إسرائيل وميزانية 2026.. نحو أزمة اقتصادية هي الأسوأ.. والحبل على الجرار


أعربت نخبة من الخبراء هذا الأسبوع عن قلق كبير إزاء ما وصفته بـ “متجر الحلوى” للسياسيين، برئاسة نتنياهو. هذا المتجر هو ميزانية الدولة للعام 2026، الذي يحصل فيه السياسيون على كل ما يشتهون: ميزانية أمن ضخمة، تخفيضات ضريبية تقدر بخمسة مليارات شيكل، ميزانية ائتلافية تقدر بنحو 6 مليارات شيكل.
كل ذلك من دون إجراء الإصلاحات الهيكلية الضرورية، ودون أي خطوات لكبح العجز، وبكلمات أخرى: دون أي ثمن. مثل الأطفال الصغار الذين يرغبون في أكل كل الحلوى دفعة واحدة متناسين ألم المعدة؛ هكذا تتم إدارة الميزانية في 2026: الجمع بين الإغراء والتملق. أين ثمن هذه الميزانية؟ موجود، مخفي عن عيون الجمهور، هو العجز الذي بلغ 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، والحبل على الجرار.
يطالب وزير المالية سموتريتش بتخفيض الضرائب عن المستوطنين بمبلغ 450 مليون شيكل، إضافة الى إعفاء ضريبي على الواردات الشخصية؛ بينما يطالب نتنياهو والبروفيسور آفي سمحون، رئيس المجلس الاقتصادي الوطني والمستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة، بدعم قروض السكن بمبلغ 2 مليار شيكل. ويفحص نتنياهو وسموتريتش دعم أسعار الوقود بمبلغ إضافي يقدر بمبلغ 500 مليون شيكل في الشهر.
إن إسراف السياسيين في سنة الانتخابات وإطالة مدة الحرب ووتيرة النفقات العسكرية، كل ذلك عوامل تنذر بتفاقم العجز. هذا عجز غير مسؤول يكلف إسرائيل 20 مليار شيكل في السنة، تبذر على فوائد القروض، وتقرب البلاد من خطر أزمة مالية.
في ظل الوضع الجيوسياسي المحفوف بالأخطار في إسرائيل، أصبح خطر الأزمة المالية أكبر من أي وقت مضى. من هنا تظهر الأهمية الكبيرة للحفاظ على احتياطات مالية كافية. مثلما في وحدات مخازن الطوارئ التابعة للجيش الإسرائيلي، التي يجب أن تكون مليئة في زمن الحرب، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تعتبر وحدة تخزين الطوارئ الاقتصادية لإسرائيل، وقد خدمتنا بإخلاص في السنوات الثلاث الأخيرة.
الحكومة تفعل عكس المطلوب تماماً
دخلت إسرائيل الحرب في 7 أكتوبر 2023 بعجز منخفض جداً، وبنسبة دين منخفضة تاريخياً إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 60 في المئة. وقد مكنها هذا من الصمود لسنتين ونصف من الحرب دون الوقوع في أزمة اقتصادية. وكتب بنك إسرائيل بلغة متحفظة: “دخلت إسرائيل الحرب بنسبة دين تبلغ 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي – وهو ما يمثل هامشاً مالياً سمح للاقتصاد بالتعامل مع سنتي حرب من دون فقد ثقة الأسواق. إن الارتفاع الحاد في نسبة الدين أثناء الحرب يظهر أهمية الحفاظ على هامش مالي للطوارئ”.
لكن سنتين ونصف سنة من الحرب، بميزانية متواضعة جداً، أزالت “الهامش المالي للطوارئ”، ويبلغ الدين العام في الوقت الحالي 68.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وحسب بنك إسرائيل، الذي يبدو أنه قلق جداً من انتهاء هذه السنة بعجز يتجاوز 5.1 في المئة، قد تصل نسبة الدين العام من الناتج المحلي إلى 70 في المئة في هذه السنة.
وقال بنك إسرائيل محذراً: “أظهرت أحداث السنوات الأخيرة بأن الأخطار الأمنية قد تتحقق وتؤدي إلى ارتفاع نسبة الدين العام بسرعة”. إن البيئة الجيوسياسية التي أوجدتها عملية “زئير الأسد” تقلل من الأخطار التي تهدد النشاط الاقتصادي، على الأقل على المدى القريب، وتحتاج إدارة دقيقة لإطار الميزانية.
لذلك، “من المهم الحد من زيادة العجز بقدر الإمكان، للتمكن من العودة إلى مسار يؤدي إلى نسبة دين أقل من السنة الحالية، ما سيخفف من عبء دفعات الفائدة ويتيح مرونة مالية في التعامل مع الصدمات المستقبلية”.
وقد أرفق بنك إسرائيل التحذير بسلسلة توصيات. ما الذي يجب فعله لضمان بقاء ميزانية الدولة للعام 2026 ميزانية مسؤولة، تتيح لإسرائيل النمو والاستعداد للصدمات المستقبلية المحتملة؟ من بين التوصيات خفض مخصصات الائتلاف، والامتناع عن توسيع نطاق الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على الواردات الشخصية، وخفض الضرائب (مع مراعاة هامش ضريبة الدخل). في المقابل، يوصي البنك بالنظر في زيادة الضرائب.
“لعكس اتجاه منحى ارتفاع الدين في المستقبل، دون الإضرار بالنفقات التي تدعم النمو طويل الأجل، من المرجح أن تكون حاجة إلى اتخاذ خطوات لزيادة المداخيل”، هذا حسب البنك المركزي، الذي كتب “إن الموافقة على زيادة هدف العجز مع إبقاء شرائح الضرائب مفتوحة أمام الربح، الأمر الذي يؤثر بشكل دائم على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، تتعارض مع هذه الحاجة”. بكلمات أخرى، يقول بنك إسرائيل بوضوح إن الحكومة تفعل عكس المطلوب تماما.
بالطبع، يوصي بنك إسرائيل بعبارة صريحة بكبح النفقات الأمنية. “يجب اعتماد مسار واضح وموثوق للنفقات الأمنية، مسار يلبي من جهة الاحتياجات الأمنية، ومن أخرى يتيح المجال لاستثمارات إضافية في البنى التحتية المدنية. مطلوب قرار حكومي واضح بشأن ميزانية الدفاع الثابتة على المدى المتوسط، بناء على تقييم الأخطار الجيوسياسية، مع مراعاة التداعيات الاقتصادية – الاجتماعية لتقليص الميزانية المدنية أو رفع الضرائب”.
ويشير تعليق بنك إسرائيل هذا إلى حقيقة أن رئيس الحكومة لا يكتفي بعدم كبح النفقات الأمنية، بل من غير الواضح حتى ما هي هذه النفقات وكيف يتم تحديدها. بدلاً من تبني توصيات لجنة مراجعة ميزانية الدفاع (لجنة ناغل) للعقد القادم، حدد نتنياهو نفسه ميزانية الدفاع أعلى بثلاثة أضعاف. ولم يتم اعتماد هذا التوجيه رسمياً في قرارات الحكومة. ببساطة، أعلن رئيس الحكومة رقم – 350 مليار شيكل في العقد – وتم توجيه النظام كله حسب هذا الرقم.
كل الوزراء يحصلون على ما يريدون
ما الذي حدث لكل التوصيات المهمة لبنك إسرائيل؟ لا شيء. نتنياهو فتح متجر الحلوى بهجمته الشرسة على ميزانية الدفاع وتصميمه على الحفاظ على أموال الائتلاف، وهكذا حدد مسار وزراء الحكومة كلهم، وعلى رأسهم وزير المالية سموتريتش. الحكومة في زمن حرب شاملة مع إيران غارقة في أجواء اليأس، حيث يحصل كل الوزراء على ما يريدون – كل شيء – على حساب زيادة لا يمكن السيطرة عليها في العجز. ففي حين أظهرت الحكومة في 2024 و2025 مسؤولية ورفعت الضرائب في محاولة لتقليل العجز، لكنها في 2026، سنة الانتخابات، لم تبذل أي محاولة مشابهة، بل العكس تماما.
النتيجة: ميزانية كارثية، تقرب إسرائيل بخطوات ضخمة من خطر الأزمة المالية. صحيح أن الميزانية السيئة أثناء الحرب أفضل من عدم وجود ميزانية؛ فالفجوة بين إطار ميزانية 2026 والميزانية الحالية هي 93 مليار شيكل، وهي فجوة لا تسمح بإدارة شؤون دولة لا سيما في زمن الحرب- ولكنها ميزانية سيئة جداً.
الأمر المؤسف هو أن لا أحد يهتم. نتنياهو، الذي كان يتفاخر ذات يوم بلقب “خبير الاقتصاد” إلى جانب “السيد أمن”، أدرك أن لا أحد يصوت في صناديق الاقتراع بناء على نسبة العجز في الميزانية. لذلك، تنازل كلياً عن رعاية الاقتصاد الإسرائيلي. لا يهمه وصول الدين الى 70 أو 80 في المئة ما دام يحافظ على الائتلاف بمساعدة أموال الائتلاف، ويسوق صورة “خبير الأمن” واستمرار الحرب بلا قيود من خلال ميزانيات دفاع لا تنتهي.
لم يعد يهتم لحقيقة أن كل ذلك قد يؤدي الى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي؛ فهو يراهن على عدم اندلاع أزمة اقتصادية قبل الانتخابات، وبعدها، حسب رأيه، ليحل الطوفان. الناخب الإسرائيلي الذي يتجاهل نسبة العجز ونسبة الدين عند التصويت هو الذي سيدفع ثمن ذلك.

ميراف أرلوزوروف
هآرتس/ ذي ماركر 30/3/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *