلى دعم المحروقات عبر صندوق المقاصة أو تقليص العبء الضريبي المفروض عليها، مشيراً إلى أن الضرائب الحالية تتجاوز أربعة دراهم بالنسبة للغازوال وأكثر من خمسة دراهم للبنزين.
كما شدد على ضرورة إحياء المصفاة المغربية للبترول عبر فتح المجال للتخزين في مرحلة أولى ثم استئناف نشاط التكرير لاحقاً، بما يعزز السيادة الطاقية للمغرب ويقلص هشاشته أمام تقلبات الأسواق الدولية.
وفي السياق نفسه، لفت الخبير الاقتصادي زكريا كارتي إلى أن بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، تتوفر على احتياطات نفطية استراتيجية تكفي لأكثر من مئة يوم، بينما لا يتجاوز المخزون المغربي ثلاثين يوماً، أي أقل من نصف الحد الأدنى القانوني. واعتبر أن إغلاق مصفاة «سامير» سنة 2015 دون إيجاد بديل مؤسساتي للتكرير أو التخزين عمق من هشاشة المنظومة الطاقية الوطنية.
بدوره، أشار خبير البيانات يوسف سعود إلى أن أسعار المحروقات لا ترتبط فقط بالكلفة السابقة للشراء أو بالمخزون المتوفر، بل تتحدد أساساً وفق الأسعار المتوقعة في السوق الدولية. غير أنه اقترح في المقابل اتخاذ تدابير ظرفية للتخفيف من وقع الأزمة، من بينها تعليق الضريبة على الاستهلاك الخاصة بالمحروقات لمدة شهر أو شهرين، أو اعتماد نظام ضريبي مرن يسمح بتخفيض الضرائب عندما ترتفع الأسعار بشكل كبير، وهو ما تلجأ إليه عدة دول خلال فترات الأزمات.

غلاء فاحش

وكتب إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، تدوينة على «الفيسبوك» جاء فيها: «بشكل مفاجئ، تم الإعلان عن زيادات صاروخية في سعر البنزين والغازوال، رغم أنف المغاربة، دون الحديث عن تهديدات الاحتياطي المغربي من المحروقات في ظل توترات دولية متصاعدة تهدد أمننا الطاقي، كل هذا لأن رئيس حكومتنا تنتعش شركاته في الأزمات كما تنتعش في الرواج، وهو ما يجعل ثرواته في تصاعد دائم حسب فوربس، في حين يكتوي المواطن المغلوب على أمره من الغلاء الفاحش ليس فقط في المحروقات، بل في كل ما يتبعها من المواد الأساسية والاستهلاكية». وختم تدوينته بالقول: «اللهم هذا منكر. اللهم إنا مغلوبون، فأنقذنا من هذه الحكومة الظالمة بأحزابها الثلاثة».
وجاء في تدوينة للصحافي حمزة الوهابي: «في كل مرة تنخفض فيها أسعار النفط عالمياً يُطلب من المغاربة الانتظار، بحجة أن المخزون تم شراؤه بثمن مرتفع ويجب تصريفه أولاً. لكن، عندما ترتفع الأسعار في الأسواق الدولية، لا يحتاج الأمر سوى أيام قليلة حتى ترتفع الأسعار في محطات الوقود». وتساءل: «إذا كان المخزون يكفي لشهرين عندما تنخفض الأسعار، فلماذا لا يكفي للشهرين نفسيهما عندما ترتفع؟ أين هي حكومة الكفاءات لحل هذه المعادلة؟».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *