أيّ سلامة للفلسطينيين تحت الاحتلال ووقت الحرب؟


رام الله- «القدس العربي»: يبدأ دليل «درب السلامة» المخصص للاستعداد والحماية لمواجهة النزاعات، والصادر عن «مؤسسة ريفورم» الفلسطينية، بالبيت الشعري الأكثر حضوراً في الاستخدامات اليومية للفلسطينيين، وهو للشاعر محمود درويش ونصه: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
يقول الدليل، الذي أُعيد نشره على إيقاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وسقوط الصواريخ وشظاياها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن «الحماية المجتمعية مسؤولية مشتركة، تنطلق من وعي الأفراد بالمخاطر وقدرتهم على اتخاذ قرارات واعية في لحظات الخطر».
في المقابل، يعكس الواقع الميداني تناقضاً واضحاً مع تلك الدعوة، ويتجلى ذلك في تسلّق الأسطح بشكل جماعي لمراقبة الصواريخ الإيرانية المتجهة نحو أهداف إسرائيلية، وكذلك في مشاهد الاحتشاد أمام محطات بيع البنزين وتعبئة الغاز، والتهافت على شراء مواد التموين الأساسية، في دلالة على حالة من التباين بين ذعر وخوف دفين ومعلن يدفعان إلى انتشار رغبات امتلاك مقومات الحياة، وبين لامبالاة واضحة ومعلنة في السلوك اليومي للمواطنين في بقعة جغرافية تعيش تحت الاحتلال، وبالتالي تفتقد إلى كافة مقومات الصمود والتحكم بالموارد.

لا توجد ملاجئ

يعقب الناشط الشبابي لؤي مجدي، من مدينة جنين، على تلك المفارقة اليومية بالإشارة إلى أن عدم وجود ملجأ أو أي بنية تحتية للحماية في مكان يعيش حالة صراع دائم انعكس إلى حالة ضدية، أي أصبحنا نرى مشاهد تصوير الصواريخ ومراقبتها أثناء وصولها وسقوطها.

نشطاء وباحثون يتحدثون لـ»القدس العربي»: أين الجبهة الداخلية؟

يقول الناشط مجدي لـ»القدس العربي»: «يفتقد الفلسطينيون جبهتهم الداخلية في ظل الحروب التي تتم على أراضيهم المحتلة ولا تفارقهم، وهم في ذلك يواجهون معاناتهم بالسخرية. إنهم يمارسون مفارقات واضحة، يرحبون بالصواريخ من على الأسطح، رغم أنها خطرة عليهم، في مشهد عبثي مليء بالأماني، كما أنهم يحتشدون أمام محطات البترول ويتعاركون. كيف يمكن تحليل هذه المفارقة في الواقع الفلسطيني؟».
ويتابع: «كما أنك ترى وسائل إعلام محلية تقدم لك تعليمات السلامة الممولة من برنامج دولي أو مؤسسة مجتمع مدني، تقدم لنا خطاباً يثير الشفقة وكأننا نمتلك ملاجئ مثلاً أو لدينا إمكانيات للنجاة».
ويشدد: «كل نصائح السلامة تتحول إلى مسألة تثير الشفقة والنكتة والمفارقات كلها، وكأننا نسيطر على واقعنا. فمن يقول لك إنه عليك أن تحتفظ في علبة طوارئ بالأوراق الثبوتية، عليه أن يخبرك قبل ذلك أين يجب أن تكون أثناء هبوط الصواريخ، فإذا وصلت إلى بيتك عندها لن تنفعك أوراقك الثبوتية في شيء وكذلك علبة الطوارئ».
ويوم الخميس أعلنت الشرطة الفلسطينية تحذيراً لجميع المواطنين من بعض الأجسام والقنابل من مخلفات الصواريخ المنفجرة، التي تحمل عشرات القنابل الصغيرة التي تنتشر على مساحات واسعة عند سقوطها.
وأوضحت أن معظم هذه القنابل تنفجر عند وصولها إلى الأرض، إلا أن بعضها قد لا ينفجر فوراً، ما يجعلها شديدة الخطورة، إذ يمكن أن تنفجر عند لمسها أو تحريكها أو الاقتراب منها أو بفعل الحرارة.
ودعت الشرطة المواطنين، في حال مشاهدتها أو الاشتباه بوجودها، إلى الابتعاد فوراً عن المكان، ومنع أي شخص من الاقتراب منها، والاتصال فوراً برقم الشرطة.
ويرتبط هذا الإعلان، المتأخر نوعاً ما، بما أعلنه جهاز الدفاع المدني الفلسطيني من أنه تعامل منذ السبت الماضي مع 12 مهمة ميدانية جراء تساقط شظايا صواريخ، من أصل 70 حالة جرى تسجيلها في مناطق متفرقة من محافظات الوطن.
وقال بيان الدفاع المدني إن تساقط الشظايا أسفر عن أربع إصابات، ثلاث منها في محافظة جنين وأخرى في محافظة رام الله، ووُصفت جميعها بالطفيفة.

