إيران … بين التاريخ والجغرافيا والهوية


يصعب فهم إيران من خلال عامل واحد، أو اختزالها في تفسير جاهز. فهي ليست مجرد دولة تحكمها الجغرافيا، ولا مجرد مجتمع مثقل بالتاريخ، بل كيان تشكل عند تقاطع الإرث الإمبراطوري، والموقع الاستراتيجي، والهوية القومية والمذهبية، وبنية سياسية أعادت الثورة الإسلامية صياغتها منذ عام 1979. ولهذا تبدو إيران، في صورتها المعاصرة، حصيلة تفاعل معقد بين الذاكرة والسلطة والمجتمع والمكان.
في قلب الشرق الأوسط تقف إيران بوصفها دولة لا يمكن فصل حاضرها عن ماضيها الطويل. فهي تحمل في وعيها السياسي والثقافي آثار إمبراطوريات متعاقبة، من فارس القديمة إلى الدولة الساسانية، ثم التحولات الكبرى التي أعقبت الفتح الإسلامي، وما تلاه من تشكلات سياسية في العصور الصفوية والقاجارية والبهلوية. هذا الإرث التاريخي لا يظل حبيس الكتب أو المخيال القومي، بل يظهر في نظرة الدولة إلى نفسها، وفي طموحها الإقليمي، وفي الطريقة التي تتعامل بها مع محيطها ومع العالم.
الكاتب والمترجم الإيراني حميد رضا مهاجراني يرى أن إيران «بلد جميل يتمتع بتنوع جغرافي وثقافي واسع، لكن تركيبتها السياسية المعقدة تجعلها محور اهتمام العالم، حيث تندمج السلطة الدينية مع السلطة السياسية، وتؤثر التوترات الإقليمية والدولية في قراراتها الداخلية». وهذه الملاحظة تلخص جانبا من المسألة الإيرانية: بلد غني بالتنوع، لكنه محكوم ببنية شديدة التعقيد، تجعل السياسة فيه انعكاسا لصراع مستمر بين عناصر متعددة، لا لعامل منفرد.
من هنا، لا تبدو الجغرافيا مجرد خلفية صامتة في الحالة الإيرانية. فإيران تحتل موقعا استراتيجيا بالغ الحساسية، يربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز، ويجعلها جزءا من توازنات إقليمية ودولية معقدة. هذا الموقع منحها وزنا لا يمكن تجاهله، لكنه وضعها أيضا في قلب التنافسات والضغوط والصدامات. فالجغرافيا بالنسبة إليها نعمة ومأزق في آن: مصدر قوة، ومصدر استنزاف أيضا.

ويرى البروفيسور حسام الدين إيناج، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة «كوتاهيا دوملوبينار»، أن الجغرافيا لعبت دورا محوريا في تشكيل وضع إيران، لكنها ليست مجرد ضحية لهذا الموقع، بل طرف فاعل أيضا في محيطها الإقليمي. ويقول إن إيران «ليست مجرد ضحية، بل أيضا فاعل نشيط يسعى إلى تشكيل البيئة الإقليمية وفق مصالحه، ما يجعل مشكلاتها أكثر تعقيدا». وهذا التوصيف مهم، لأنه ينقل النقاش من فكرة الحتمية الجغرافية إلى فكرة التفاعل بين الموقع والسياسة؛ فالمكان لا يفرض وحده مصير الدولة، بل إن طريقة الدولة في إدارة مكانها هي التي تضاعف فرصها أو أزماتها.
غير أن فهم إيران لا يكتمل من دون النظر إلى الهوية بوصفها عنصرا مؤسسا في تكوين الدولة والمجتمع معا. فإيران تضم تنوعا قوميا ومذهبيا واضحا، يشمل الفرس والأذريين والأكراد والعرب والبلوش، إلى جانب أقليات دينية ومذهبية متعددة. وهذا التنوع منحها ثراء ثقافيا لا يخطئه الناظر، لكنه خلق في الوقت نفسه توترات متصلة بالتمثيل السياسي، والعدالة الاجتماعية، ومفهوم الهوية الوطنية الجامعة. ويشير إيناج إلى أن «الفارسية لا تزال المكون المهيمن على الدولة، رغم التنوع القومي داخل إيران، وهذا التوتر القومي الداخلي يخلق تحديات مزمنة ويزيد من هشاشة الوحدة الوطنية».
ولا تتوقف مسألة الهوية عند بعدها القومي، بل تمتد إلى البعد المذهبي الذي اكتسب وزنا حاسما منذ أن كرست الدولة الصفوية التشيع الاثني عشري إطارا سياسيا وثقافيا جامعا. وبعد الثورة الإسلامية، صار هذا البعد جزءا من تعريف الدولة لنفسها، ولرسالتها، ولعلاقاتها في الإقليم. ولهذا، فإن فهم إيران يقتضي إدراك تداخل القومي بالمذهبي، والتاريخي بالسياسي، والرمزي بالمؤسساتي.

مهاجراني يلفت إلى أن الشخصية الإيرانية «تشكلت عبر قرون من التاريخ المليء بالثورات والاحتلالات والثقافات المتعددة، فهي تحمل بعدا عاطفيا قويا وميلا للفخر الوطني، وفي بعض الأحيان تناقضات بين الحداثة والتقليد»، مؤكدا أن هذه التعقيدات «لا تعني الصعوبة، بل غنى في التجربة الإنسانية». هذه الصياغة أكثر دقة من التعميمات الشائعة عن «الطبع الإيراني»، لأنها ترد الظواهر إلى تاريخ اجتماعي وثقافي، لا إلى صفات ثابتة أو جوهر مغلق.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال أثر الذاكرة الشيعية في تشكيل الوجدان العام. فاستذكار مقتل الإمام الحسين، بما يحمله من معاني الظلم والشهادة والفداء، تجاوز البعد الديني إلى البعد الثقافي والسياسي. ويقول مهاجراني إن هذه الممارسات «تعكس قيم التضحية والعدل، لكن طغيان الحزن يعكس أيضا ذاكرة جماعية مليئة بالقمع، وقد أصبح هذا الأسلوب جزءا من الهوية الدينية والسياسية للمجتمع الشيعي». ولا يعني ذلك أن المجتمع الإيراني يمكن اختزاله في هذا البعد، لكنه يظل عنصرا مؤثرا في فهم كيف تتقاطع الذاكرة الدينية مع المجال العام والسياسة.
وإذا كان التاريخ والجغرافيا والهوية تشكل جميعها خلفية لفهم إيران، فإن الثورة الإسلامية تبقى اللحظة المفصلية التي أعادت تركيب هذه العناصر في صورة دولة جديدة. فمنذ عام 1979، قام النظام الإيراني على معادلة تجمع بين مؤسسات الدولة الحديثة، من حكومة وبرلمان وانتخابات، وبين مرجعية دينية عليا تمسك بالمفاصل الحاسمة. ومن هنا نشأت الازدواجية التي ما زالت تطبع القرار الإيراني: سلطة رسمية تتحرك في واجهة الدولة، وسلطة فعلية أعلى تحدد الاتجاهات الكبرى.
إيناج يرى أن السياسة في إيران «معقدة، إذ إن النظام يجمع بين البعد الديني والسياسي، ما ينتج عنه ازدواجية في القرار». ويضيف أن السياسة الخارجية الإيرانية «متأثرة بشدة بعقيدة الثورة الإسلامية، وهو ما يضعها في صراع دائم مع محيطها». وهذه الملاحظة تصيب صلب المسألة؛ فإيران لا تدير دولتها فقط بوصفها دولة قومية، بل أيضا بوصفها حاملة لرؤية أيديولوجية صنعتها الثورة، وما زالت تؤثر في تعريف مصالحها وحدود حركتها.

ومن هنا يمكن فهم التوتر المستمر بين مؤسسات الدولة، وبين القوى الاجتماعية التي تطالب بمزيد من الانفتاح والإصلاح. فالثورة التي رفعت شعارات العدالة والاستقلال والكرامة، أنشأت نظاما شديد المركزية، يملك قدرة واسعة على الضبط، لكنه يواجه منذ عقود أسئلة متزايدة حول الحريات، والتمثيل، وتوزيع السلطة، ودور الدين في الحكم.
وحول هذه النقطة، يقول مهاجراني إن دور الدين في السياسة «يمكن أن يكون إيجابيا إذا كان يعزز العدالة والأخلاق، لكن عندما يتحول إلى أداة للسلطة المطلقة ويقيد الحريات، فقد يؤدي إلى الاستبداد». وهذه الصياغة تكشف أن النقاش داخل إيران لا يدور فقط بين مؤيدين ومعارضين للنظام، بل أيضا حول معنى الدولة نفسها، وحدود العلاقة بين المقدس والسياسي.
ولا يمكن قراءة التحولات الإيرانية من دون التوقف عند العامل الاقتصادي. فقد لعب الاقتصاد دورا مركزيا في إضعاف نظام الشاه، كما ظل عاملا ضاغطا في مرحلة ما بعد الثورة. التفاوت الاجتماعي، والتضخم، والبطالة، والفساد، وسوء توزيع الثروة، كلها عناصر غذت الغضب الشعبي في مراحل مختلفة من التاريخ الإيراني الحديث. ويؤكد مهاجراني أن «الظروف الاقتصادية المتدهورة، مثل التضخم والبطالة وتوزيع الثروات بشكل غير عادل، كانت من العوامل الأساسية التي غذت الغضب الشعبي وأسهمت في انهيار نظام الشاه، إلى جانب القمع السياسي والفساد».

وفي المقابل، يشير إيناج إلى أن العامل الاقتصادي «لم يكن وحده السبب، لكنه كان دائما دافعا جوهريا ومحفزا قويا لأي حراك ثوري في إيران، لأنه يمس حياة الناس اليومية ويعبر عن فشل النظام في تحقيق العدالة والكرامة». هذا الربط بين الاقتصاد والكرامة بالغ الأهمية، لأن الأزمات الإيرانية لم تكن في جوهرها مجرد أزمات معيشية، بل أزمات ثقة أيضا، وأزمات شرعية، وأزمات تمثيل.
وفي هذا السياق، يبرز دور «البازار» في التاريخ السياسي الإيراني الحديث، بوصفه قوة اقتصادية واجتماعية قادرة على التأثير والضغط، خصوصا حين يتحالف مع رجال الدين أو يدخل في مواجهة مع السلطة. فالتفاعل بين «الملا والبازار» كان، في لحظات كثيرة، أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحولات الكبرى، من تعبئة الشارع إلى تقويض شرعية الحكم أو إعادة إنتاجها.
لكن أزمة إيران الحديثة لا تختصر في بنيتها السياسية أو أوضاعها الاقتصادية فقط، بل تتصل أيضا بعجزها حتى الآن عن بناء عقد اجتماعي شامل يوفق بين مكونات المجتمع المختلفة، ويخفف من التوتر بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، وبين الهوية الرسمية والهويات الفرعية. ولهذا ظلت إيران تعيش على إيقاع احتجاجات متكررة، من الثورة الدستورية مطلع القرن العشرين إلى إسقاط الشاه، ثم موجات الغضب والاحتجاج في العقود الأخيرة.

إيناج يذهب إلى أن إيران «تعاني من أزمة حكم، وأزمة هوية، وأزمة عدالة، ولم تنجح حتى الآن في بناء عقد اجتماعي شامل يرضي كل مكونات المجتمع». وهذا التوصيف يبدو دقيقا إلى حد بعيد، لأنه يجمع بين البنية السياسية، والسؤال الاجتماعي، ومأزق الهوية الوطنية في دولة مركبة.
ولهذا أيضا، لا تبدو إيران بلدا يعرف استقرارا نهائيا. فهي بلد حي ومتحرك، لكنه بلد يحمل داخله توترات لم تحسم. فالأجيال الشابة تضغط باتجاه مزيد من الحريات والانفتاح، فيما يتمسك النظام بمركزية صارمة وبنية محافظة. والتنوع القومي والمذهبي يطرح أسئلة مستمرة عن شكل الدولة الجامعة. والسياسة الخارجية، بما تنطوي عليه من كلفة ومغامرة وصدام، تضيف عبئا جديدا على الداخل.
في المحصلة، لا تبدو إيران أسيرة التاريخ وحده، ولا الجغرافيا وحدها، ولا الهوية وحدها. إنها نتاج تفاعل دائم بين هذه العناصر جميعا، إلى جانب الطريقة التي تدير بها الدولة هذا التفاعل. فهي تحمل إرثا إمبراطوريا، وتقع في موقع استراتيجي حساس، وتقوم على هوية مركبة، وتعيش في ظل نظام شديد المركزية، وكل ذلك يجعلها في مواجهة مستمرة مع أسئلتها الداخلية ومع بيئتها الخارجية في آن.
لهذا فإن فهم إيران لا يمر عبر تفسير أحادي، بل عبر النظر إليها بوصفها بلدا تشكله طبقات متراكبة من الذاكرة والموقع والمجتمع والسلطة. وربما كان هذا هو سر صعوبتها وجاذبيتها معا: دولة لا تزال تبحث عن توازن بين ماضيها الثقيل، وموقعها المرهق، وهويتها المتعددة، وطموحها السياسي الذي لم يجد بعد صيغة مستقرة للتصالح مع الداخل ومع العالم.

صحافي وكاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *