ممثلاً لبنان في بينالي البندقية 61 نبيل نحّاس يقدم 26 لوحة زاخرة بالحضارات
بيروت ـ «القدس العربي»: في التاسع من أيار/مايو المقبل يفتتح المعرض الدولي للفنون ـ بينالي البندقية دورته الحادية والستين، وفيه يشارك لبنان للسنة الثالثة على التوالي. حضور لبناني يتمثّل بعمل فني كبير نفّذه الفنان اللبناني الأمريكي نبيل نحّاس، منطلقاً من عنوان «تعدد بلا حدود». وهكذا كان بمواجهة عدّة حضارات متجذّرة في تاريخ وطنه الأول ومسقط رأسه، فعبّر عنها بتدرجات ألوانه وحركة خطوطه.
أنجز نحّاس تجهيزاً فنياً، بطول 45 متراً، ويتألف من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع ثلاثة أمتار. عمل مستوحى من المنمنمات الفارسية. وفي هذه الأعمال يتلاقى تجريد هندسي مستوحى من الفن الإسلامي والغربي. كما ويستحضر نحّاس اشكالاً هندسية للنظام الكوني، وأخرى لولبية مستوحاة من الطقوس الصوفية. وتبقى الشجرة حاضرة بقوة في أعماله، وخاصة الأشجار التوارتية كما الأرز والزيتون.
هنا حوار توضيحي حول البينالي مع المفوضة العامة ومنسقة جناح لبنان الدكتورة ندى غندور:
○ المفوضة العامة ومنسقة جناح لبنان في الدورة الحادية والستين من المعرض الدولي للفنون ـ بينالي البندقية للسنة الثالثة على التوالي. ما هو جديد البينالي لهذا العام؟
• ميزة بينالي البندقية في دورته الـ61 أنه يمنح أهمية للمفاتيح الثانوية. نعرف من مفاتيح الموسيقى الـ«ماجور» والـ«مينور»، أي الرئيسي والصغير. والبينالي يركز هذا العام على توجيه الاهتمام إلى مسائل موجودة سواء في الموسيقى أو الفن. ففي الفن اتجاهات متعددة، كمثل علاقة الفن بالموسيقى، وكذلك رؤية الفن من جانبه الحسّي. ميزة الفن أننا نستوعبه بداية من خلال المشاعر والإحساس.
○ في التفاصيل كم يستمر البينالي؟ وهل يحتاج لحضور على مدار الساعة لشرح مضمون ومقاصد العمل الذي يمثل مجتمعنا وبيئتنا كلبنانيين؟
• بين بداية البينالي في ايار/مايو ونهايته في تشرين الثاني/نوفمبر، نحن حيال سبعة أشهر متواصلة. يسبق الافتتاح في كل دورة يشارك فيها لبنان أعداد مفصل حول أبعاد العمل الذي يمثلنا، ومدى تجذره في تاريخنا كوطن. تلك المطالعة تُسمّى بـ«الثقافة والوسطاء»، ويزود بها كل من يقوم على الجناح اللبناني. وتتضمن تلك المطالعة بالتأكيد مفاتيح تتيح للمسؤول أو المسؤولة عن هذا الجناح، الإجابة على مختلف الأسئلة الإستيضاحية من قبل زوّار البينالي. هذا بالطبع يلي قراءة الزائر للنص الذي يتصدر المساحة التي يشغلها لبنان في البينالي. وبدورنا نوجه أسئلة للزوّار، وتردنا الإجابات بشكل شهري. إذ نهتم بمعرفة كيفية نجاحنا من خلال هذه المساحة بالإضاءة على لبنان. تعني المشاركة في البينالي بالأساس مشاركة بلد ووطن، قبل أن تكون مشاركة فنان. وبدورنا نسعى من خلال هذه المشاركة لخلق فرص عمل للفنانين، عبر الإضاءة عليهم. ولمزيد من التوضيح فبينالي البندقية يشبه الأولمبياد، الثاني رياضي والأول فني. نحن نعمل للإضاءة على الفنانين اللبنانيين، وتأكيداً لحضورنا على المستوى الفني كلبنانيين في المنتديات الدولية. هؤلاء الفنانين يحتاجون لتسويق أعمالهم، لأنهم يعيشون من فنهم.
○ ما هي الأسئلة التي تطرح على زوار الجناح اللبناني؟
• منها على سبيل المثال هل كنتم بصدد زيارة الجناح اللبناني؟ الإجابات بنسبو 80 في المئة لا. ورداً على سؤال لماذا رزتم هذا الجناح إذاً؟ لأنه موجود في الأرسنال، هو الجواب. والأرسنال هو المساحة الأكثر استقطاباً للزوار، أو لنقل أن الجميع يزورونها. وتالياً وجود الجناح اللبناني من ضمنها يمنح أهمية لبلدنا ولمشاركتنا في البينالي. والسؤال الآخر الذي تلفت إجاباته الانتباه هو هل ستزورون لبنان بعد اطلاعكم على الجناح اللبناني؟ تأتي الإجابات نعم بنسبة 70 في المئة.
○ تجهيز فني كبير يُمثل المشاركة اللبنانية كل عام، حيث وصفتِ شخصياً عمل نبيل نحّاس بالضحم فما هو مصيره في النهاية؟ وأين يستقر؟
• حرية التصرف بالتجهيز الفني متروك للفنان أو الفنانة. للتوضيح في أصل المشاركة وفي اختيار الفنان أو الفنانة، فإن الجناح اللبناني لا يساهم مُطلقاً في تكاليف العمل الفني. في كل عام نطلب من الفنان أن تكون مشاركته على عاتقه مادياً وبالكامل. هذه المشاركة في البينالي تستمد قوتها من شعار نطبقه عملياً عنوانه «إيد بإيد». إيدينا تتكاتف وتتضامن. مجموعنا 12 وجهودنا تطوعية بالكامل. وفي كل عام نختار فنّاناً وفق معايير وشروط معينة أبرزها أن يضع يده بيدنا، بهدف تقديم صورة حضارية عن لبنان. وفي رأيي التطوع هو الجانب الأجمل في هذه المشاركة.
○ وهل تحرصون على الترويج للفنان خارج إطار البينالي؟
• مطلقاً. من يلفته عمل الفنان يمكنه أن يبحث عنه ويختار من أعماله من خلال حساباته على الشبكة العنكبوتية. نحن نكتفي بتمثيل لبنان من خلال موضوع نختاره. «تعدد بلا حدود» هو موضوعنا لهذا العام. وهذا ما عمل الفنان لإبرازه لأنه يمثل بلداً هو بلده. إذاً نهتم بالرسالة التي تتبناها كل مشاركة لنا كلبنانيين في البينالي.
○ كيف يختار لبنان من سيمثله؟ وماذا عن المدى الزمني بين الاختيار وإنطلاق البينالي؟
• يستغرق تنفيذ مشروع المشاركة في البينالي بالحد الأدنى سنة ونصف السنة. بداية نستقبل ما يرسله الفنانون من ملخصات عن المشاريع التي قرروا المشاركة فيها إلى لجنة الاختيار. تُجري تلك اللجنة مقابلات مع هؤلاء الفنانين، كل بمفرده في حوارات نحاول خلالها استطلاع أهمية مشروع كل فنان بالنسبة للبنان، ومدى تأثيره على العالم الخارجي كوننا سنعرضه في إيطاليا. لهذا الفرضية الأولى تكمن في كيفية الوصول إلى هذا المتلقى الغربي. فعندما يترك عمل الفنان صدى في الخارج، فهذا يساعد في تشجيع المتاحف على شراء أعمال الفنانين اللبنانيين. نحن وجميع الدول المشاركة في البينالي وبينها العديد من الدول العربية، هدفنا إلى إظهار المستوى الفني الذي يميز كل منا. بعد مشاركة وللسنة الثالثة على التوالي في بينالي الفن، يمكنني التأكيد بأننا نتمتع بمستوى فني يوازي مستويات الدول الكبرى.