اعتراض في سماء الضفة

والمخيف في الأمر أن سلطات الاحتلال غالباً ما تستهدف صواريخ إيرانية فوق المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو أمر تدلل عليه شظايا الصواريخ التي سقطت في مناطق واسعة في عموم الضفة الغربية، من جنين شمال الضفة وصولاً إلى الخليل جنوب الضفة.
إحدى تجليات السلوكيات الفلسطينية المتباينة، والتي تحمل مؤشراً على هلع وفقدان لأي حالة من الأمان، تمثلت في وفاة طفل يبلغ من العمر أربع سنوات في حريق مركبة جنوب نابلس، فيما أُصيب شقيقه البالغ ست سنوات. وكانا داخل المركبة وقت الحادث، حيث تبين أن المركبة احتوت على زجاجات محروقات، ما ساهم في تسريع الاشتعال وزيادة شدته، وأدى إلى الوفاة والإصابة.
في المقابل، تنتشر إعلانات إذاعية ورسائل نصية وأدلة مكتوبة تطالب الفلسطينيين بالعمل على حفظ سلامتهم، في مفارقة كبيرة للغاية، فسلامة الفلسطينيين ليست في متناول أيديهم، حسب مواطنين كثر تحدثت معهم «القدس العربي».
في مقدمة الدليل الصادر عن «ريفورم» جاء: «يشهد الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة تعقيدات أمنية وإنسانية متصاعدة، تتجلى في ممارسات الاحتلال وسياساته التي تشمل اعتداءات متكررة، واقتحامات، وهجمات مستوطنين، وقيوداً مشددة على الحركة، وحالات تهديد مباشرة وغير مباشرة تمس حياة المدنيين وسلامتهم. وتشمل هذه الممارسات استخدام أنماط متعددة من الأسلحة والذخائر، بما فيها العمليات الجوية والبرية».
وتابع: «في ظل واقع متسارع ومتصاعد ومفاجئ في كثير من الأحيان، يفرض على العائلات والمجتمعات الفلسطينية تحديات يومية تتعلق بالسلامة والبقاء واتخاذ القرارات الصحيحة في الأوقات الحساسة».
وتراهن «ريفورم»، بصفتها مؤسسة مجتمع مدني فلسطينية، على مقولة لجان بول سارتر التي يقول فيها: «ليس المهم ما يحدث لنا، بل ما نصنعه مما يحدث»، معتبرة أن هذا هو جوهر الفاعلية الإنسانية في مواجهة الأزمات، وأن الظروف الخارجية، مهما كانت قاسية أو غير عادلة، لا تُلغي قدرة الإنسان على اتخاذ موقف واعٍ وصحيح يحمي نفسه ومن حوله.
وفي سياق الحماية والاستعداد يشدد الدليل على أن «الخطر قد يكون خارج سيطرتنا، لكن الاستجابة له من خلال الوعي والتخطيط والسلوك الآمن هي ما يصنع الفارق الحقيقي في تقليل الخسائر وتعزيز الصمود المجتمعي».

