لماذا لا أتذكر هذا الرقم المتسلسل سوى باللغة العبرية؟ والأهم من هذا لماذا لا أقوى على الاستمرار في قراءة كتاب «إذا كان هذا إنساناً» لبريموليفي؟
ذلك كان اسمي هناك والشيفرة التي أقحموني بها وأحالوني إلى مجرد رقم آخر في قوائم وخانات نظام تفكيك ومحو الملامح الإنسانية، الذي كان وما زال يطبقه وينتهجه السجان الصهيوني ضد الأسرى الفلسطينيين والعرب بصورة خاصة، والشعب الفلسطيني برمته بصورة عامة.
لربما كانت الأرقام أيسر ومحايدة وباردة أكثر، تلك الخانات والمصفوفات الرهيبة ذات الأهوال العقلانية الناجمة عن بيروقراطية الإبادة، وذلك الاتحاد المرعب والمخيف ما بين المعرفة والعنف المنظم المدعوم بالقوة الغاشمة، إذ إن الأرقام تمنح للسجان المستعمِر القدرة على التحكم، والإمعان أكثر في بلورة ضمير أخلاقي فردي وجمعي يكفل له الاستمرارية المكفولة بالشرعية في إقصاء وتفكيك وإزاحة الفلسطيني السجين المستعمَر، إلى جانب امتلاك القدرة على البقاء وإقناع الذات الاستعمارية المهيمنة بأنها ذات إنسانية ممتلئة بخطاب دفاع الضحية عن وجودها، والسعي الدائم نحو الانتقام وإنكار تهمة الجلاد الذي استحالت إليه الذات اليهودية بتمثيلاتها الصهيونية الفاشية.
وأنا كنت الرقم 1198076 ولا أتذكره وأذكره إلا بالعبرية، لأنه لم يخترق وعيي النابض بلغتي الأم العربية، لغة أحلامي وأملي وخيالي ومآلات استعادتي لإنسانيتي، لا أذكره إلا بالعبرية، تلك العبرية المشحوذة بالانتقام والثأر والفاشية، والإصرار على الوجود والبقاء الممسوس بالشر وتفاهته، ولكنها ليست عبرية بريموليفي، الذي كتب موثقاً تجربته الرهيبة في معسكر التجميع والإبادة النازي «أو شفيتز»، هو الذي دوّن معاناته بالإيطالية، ولم يستطع تحمّل العطب الذي أصابه هناك ليقرر في أبريل/نيسان 1987 الانتحار بإلقاء نفسه من شرفة لم تكن له، نحو خلاصه ربما.
غير أنني عندما شرعت بقراءة روايته المفجعة بدأت أشعر بالاختناق والتوتر، عندما أثارت كلماته أعاصير ذاكرة المعتقل رقم 1198076 في غياهب السجون الصهيونية، بلى لم ولن أنسى ما ألمّ بي هناك، لدرجة أنني لم أقو على استكمال القراءة، مسّني الخوف والغضب والحزن والألم، حين لمحت ذاتي في انطباعاته وكلماته، إلى أن صرختُ بلوعة، كفى أخي بريمو لا تكمل البوح، فأنا أعلم وأدرك بقية الحكاية التي لم تنته بعد، أعلم البرد والجوع والخوف والتحكم والإقصاء والتعسف، وذلك الشيء، ذلك الشيء المخيف ببروده وعقلانيته وتصالحه مع شؤون وأعباء وحشيته، إذ هو العقل المدبر لسياسات تفكيك الإنسانية كافة، والذي يتغذى من ذات الجذر الذي تغذى على بريموليفي وظلاله وأشباهه، حين اندلعت شياطين التنوير والعقلانية والحداثة بأبشع صورها في ميادين التاريخ المركزي الجديد إبان ويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى يومنا هذا الذي يشهد ويشاهد به العالم الإبادة الجماعية الزاحفة والمستمرة بحق شعبي الفلسطيني.
وها أنا الآن هنا لست بريموليفي ولن أكونه، بل كنته هو أخي في المعاناة وجراحات ربما لن تُشفى، ومآلي لن يكون كمآله لأنني لا أتذكر رقم الإقصاء واللاإنسانية سوى بالعبرية الصهيونية، وأعلم تماماً أنني سأكتب ما كنت به من سجن وإبادة، وسأحيل الرقم المتسلسل إلى حروف مضيئة بالحياة والحب والإنسانية، وسأشحذ كلماتي بإرادة تأبى الانكسار، فلغتي لم ولن تخذلني في أوج حربي هناك مع السجان المستعمِر، فلغتي هي الخلاص وهي الشرفة التي لطالما أشرفت منها على عالم سيكون لي ولشعبي به ما نريد.
باسم خندقجي