الضفة الغربية – «القدس العربي»: صدمةٌ كبيرةٌ دخلتها قريةُ قريوت جنوب مدينة نابلس بعد أن أفاقت على جريمة قتل ارتكبها مستوطنون إسرائيليون وجندي في جيش الاحتلال، راح ضحيتها مواطنان خمسينيان (شقيقان)، فيما أُصيب شقيقٌ ثالث بأربع إصابات، وحالته متوسطة.
وحسب شهود عيان تحدَّثوا لـ»القدس العربي»، فإنَّ المستوطنين المتطرِّفين عادوا إلى أطراف القرية على شكل مجموعة وبرفقتهم جنديّ احتلاليّ بزيِّ الجيش، وذلك بعد أن تمكَّن الأهالي من طرد مستوطنٍ كان يقوم بعملية تجريف أراضي المواطنين وحيدًا، وأطلقوا النار بشكلٍ جنونيٍّ على المواطنين.
وتواجه القرية المُحاصَرة منذ سنوات أوسعَ عمليات سيطرة على الأراضي وتجريفٍ، وسط توسُّعٍ استيطانيٍّ متسارع.
وتحدَّث أدهم الجوهري، منسِّق ملفّ الاستيطان في المجلس القروي، وهو يعمل ضابط إسعاف، عن ظروف استشهاد الشقيقين الخمسينيين: «مع ساعات الظهيرة انتشر في القرية خبر قيام جرافة يقودها مستوطن بتجريف أراضي المواطنين على أطراف المنطقة الجنوبية للبلدة، وبالتالي تجمَّع الأهالي وانطلقوا لردع المستوطن وطرده، وهو ما تمَّ فعليًّا».
وأضاف الجوهري: «هرب المستوطن بجرافته، وعاش الأهالي سعادةً بسيطة، لكن بعد ما يقرب من ربع ساعة تجمَّع المستوطنون واقتحموا البيوت بالقرب من منطقة التجريف، وكان برفقتهم جنديٌّ إسرائيلي».
وأضاف: «كان الوضع جنونيًّا، فمع وجود جنديٍّ مسلَّح ومستوطنين مسلَّحين بدأوا بإطلاق النار العشوائي، وفي الوقت نفسه أُصيب الشقيقان، في اللحظة نفسها وبالثانية نفسها، وكانوا أمام منازلهم برفقة المواطنين الذين دافعوا عن أراضيهم».
وشدَّد على أنَّ الجريمة لا يمكن وصفها؛ سقط الشقيقان وهما يقفان في محاولة الدفاع عن منازلهما وأرضهما، أمَّا شقيقهما الثالث فقد أُصيب بأربع رصاصات، حيث وُصفت حالته بالمتوسطة.
وأعلنت وزارة الصحة استشهاد الشقيقين محمد طه عبد المجيد معمر (52 عامًا) إثر إصابته برصاصة في الرأس، وشقيقه فهيم (47 عامًا) إثر إصابته برصاصة في الحوض، خلال هجوم المستوطنين.
وأفادت جمعية الهلال الأحمر أنَّ طواقمها تعاملت مع إصابة مواطن بالرصاص الحيِّ في الرأس (53 عامًا)، وآخر (47 عامًا) أيضًا في الرأس، وشاب (30 عامًا) في الكتف، وآخر (32 عامًا) في الركبة، إضافةً إلى إصابة طفل (15 عامًا) بالرصاص الحيِّ في الكتف.
أخطبوط استيطاني
وتقع البلدة، التي تواجه أخطبوطًا استيطانيًّا، بين تلال جنوب نابلس، وهي منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 تعيش تسارعًا في وتيرة الهجمة الاستيطانية، حيث تحوَّلت القرية إلى «جزيرةٍ مُحاصَرة»، ولم يتبقَّ لأهلها سوى أقل من 10% من أراضيهم.
وتمتدُّ القرية على مساحة تقارب 8000 دونم، واليوم يُحكم الاحتلال قبضته على أكثر من 7200 دونم، جرى ضمُّها فعليًّا إلى مستوطنات «عيليه»، و»هيوفال»، و»شيلو»، و»شفوت راحيل»، إضافةً إلى سلسلة من البؤر الاستيطانية الرعوية.
وبدوره وصف الجوهري القرية أنَّها تعيش وضعًا صعبًا للغاية: «صدمةٌ لا يمكن تخيُّلها، الهجمة الاستيطانية اليوم كانت في منطقةٍ حيويةٍ جدًّا، فيها عدد سكان كبير ومنازل كثيرة. صحيح أنَّ هناك بيتًا يقع بعيدًا نسبيًّا، لكن المنطقة كلَّها تقع في مناطق مصنَّفة «ب».
وأضاف: «لقد سحبت الشهداء بنفسي، وكان الرصاص يُطلق عشوائيًّا. نقلناهم بسيارة الإسعاف، ولم نتمكَّن من تقديم الإسعاف الأوليِّ لهم في الميدان لغزارة النيران. نقلناهم إلى المركز الطبي في بلدة قبلان المجاورة، وهناك كانوا قد فارقوا الحياة».
الاحتلال يعتقل 44 فلسطينيا بينهم أطفال وأسرى محررون
وتابع: «المستوطنون انسحبوا من المنطقة، أمَّا الجيش فما زال في المكان، يُطلق الغاز السام على المواطنين ويُحاصر منازل الشهداء».
وعلى مدار سنوات، استولت سلطات الاحتلال على مساحاتٍ شاسعةٍ من أراضي قريوت لصالح إقامة المستوطنات عليها، حيث أنشأت مستوطنة «شيلو» عام 1978 جنوبًا، ثم مستوطنة «عيليه» بعد ذلك بستة أعوام إلى الغرب منها، وتمتدُّ على تسع تلال، ثم مستوطنة «شفوت راحيل» شرقها عام 1995، علاوةً على أربع بؤر استيطانية، وهي: «هيوفال»، و«جيفعات أرائيل»، و»كيدا»، و»عادي عاد»، وجرى ربطها بطريقٍ استيطانيٍّ من أراضي القرية.
وبدوره قال القيادي في حركة «حماس» عبد الرحمن شديد في تصريح إنَّ الهجوم الذي نفَّذته ميليشيات المستوطنين على قرية قريوت وما رافقه من إطلاق نار مباشر وحرقٍ للمركبات، ما أدَّى إلى استشهاد مواطنين إضافةً إلى عددٍ من الإصابات، «يمثّل جريمة منظَّمةً تجري تحت حماية قوات الاحتلال، ويعكس تصعيدًا خطيرًا في سياسة إطلاق يد المستوطنين للاعتداء على أبناء الشعب الفلسطيني».
وأضاف أنَّ «هذه الهجمات تأتي ضمن سلسلة اعتداءاتٍ ممنهجة تستهدف القرى والبلدات في الضفة الغربية، بالتوازي مع اقتحامات الاحتلال اليومية، في إطار سياسة العقاب الجماعي والترهيب، مؤكِّدًا أنَّها لن تنال من عزيمة وثبات أبناء الشعب».
وفي الخليل، أصيب شاب برضوض وكدمات، بعد أن اعتدى مستوطنون عليه بالضرب المبرح، في الوقت الذي اعتقلت فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي شقيقين، في مسافر يطا جنوب المدينة.
وقال الناشط ضد الاستيطان أسامة مخامرة لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» إن قوات الاحتلال اعتقلت الشقيقين أحمد ومحمد إسماعيل إبراهيم العدره، عقب هجوم شنه مستوطنون على منطقتي رجوم اعلي وخلة عميرة بمسافر يطا، واعتداءهم بالضرب على المواطن حبيب العدره ما تسبب بإصابته برضوض وكدمات، حيث نقلته طواقم إسعاف الهلال الأحمر إلى مستشفى يطا الحكومي ووصفت إصابته بالمتوسطة.
مستعمرون يعتدون على طفل ويجبرون رعاة الماشية على ترك المراعي شرق طوباس
وفي طوباس، اعتدى مستوطنون على طفل كما أجبروا رعاة الماشية على ترك المراعي القريبة من خيامهم في خربة يرزا، شرق طوباس.
وأفاد رئيس مجلس قروي التجمع مخلص مساعيد، أن مستوطنين اعتدوا على رعاة الماشية أثناء رعيهم مواشيهم في المراعي، وأصابوا طفلا برش غاز الفلفل عليه.
كما أجبروا رعاة الماشية على ترك المراعي القريبة من خيامهم في المنطقة.
اقتحام مخيم عسكر
وفي السياق ذاته، أُصيب شاب (18 عامًا) بالرصاص الحيِّ في الفخذ خلال اقتحام قوات الاحتلال مخيَّم عسكر القديم شرق نابلس.
وتواصل قوات الاحتلال اقتحامها للمخيَّم، حيث داهمت منازل عدَّة هناك، وقامت بتفتيشها، وتجري تحقيقاتٍ ميدانيةً مع المواطنين.
وفي القدس، أُصيب مواطنان واحترق منزل خلال اقتحام قوات الاحتلال مخيَّم قلنديا وبلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة.
وفي سلفيت، حوَّلت قوات الاحتلال منزلًا في قرية حارس غرب سلفيت إلى ثكنةٍ عسكرية، بعد أن أصدرت قرارًا بـ»وضع اليد» عليه وأجبرت سكَّانه على إخلائه.
وأفادت مصادر محلية أنَّ المنزل يعود للمواطن أمجد عثمان داوود، ويقع في الحارة الشرقية من القرية، حيث أُبلغت العائلة بقرار الاستيلاء على المنزل حتى يوم غد، قبل أن تتمركز القوات داخله منذ ساعات المساء.
وفي بيت لحم، شرعت قوات الاحتلال بتجريف الأراضي الزراعية في منطقة واد الحمص القريبة من بلدة دار صلاح وقرية الخاص شرق بيت لحم، وهي مزروعةٌ بأشجار الزيتون وتقع خلف جدار الفصل والتوسُّع العنصري، وتُقدَّر مساحتها بـ20 دونمًا، وتعود لمواطنين من بلدة صور باهر المقدسية.
اعتقالات
ميدانيًّا، اعتقلت قوات الاحتلال 44 مواطنًا من محافظات الضفة الغربية، بينهم 9 أطفال وفتاة وأسرى محرَّرون، خلال اقتحاماتٍ متفرِّقةٍ طالت عددًا من المدن والبلدات والمخيَّمات.
ففي محافظة رام الله والبيرة، اعتقلت قوات الاحتلال 12 مواطنًا بينهم 9 أطفال، وفي محافظة طولكرم اعتقلت القوات 7 مواطنين، وفي محافظة نابلس اعتقلت 8 مواطنين، وفي محافظة قلقيلية اعتقلت 4 مواطنين بينهم فتاة، وفي محافظة الخليل اعتقلت 13 مواطنًا.
وفي وقت لاحق اعتقلت قوات الاحتلال ثلاثة شبان من قرية المغيّر، شمال شرق رام الله.
وأفادت مصادر محلية لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، أن قوات الاحتلال اعتقلت الشقيقين محمد وعمر شحادة كعابنة، والشاب محمد خميس أبو عليا.
وأضافت المصادر، أن آلية تابعة للاحتلال طاردت مركبة يقودها المواطن معاذ رسمي أبو عليا، ما أدى إلى تعرضه لحادث سير، قبل أن يحتجزه جنود الاحتلال.
وذكرت المصادر ذاتها، أن قوات الاحتلال أطلقت قنابل الغاز السام المسيل للدموع صوب منازل المواطنين، دون أن يبلغ عن إصابات، كما أعاقت حركة تنقل المواطنين عند المدخل الغربي للقرية.
وبدوره قال «نادي الأسير الفلسطيني» إنَّ قوات الاحتلال الإسرائيلي شنَّت عمليات اعتقالٍ واسعةٍ في محافظات الضفة طالت (85) مواطنًا على الأقل، بينهم ثلاث سيدات وأطفال وأسرى سابقون.
وأوضح النادي أنَّ عمليات الاعتقال توزَّعت على غالبية محافظات الضفة، وذلك تزامنًا مع إعلان الاحتلال رفع وتيرة الاعتقالات خلال شهر رمضان، والتي بلغت منذ بدايته نحو (200) حالة اعتقال.
وأشار النادي إلى أنَّ قوات الاحتلال تواصل انتهاج سياساتٍ تصعيديةٍ خلال عمليات الاقتحام والاعتقال، أبرزها سياسة «التحقيق الميداني»، والتي باتت تُشكِّل السياسة الأبرز في مختلف محافظات الضفة دون استثناء. وتتضمَّن هذه السياسة اقتحام المنازل، وإجبار العائلات على الخروج منها، وتنفيذ عمليات ترهيبٍ وتخريبٍ وتدميرٍ داخل المنازل، قبل تنفيذ الاعتقال أو الاحتجاز لاحقًا.
وأشار «نادي الأسير الفلسطيني» إلى تصاعد وتيرة اعتقال الأطفال مؤخرًا، حيث شهدت عمليات الاعتقال الأخيرة استهدافًا متزايدًا للقاصرين، في إطار سياسةٍ ممنهجةٍ تطال مختلف الفئات العمرية.
وبدوره حذَّر «نادي الأسير الفلسطيني» من خطورة ما وصفه بـ»استفراد إدارة سجون الاحتلال بالأسرى الفلسطينيين»، في ظلِّ استمرار فرض حالة الطوارئ، واستغلال انشغال المجتمع الدولي بالتطوّرات العسكرية والحرب الدائرة مع إيران، ما يُفاقم أوضاع الأسرى ويزيد من حجم الانتهاكات المرتكبة بحقِّهم داخل السجون.
وقال المتحدِّث الرسمي باسم النادي، أمجد النجار، إنَّ إدارة السجون صعَّدت خلال الفترة الأخيرة من إجراءاتها القمعية عبر تشديد القيود على الحركة داخل الأقسام، وتقليص ساعات «الفورة»، إلى جانب تكثيف عمليات التفتيش القمعية، والنقل التعسّفي، وفرض العقوبات الجماعية. وأوضح أنَّ هذه السياسات تأتي ضمن نهجٍ ممنهجٍ يهدف إلى عزل الأسرى عن العالم الخارجي وفرض مزيدٍ من الضغوط النفسية والجسدية عليهم.
وشدَّد البيان على أنَّ انشغال العالم بالحرب على إيران لا ينبغي أن يكون غطاءً لتصعيد الانتهاكات داخل السجون، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمُّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه آلاف الأسرى الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال ومرضى، يواجهون أوضاعًا إنسانيةً متدهورةً في ظلِّ نقص الرعاية الطبية، وتراجع كميات الطعام، وانتشار الأمراض، خاصةً في الأقسام المكتظَّة.