أطراف إسرائيلية أيضاً

كل الأطراف تحذر الفلسطينيين وتقدم لهم وصفة السلامة في ظل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، حتى سلطات الاحتلال التي تحاصر كافة مناطق الضفة الغربية بالبوابات والحواجز، وتسيطر منذ بداية الحرب على إيران على مئات المنازل وتطرد سكانها منها.
في صفحة إسرائيلية ناطقة بالعربية على «منصة ميتا» لا تخاطب الفلسطينيين بصفتهم مواطنين، بل تخاطبهم على أنهم «سكان الضفة الغربية»، حيث تقول: «الحرب الحالية ليست ضدكم! هذه الحرب ضد نظام آيات الله الإيراني المتطرّف المستبد لشعبه والذي يقتلهم. عليكم العلم أنه لا ولن يكون نقص في تزويد الإمدادات الضرورية التي تمكنكم من ممارسة نمط يومكم الطبيعي في الفترة القريبة. المصلحة مشتركة – الحذر من الصواريخ الإيرانية».
الباحث المهتم بالبيئة علاء كنعان يحاول الإجابة عن سؤال: «كيف نحمي أنفسنا في ظل التصعيد الإقليمي؟»، حيث يقول: «بينما تقرع طبول الحرب الإقليمية يجد المواطن الفلسطيني نفسه مرة أخرى بلا حماية أو ملاجئ تقيه حمم النيران».
ويطالب كنعان، في حديث لـ»القدس العربي»، بضرورة «التفكير منطقياً بعيداً عن العاطفة أو الارتجال»، ويرى أن قدرة الفلسطيني تكمن في تحويل الالتزام بتعليمات الوقاية إلى فارق جوهري بين الحياة والخطر، وبين الصمود والارتباك العام. ويرى أن «الخروج من البيت تحت أي ظرف غير طارئ، أو التهافت غير المبرر على المحال التجارية ومحطات الوقود، ناهيك عن السلوك الانتحاري بالصعود إلى أسطح المنازل لمشاهدة الصواريخ، هو بمثابة مقامرة عبثية بالروح في زمن لا يرحم المستهترين».

