إعادة قراءة معمقة في الدراما العائلية


تونس ـ «القدس العربي»: في إطار تظاهرة «مسرحهن» التي ينظمها المسرح الوطني للأوبرا بتونس ضمن فضاءات مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، احتضن مسرح المبدعين الشبان عرض مسرحية «الاغتراب» من إخراج إنتصار العيساوي، في عمل فني طويل امتد لحوالي الساعة والنصف، ونجح في أن يحوّل الركح إلى فضاء نفسي مشحون، يعكس هشاشة العلاقات الإنسانية وتصدّعات البنية العائلية في السياق المعاصر.

تقاطع الماضي مع الحاضر

منذ اللحظات الأولى، لا تقدم «الاغتراب» حكاية تقليدية تُروى بخط زمني مستقيم، بل تنسج عالما دراميا يتقاطع فيه الماضي مع الحاضر، وتتشابك فيه الذاكرة مع الواقع. فالزمن في هذا العمل ليس مجرد إطار للأحداث، بل هو عنصر فاعل يضغط على الشخصيات ويعيد تشكيلها. ويبدو أن المخرجة اختارت أن تجعل من العودة إلى الجذور رحلة محفوفة بالارتباك، حيث لا تقود الذاكرة إلى الطمأنينة، بل إلى انكشاف مؤلم لطبقات من الصمت والإنكار.
وتتمحور المسرحية حول شخصية علياء، المرأة التي تعود إلى بيتها الأصلي بعد غياب دام عشرين سنة في فرنسا. غير أن هذا الرجوع، الذي قد يبدو في ظاهره عودة إلى الحنين والانتماء، يتحول إلى مواجهة مباشرة مع ماض لم يُحسم. فالبيت الذي تستعيده ليس كما تركته، بل هو فضاء متحول، خال من دفء الماضي، ومثقل بآثار غياب طويل. لم يعد في هذا البيت سوى شقيقها إدريس وابنه رستم، وكأن العائلة تقلّصت إلى حدّها الأدنى، فاقدة بذلك توازنها القديم.
هذا التحول في الفضاء العائلي ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو جزء من الدلالة العميقة للعمل. فالبيت، الذي يفترض أن يكون رمز الأمان والاستقرار، يتحول هنا إلى مكان غريب، يفتقد إلى الحميمية، ويعكس في الآن ذاته اغتراب الشخصيات عن نفسها وعن بعضها البعض. إننا أمام فضاء لا يحتضن، بل يلفظ، ولا يوحد، بل يكرس التباعد.
تعود علياء مصحوبة بابنتها كارول، التي وُلدت في فرنسا وتحمل في داخلها آثار غياب الأب، وهو غياب لا يُقدم فقط كمعطى بيولوجي، بل كجرح نفسي ينعكس على نظرتها إلى العالم. تمثل كارول جيلاً جديداً يعيش حالة اغتراب مركّب: فهي ليست منتمية بالكامل إلى الثقافة التي نشأت فيها، ولا هي قادرة على الاندماج بسهولة في جذورها الأصلية. ومع ذلك، فإن حضورها في المسرحية لا يقتصر على تمثيل القطيعة، بل يفتح أيضاً أفقا لإمكانية إعادة بناء الروابط.
يتجلى هذا الأفق في العلاقة التي تنشأ بينها وبين رستم، ابن إدريس. فرغم التباعد الأولي بينهما، تنمو بين الشخصيتين ملامح تقارب إنساني، يوحي بأن ما تهدم في الجيل السابق قد يجد إمكانية للترميم في الجيل اللاحق. هذا التوازي بين جيلين، أحدهما غارق في الصراع، والآخر يبحث عن معنى للانتماء، يمنح العمل بعدا تأمليا يتجاوز الحكاية المباشرة.
غير أن القلب النابض للمسرحية يظل العلاقة بين علياء وشقيقها إدريس. هنا تبلغ الدراما ذروتها، حيث تتجسد سنوات الصمت والتراكمات في صراع مفتوح، لا يترك مجالاً للتهدئة. فالعلاقة بين الأخوين ليست مجرد خلاف عابر، بل هي بنية متكاملة من الأحقاد والخذلان وسوء الفهم. كل منهما يحمل روايته الخاصة، ويصرّ على التمسك بها، مما يجعل أي محاولة للتقارب تبدو مستحيلة.
يتحول الحوار بينهما إلى مواجهة حادة، حيث تتداخل اللغة مع العنف الرمزي، وتصبح الكلمات أدوات للجرح بدل أن تكون وسيلة للفهم. إننا أمام شخصيتين عاجزتين عن الاعتراف المتبادل، وعن تجاوز الماضي، وهو ما يجعل الصراع بينهما دائرياً، يعيد إنتاج نفسه دون أفق للحل.
ومن خلال هذا الصراع، تطرح المسرحية سؤالاً عميقاً حول طبيعة الروابط العائلية: هل يكفي الانتماء البيولوجي للحفاظ على العلاقة؟ أم أن العائلة، مثلها مثل أي علاقة إنسانية، تحتاج إلى جهد مستمر من الحوار والتسامح؟ يبدو أن «الاغتراب» تميل إلى الخيار الثاني، حيث تكشف أن غياب التواصل يحوّل أقرب العلاقات إلى أكثرها عنفا.
ولا تقف المسرحية عند حدود الصراع الظاهر، بل تغوص في أسبابه العميقة، المرتبطة بحدث مؤسس يتمثل في جريمة قتل، تحضر كخطيئة أصلية ألقت بظلالها على مسار العائلة. هذا الحدث، الذي يشكل نقطة الانكسار الكبرى، لا يُقدّم كواقعة معزولة، بل كجذر لكل ما تلاها من تفكك وانهيار. إنه أشبه بلعنة تلاحق الشخصيات، وتجعل من الماضي عبئاً لا يمكن التخلص منه.
في هذا السياق، يصبح عنوان «الاغتراب» أكثر من مجرد توصيف لحالة نفسية، بل يتحول إلى مفهوم شامل يطال العلاقة بالذات وبالآخر وبالمكان. فالاغتراب هنا ليس فقط جغرافياً أو ثقافياً، كما في حالة علياء وكارول، بل هو أيضاً اغتراب داخلي، حيث تفقد الشخصيات قدرتها على فهم نفسها وعلى التواصل مع محيطها.