○ المشاركتان السابقتان هل ساهمتا في شراء أعمال الفنان أو الفنانة من قبل متاحف عالمية؟
• نحرص على اختيار فنان حقق شهرة واسعة. فبينالي البندقية يحمل رسالة، وإضاءة على البلد المشارك فيه. والفنان الذي حقق شهرة من شأنه أن يستجيب لشرط الإضاءة على وطنه بشكل جيد، وكذلك يستقطب الإعلام من حوله. ففي مشاركة العام الماضي كانت للجناح اللبناني صفحة كاملة في جريدة الـ«فايننانشل تايمز». وكتبت الصحف بأننا في المرتبة الخامسة بين 90 دولة مشاركة في البينالي.
○ تجهيز الفنان نبيل نحّاس اعتمد عنوان «تعدد بلا حدود». كم يمثّل هذا العنوان واقع لبنان الحالي سياسياً واجتماعياً؟
• نبيل نحّاس ليس محباً للسياسة بالمطلق. بالتأكيد «تعدد بلا حدود» موضوع محوره اجتماعي ومن حوله تتفرع مواضع أخرى. شخصياً لم تكن لي معرفة بنبيل نحّاس، كان اللقاء الأول بيننا قبل أربع سنوات. ما جمعنا حيال «تعدد بلا حدود» هي الهوية اللبنانية التي مكنته من إنجاز هذه الأعمال. وبالتالي مكنتني من تفسيرها بالشكل الذي وصلك. إنها دلالة على الهوية الموحدة التي ننتمي إليها.
○ كم تتوقعين جدلاً وأسئلة بلا حدود ستتدفق أمام هذا التجهيز نظراً لكوننا حاملين لتراث عريق دمّرت معالمه المحسوسة حروب لا تنتهي في لبنان والمنطقة؟
• صحيح نحن نمتلك إرثاً غنياً جداً. عاش نبيل نحّاس بين الولايات المتحدة ولبنان. وأنا أواصل العيش في فرنسا منذ 40 سنة. لكننا معاً كبرنا في لبنان والموروث الذي بداخلنا يستحيل أن يُدمّر، حتى وأن اختلفنا كلبنانيين سنبقى إخوة.
○ هذا التمازج الرائع بين الحضارات والذي نجح نبيل نحّاس بالتعبير عنه في تجهيزه الكبير جداً بات تراثاً تحفظه الكتب ونتغنّى به. كيف نوصله للأجيال؟
• ربما تكون الحرب قد أبعدتنا نسبياً عن تراثنا، أنما يمكننا اليوم القول إن عملاً فنياً كالذي قدّمة نبيل نحّاس، يعيد تسليط الضوء على موروثنا الحضاري الغني والمتعدد. وقد يُحِثنا هذا التجهيز على التقدم وتغذية هذا الموروث من جديد.
○ كمفوضة عامة ترين ضرورة لإعلاء صوت الفن على صوت العنف وهو طموح غالبية الشعوب بالطبع. كيف السبيل إليه؟
• ليس من سبيل أمامنا سوى العمل والجهاد، وأن نحكي في الإعلام سرديتنا المناهضة للحروب. هنا بالتأكيد يلعب الإعلام دوراً كبيراً. الفن يشبه التربية الوطنية ويفترض أن يكون درساً يُحفّز الجميع. للصورة التي تقف فجأة أمام ناظرينا أن تترك أثرها الكبير، من هنا يأتي تأثير الفن كونه صورة متكاملة تدخل مباشرة إلى الموقع الحسّي لدى المتلقي، قبل أن تدخل إلى الرأس. لذلك أكرر بأن الفن تربية تشبه أي درس يتلقاه التلميذ. وفي الوقت عينه الفن مهنة أيضاً، ويشكل ثروة لبنانية علينا أن نحفظها.