باريس- “القدس العربي”:
تشهد فرنسا، اليوم الأحد، جولة حاسمة من الانتخابات البلدية، في أجواء سياسية مشحونة وغير مسبوقة منذ سنوات، وسط رهانات محلية تحمل أبعادًا وطنية واضحة قد تؤثر على المشهد السياسي وصولًا إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة العام المقبل 2027.
تتركز الأنظار على عدد من المدن الكبرى التي قد تشهد تحولات سياسية بارزة.
ففي باريس، يطرح سؤال مهم حول ما إذا كانت العاصمة ستنهي ربع قرن من حكم حزب الاشتراكي اليساري وحلفاؤه “الخضر” (أنصار البيئة). وتشهد العاصمة الفرنسية حالة من الترقب وعدم اليقين قبيل إعلان نتائج الجولة الثانية من الانتخابات البلدية، لاختيار خليفة لرئيسة البلدية الحالية آن هيدالغو (الحزب الاشتراكي).
وفقًا لاستطلاع حديث، يتقارب المرشحان الرئيسيان بشكل كبير، حيث حصل إيمانويل غريغوار (الحزب الاشتراكي + أنصار البيئة + الشيوعيون) على 45.5% من نوايا التصويت، مقابل 44.5% لمنافسته رشيدة داتي، وزيرة الثقافة المستقيلة حديثاً ( اليمين + يميط الوسط)؛ يشير إلى سباق انتخابي محتدم قد يُحسم بفارق ضئيل من الأصوات.
في المقابل، تحصد مرشحة اليسار الراديكالي صوفيا شيكيرو نحو %10 من الأصوات، وهو ما قد يؤثر على حظوظ غريغوار، خاصة مع ضعف انتقال أصوات ناخبيها إليه.
وقد ساهمت تحالفات اليمين والوسط في تعزيز موقع داتي، التي نجحت في تقليص الفارق بعد تأخرها الكبير في الجولة الأولى، ما يجعل نتيجة الانتخابات مفتوحة على جميع الاحتمالات حتى اللحظة الأخيرة.
في مدينة تولوز، يسعى حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي لتحقيق اختراق انتخابي كبير.
أما في مدينة تولون، فيأمل حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف في الفوز برئاسة البلدية، بينما تشهد مدينة نيس صراعًا حادًا بين العمدة المنتهية ولايته كريستيان إستروزي، المدعوم من اليمين ويمين الوسط، وإريك سيؤتي حليف حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.
وفي مدينة ليون، يخوض رجل الأعمال جان ميشال أولاس والرئيس السابق لنادي المدينة لكرة القدم تحديًا انتخابيًا لافتًا.
بعد تسجيل نسبة امتناع قياسية في الجولة الأولى، يتوقع مراقبون ارتفاع نسبة المشاركة في الجولة الثانية، مدفوعة بتحالفات اللحظة الأخيرة وانسحابات تكتيكية أعادت رسم ملامح المنافسة. وتشهد هذه الجولة مئات المواجهات الثلاثية، إلى جانب مواجهات ثنائية ورباعية في عدد كبير من البلديات.
ومن المنتظر أن تمتد ولاية رؤساء البلديات المنتخبين هذه المرة إلى سبع سنوات بدلًا من ست، بهدف تفادي تزامن الانتخابات البلدية المقبلة مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عام 2032.
وتتجاوز أهمية هذه الانتخابات الإطار المحلي، إذ تُعد اختبارًا حقيقيًا لقوة التيارات السياسية الكبرى. فنجاح حزب فرنسا الأبية في عدد من المدن سيعزز موقعه كقوة انتخابية مؤثرة، بينما قد يمنح تقدم حزب التجمع الوطني دفعة قوية قبل الاستحقاق الرئاسي.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال تكرار سيناريو الاستقطاب الحاد في 2027، مع تصاعد الحديث عن مواجهة محتملة بين جان لوك ميلونشون، رئيس حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي وجوردان بارديلا، رئيس حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.
كما يراقب عدد من الشخصيات السياسية هذه الانتخابات تمهيدًا لطموحات رئاسية، من بينهم إدوار فيليب وغابرييل أتال، في وقت يواجه فيه معسكر الوسط تحديات داخلية تتعلق بتوحيد الصفوف وتجنب التشتت.
ورغم الزخم السياسي، يتوقع مراقبون أن تعود اهتمامات الفرنسيين سريعًا إلى القضايا الملحة، مثل الأوضاع الاقتصادية وتأثير التوترات الدولية، خصوصًا تداعيات حرب إيران على التضخم والقدرة الشرائية. وقد لعب الموقف من غزة دورا كذلك في خيارات الكثير من الناخبين، وهو ما انعكس خاصة في نتائج حزب “فرنسا الأبية” وموقفه الواضح في إدانة حرب الإبادة في غزة.
في المحصلة، تمثل هذه الانتخابات البلدية محطة مفصلية ليس فقط لإدارة المدن، بل أيضًا لإعادة رسم التوازنات السياسية في فرنسا، وتحديد ملامح المرحلة المقبلة.