التقشف والاختزال

على المستوى الجمالي، اختارت إنتصار عيساوي مقاربة تقوم على التقشف والاختزال. فالفضاء الركحي شبه خالٍ، لا يحتوي إلا على عناصر محدودة، ما يخلق إحساساً بالفراغ والاختناق في آن واحد. هذا الخيار ليس اعتباطياً، بل يخدم الرؤية الإخراجية التي تركز على الجوهر الإنساني بدل الزخرفة البصرية.
يلعب الضوء دوراً أساسياً في هذا البناء، حيث يُستخدم لتحديد الحالات النفسية ولإبراز التحولات الدرامية. فتغير الإضاءة لا يواكب فقط انتقال المشاهد، بل يساهم في خلق إيقاع داخلي يعكس توتر الشخصيات. أما الصمت، فيحضر بدوره كعنصر درامي لا يقل أهمية عن الكلام، حيث تصبح لحظات السكوت مشحونة بالدلالات، وكأنها تقول ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.
كما أن الأزياء والماكياج تم توظيفهما بوعي جمالي، ليعكسا الحالة النفسية للشخصيات. فالألوان، والخطوط، والتفاصيل، كلها تسهم في بناء صورة بصرية متكاملة، تعزز من الجو العام للعمل وتدعمه.
أما على مستوى الأداء، فقد قدّم الممثلون عروضاً قوية، اتسمت بالصدق والالتزام. لقد تمكنوا من تجسيد شخصيات معقدة، تحمل تناقضات داخلية واضحة، بدون الوقوع في المبالغة أو التصنع. وكان واضحاً أن العمل الجماعي بين المخرج والممثلين قد أثمر انسجاماً ملحوظاً على الركح، انعكس إيجاباً على جودة العرض.
وقد ساعد هذا الأداء على نقل المشاهدين إلى داخل التجربة، حيث لم يعودوا مجرد متفرجين، بل أصبحوا شركاء في المعاناة، يتابعون تطور الأحداث بتركيز وتعاطف. إن هذا النوع من المسرح، الذي يعتمد على الصدق العاطفي، ينجح في خلق علاقة مباشرة بين العمل والجمهور، وهي علاقة نادرة في زمن تتعدد فيه وسائل الترفيه.
ويُحسب للمسرحية أيضاً قدرتها على الحفاظ على إيقاع متوازن، حيث تتصاعد الأحداث تدريجياً دون أن تفقد تماسكها. فكل مشهد يبدو مرتبطاً بما قبله وما بعده، في بناء درامي محكم، يجعل من العرض تجربة متكاملة. ولا يمكن فصل هذا العمل عن سياقه ضمن تظاهرة «مسرحهن»، التي تسعى إلى إبراز حضور النساء في المشهد المسرحي، سواء في الإخراج أو التمثيل أو الكتابة. فاختيار «الاغتراب» ليكون ضمن برنامج الاختتام يعكس توجهاً نحو تقديم أعمال جادة، تحمل رؤية فنية واضحة، وتطرح أسئلة عميقة حول الإنسان والمجتمع.
إن هذه التظاهرة، التي ينظمها المسرح الوطني للأوبرا بتونس، لا تقتصر على عرض الأعمال، بل تفتح أيضاً فضاء للنقاش والتفكير في موقع المرأة داخل الحقل الثقافي، وفي طبيعة القضايا التي تطرحها من خلال إبداعها. ومن هذا المنظور، تأتي مسرحية «الاغتراب» كعمل يندرج ضمن هذا المسار، من دون أن يُختزل فيه، إذ يتجاوز البعد النسوي الضيق ليطرح إشكاليات إنسانية عامة.
فـ»الاغتراب» ليس مجرد عرض مسرحي، بل هو تجربة فكرية وعاطفية، تدعو إلى التأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية، وفي هشاشة الروابط التي نعتبرها بديهية. إنه عمل يضع المتفرج أمام مرآة، يرى فيها نفسه وعلاقاته، وربما يدفعه إلى إعادة التفكير في معنى العائلة، والذاكرة، والانتماء.
وبهذا المعنى، تنجح إنتصار العيساوي في تقديم عمل مسرحي متكامل، يجمع بين العمق الفكري والجمالية الفنية. ويؤكد أن المسرح، رغم كل التحديات، لا يزال قادراً على أن يكون فضاءً حياً للتفكير والإحساس، ومجالاً لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان في كل زمان ومكان.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *