لندن ـ «القدس العربي»: قصفت إسرائيل حقل غاز بارس الإيراني الضخم في أول غارات جوية مُعلنة على البنية التحتية للطاقة الإيرانية في الخليج خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية، وهو تصعيد خطير دفع طهران إلى تحذير جيرانها من أنها ستستهدف منشآت الطاقة فيها “.
وحقل بارس في إيران هو من أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، والذي تتشاركه إيران مع قطر عبر الخليج من خلال حقل الشمال القطري.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن عدداً من المنشآت التابعة لحقول الغاز في “بارس الجنوبي”، في منطقة عسلويه الطاقية، تعرّضت لهجمات صاروخية، الأربعاء، فيما سُمع دوي انفجارات قوية في المنطقة.
وذكرت وكالة “فارس” أن بعض الخزانات ومحيط منشآت الغاز، ضمن مراحل مختلفة من مصافي عسلويه، تعرّضت للقصف، مشيرة إلى أن الهجمات طالت مراحل في المصافي من رقم 3 إلى 6.
وأوضحت أنه تم إجلاء العمال إلى مكان آمن وبأن فرق الإطفاء تعمل على إخماد حريق
قصف إسرائيلي بموافقة أمريكية
وذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن إسرائيل نفذت الهجوم بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية.
وحسب القناة 12 العبرية، فإن منشأة عسلوية المستهدفة داخل الحقل تعد أكبر مصنع للبتروكيماويات في إيران، وهي مختصة بمعالجة الغاز الطبيعي.
ونقلت القناة عن مصدر إسرائيلي (لم تسمه) أن “الهجوم تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعطت موافقتها على هذه الخطوة”، على حد قوله. وأضافت أن الضربة استهدفت جزءا من المنشأة فقط، ما اعتبرته “رسالة” إلى إيران.
كذلك، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، أن الهجوم استهدف منشأة غاز في مدينة بوشهر جنوبي إيران. وأشارت إلى أنه يعد أول قصف إسرائيلي من نوعه يستهدف البنى التحتية الاقتصادية في إيران.
فيما نقلت صحيفة “معاريف” العبرية، عن مصادر إسرائيلية بارزة (لم تسمها) قولها أن “استهداف البنى التحتية المدنية في إيران تصعيد كبير”. وأضافت أن “استهداف منشآت الغاز الطبيعي التابعة لحقل بارس الجنوبي البحري، ومصافي النفط ومنشأة الغاز في بوشهر هو تصعيد خطير، لأنه يضر بالقدرة الإنتاجية للغاز الإيراني، ويعمق الضغط على النظام فيها”.
قطر: خطوة إسرائيلية خطرة
وقال متحدث الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، الأربعاء، إن استهداف إسرائيل منشآت مرتبطة بحقل “بارس الجنوبي” للغاز في إيران يعد “خطوة خطرة وغير مسؤولة”، في ظل التصعيد العسكري في المنطقة.
وأوضح الأنصاري في تدوينة على منصة شركة “إكس” الأمريكية أن “الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران والذي يمثل امتداد لحقل غاز الشمال في قطر، هو خطوة خطرة وغير مسؤولة، في ظل التصعيد العسكري الراهن في المنطقة”. وشدد على أن “استهداف البنية التحتية للطاقة يُعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها”.
وقال: “نؤكد كما أكدنا مراراً على ضرورة تجنب استهداف المنشآت الحيوية، وندعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والالتزام بالقانون الدولي، والعمل على خفض التصعيد بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة”.
الإمارات تصعيد يهدد أمن الطاقة العالمي
اعتبرت الإمارات، الأربعاء، أن استهداف منشآت الطاقة المرتبطة بحقل “بارس الجنوبي” في إيران، يمثل تصعيدا خطيرا يهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار المنطقة.
وقالت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان، إن استهداف منشآت الطاقة المرتبطة بحقل “بارس الجنوبي” في إيران، والذي يعد امتدادا لحقل “الشمال” في قطر، يشكل “تصعيدا خطيرا”.
وأكدت أن استهداف البنية التحتية لقطاع الطاقة يمثل تهديدا مباشرا لأمن الطاقة العالمي، ولأمن واستقرار المنطقة وشعوبها.
وأضاف البيان أن مثل هذه الهجمات قد تترتب عليها تداعيات بيئية جسيمة، كما قد تعرض المدنيين وأمن الملاحة والمنشآت المدنية والصناعية الحيوية لمخاطر مباشرة.
وشددت الإمارات على ضرورة تجنب استهداف المنشآت الحيوية تحت أي ظرف، مؤكدة أهمية الالتزام بالقانون الدولي والعمل على صون الأمن والاستقرار في المنطقة.
الحرس الثوري: تهديد لمنشآت الجوار
وسارع الحرس الثوري الإيراني إلى مطالبة السعودية والإمارات وقطر بإخلاء عدد من منشآت الطاقة لوجود مصالح أمريكية فيها.
ووجهت إيران تحذيرها إلى مصفاة سامرف ومجمع الجبيل للبتروكيماويات في السعودية وحقل الحصن للغاز في الإمارات ومجمع مسيعيد للبتروكيماويات وشركة مسيعيد القابضة ومصفاة رأس لفان في قطر.
ونقلت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية عن السلطات قولها “أصبحت هذه المراكز أهدافا مباشرة ومشروعة، وستتعرض للاستهداف في الساعات المقبلة. لذلك، يطلب من جميع المواطنين والمقيمين والموظفين مغادرة هذه المناطق فورا والانتقال إلى مكان آمن دون أي تأخير”.
وأفاد مصدر مطلع لرويترز يوم أمس بأنه يجري إخلاء منشآت الغاز الطبيعي المسال في راس لفان في قطر، وذلك عقب التهديد الإيراني.
توقف تدفق الغاز الإيراني إلى العراق
وبعد القصف الإسرائيلي أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، الأربعاء، عن توقف تدفق الغاز الإيراني ما أثر على إنتاج الكهرباء بشكل كبير، حيث تسبب بخروج نحو 3100 ميغاواط عن الخدمة.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن متحدث الوزارة أحمد موسى، قوله، “إنه نتيجة تداعيات التطورات في المنطقة، توقفت قبل ساعة تدفقات الغاز الإيراني إلى العراق بشكل كامل، ما تسبب بخروج نحو 3100 ميغاواط عن الخدمة”.
وأشار إلى أن تم الإيعاز “برفع حجم التنسيق مع وزارة النفط لتعويض نقص الغاز المفقود من الوقود البديل والمناورة بالغاز الوطني”.
وتابع أن “فقدان 3100 ميغاواط سيؤثر على المنظومة بالتأكيد وكنا نستعد بشكل جيد لأن تكون محطاتنا جاهزة قبل موسم الذروة (الصيف)”.
ويعتمد العراق بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطاته الكهربائية، خاصة في الجنوب، وهذا يجعل البلاد عرضة للتأثر بأي تقلبات في إمدادات الغاز من إيران.
وتزود إيران العراق بنحو 50 مليون متر مكعب من الغاز يوميا، بما يغطي نحو ثلث احتياجات البلاد، وهو ما يكفي لإنتاج نحو 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء يوميا.
اضطراب سوق النفط
وبعيد الضربة الإسرائيلية ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من ستة في المئة لتصل إلى ما يقرب من 110 دولارات للبرميل خلال الجلسة.
وأوقفت قطر إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بالكامل بسبب الحرب، مما أدى إلى خفض 20 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وقد يؤدي أي ضرر يلحق بالمنشآت إلى تمديد الانقطاع إلى ما بعد شهر مايو أيار.
وتنتج إيران الغاز الطبيعي من حقل بارس الجنوبي البحري الذي يوجد به نحو ثلث أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم.
وورد في بيانات منتدى الدول المصدرة للغاز أن العقوبات والقيود التقنية أدت إلى أن يكون معظم الغاز الذي تنتجه طهران من حقل بارس الجنوبي مخصصا للاستخدام المحلي. وبلغ إجمالي إنتاج إيران من الغاز 276 مليار متر مكعب في 2024 جرى استهلاك 94 بالمئة منه في إيران.
وتمتلك إيران 43 حقلاً غازياً، ويُعد “بارس الجنوبي” الأهم بينها “.
وكانت مصفاة الغاز رقم 14 في حقل “بارس الجنوبي” تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة اصطدمت بأحد مرافق التكرير، وسبَّبت انفجاراً كبيراً، خلال الحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران 2025 التي استمرت 12 يوما.
وفي تطور أخر ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مبنى يقع على بعد 350 مترا من مفاعل محطة بوشهر النووية الإيرانية تعرض لهجوم أدى إلى تدميره.
وقال رافائيل غروسي المدير العام للوكالة إنه لم يلحق أي ضرر بالمفاعل نفسه ولم يصب أي من العاملين فيه بأذى.
مضيق هرمز والحل المنشود
وفي ظل تصاعد مراحل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إن الصراع في الشرق الأوسط يُعطل جزءا كبيرا من إمدادات الطاقة العالمية، وقد تسبب في أشد أزمة طاقة منذ 40 عاما.
وأضاف “يؤثر الصراع الحالي في الشرق الأوسط على ما لا يقل عن 20 مليون برميل يوميا. وهذا هو حجم النفط ومشتقاته الذي كان يمر عبر مضيق هرمز يوميا قبل 19 يوما فقط”.
كذلك قالت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية إن موسكو تعتقد أن استئناف حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز لا يمكن تحقيقه إلا من خلال المفاوضات.
وعلى الضفة الأخرى أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته أن الدول الأعضاء تجري محادثات حول “أفضل طريقة” لإعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره عادة جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.
وقال روته في مؤتمر صحافي الأربعاء خلال زيارة لمناورات تابعة للحلف في شمال النروج “أنا على اتصال بالعديد من الحلفاء. نتفق جميعا، بالطبع، على ضرورة إعادة فتح المضيق. وما أعرفه هو أن الحلفاء يعملون معا، ويناقشون كيفية القيام بالأمر، وما هي أفضل طريقة”.
أضاف “هم يناقشون ذلك جماعيا، لإيجاد طريقة للمضي قدما”.
وحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاء بلاده على إرسال سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الذي تغلقه إيران بشكل شبه كامل منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها. لكن هذه الدعوة لم تلق تجاوبا، وأكدت دول أساسية في الحلف أن الناتو غير معني بهذه الحرب.
وأثار ذلك امتعاض الرئيس الأمريكي الذي قال الثلاثاء إن بلاده لم تعد بحاجة الى مساعدة لتأمين المضيق، لكنه ندد بارتكاب دول الناتو “خطأ غبيا” من خلال عدم المشاركة.
كما سبق لترامب أن حذّر من مستقبل “سيئ للغاية” للحلف في حال عدم التجاوب مع مطلبه بتأمين المضيق.