الإرشادات ضرورة

ويخالف وجهة النظر التي تقول إن التعليمات لا تزيد من منسوب الخوف والذعر، مؤكداً أنها في الحقيقة تعمل على خلق «هدوء نفسي» وصناعة الطمأنينة لكبار السن والأطفال، وللمحافظة على رباطة الجأش في وجه آلة الحرب.
الباحث والمحلل السياسي في الشؤون الإقليمية الدكتور عدنان عبد الله يلخص الواقع الفلسطيني أنه «يقع تحت الاحتلال، وبالتالي يفتقد لأي سيطرة على الموارد والمقدرات»، وهو أمر يرى أنه يعكس نفياً لكل مقومات الحماية والأمن والأمان.
يتابع: «دولة من دون حدود هي نظام سياسي غير قادر على تحقيق التنمية أو التعامل مع الطوارئ والحروب».
ويرى عبدالله على أن السلطة لديها قيود تعيق حركتها في هذا الوقت، كما أن الناس لم تأخذ دوراً في ترتيب حياتهم. «فقبل قدوم السلطة عام 1993 كان في الضفة الغربية لجان شعبية ومؤسسات ومبادرات وحماية شعبية واقتصاد منزلي… إلخ من مظاهر إدارة الحياة ذاتياً، حيث كان المجتمع الفلسطيني يؤقلم نفسه على مستوى معيشي مناسب للواقع الذي نعيش فيه، وبعيداً عن مؤسسات الاحتلال أيضاً».
ويرى أن المجتمع الفلسطيني يعاني من انعدام الثقة بينه وبين حكومته، وهو ما تدلل عليه مشاهد احتشاد المواطنين أمام محطات الطاقة على سبيل المثال. ويطرح أسئلة: «هل هناك تنظيم لموارد الطاقة المختلفة؟ هل هناك ضمان لتوزيعها العادل في حال تم قطعها؟ … إلخ».
والحقيقة تقول إن المواطن يدرك تماماً أن كافة الموارد تقع في يد الاحتلال، وبالتالي نراه يعيش حالة هلع وخوف شديدين، فلا يوجد أي ثقة في أن الحكومة قادرة على تلبية الحاجات في كل الأوقات.
الأكاديمي والباحث الفلسطيني المهتم بالإيكولوجيا السياسية والتاريخ الاجتماعي والحركات الاجتماعية في فلسطين سعد عميرة يرى أن تحليل الواقع الفلسطيني على أننا أمام نظام يملك بنى سياسية واقتصادية مستقلة أو شبه مستقلة أو أي نوع من الحكم الذاتي يجعلنا نشعر وكأننا أمام تعليمات تصدر للمواطن الفلسطيني في وضع طبيعي، ما يعطي انطباعاً أن الأمور تحت السيطرة وأنه لا توجد أية مشاكل.
ويضيف عميرة: «وكأننا دولة جوار للحرب بين إسرائيل وإيران تتم بين دولتين متصارعتين، وبالتالي إذا التزمنا بالتعليمات فإننا سننجو، في حين أن كل ذلك غير صحيح. ذلك يمكن وصفه أنه واجهة، أو حالة تعكس فساداً».
ويشدد على أن كل ما نشهده هو واجهة مقصودة مهمتها رسم واقع سياسي غير موجود. «فمع كل التضييقات والإشكالات التي نعيشها تصبح تلك التعليمات وسيلة تنفي البنية السياسية التي يُدّعى أنها موجودة».
ويسأل: «ماذا تعني تعليمات السلامة وأنت لا تملك سيطرة على اللوجستيات، ولا حرية تنقل للإسعاف واللجان الصحية، ولا أية سيطرة على الأمن؟ هنا نشعر كأنها أحد أعراض عدم وجود دولة أو سيادة أو رابط سياسي متين، وبالتالي يُستعاض عن ذلك بالكلام النثري على شكل أحاديث وتعليمات».
وحول أي دور مطلوب للمجتمع الفلسطيني، يرى عميرة أننا «وصلنا إلى مرحلة معقدة وخطيرة وكارثية»، واستدرك: «أنا أؤمن بشيء واحد، وهو كيف يمكن إعادة إحياء المجتمع. نظرتي تقول إن الحاجات الاجتماعية موجودة وتتقاطع مع الجميع، وبالتالي كيف يمكن أن نجعل الحاجة المجتمعية هي الأولوية، وليس الحزب السياسي والشبكات الريعية والشركات التجارية ومستوردي ومخزني الأغذية وأمراء الحروب التجارية… إلخ. هذا هو السؤال المهم، أي كيف يمكن أن تكون حاجاتنا مصدراً لمنح معنى الصمود والبقاء».
ويختم قائلاً: «الحاجات المجتمعية، مع قليل من الأمل في أفق سياسي مختلف، لكونه غير وردي، يمكن أن تجعل الناس تتكاتف مع بعضهم ويتعاضدوا ويشعروا بنوع من اللحمة، اللحمة التي فقدناها كشعب والتي ضربت أي نوع من الأمل».
ويتابع: «هناك دور ضخم على البلديات، نعم صحيح، نحن بحاجة إلى فزعات ودعوات للتحرك الجماعي، بحاجة إلى منح المواطنين المعنى والدور، بحاجة إلى أن نزرع طالما هناك مخاوف من نقص الغذاء. فلا يمكن لأي جهة أن تعمل وحدها، حتى لو كان فيها أفضل الأدمغة».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *