حسب الخطة الأصلية، مثلما كشف وزير الدفاع يسرائيل كاتس في هذا الأسبوع، كانت النية مهاجمة إيران في حزيران. بعد الحرب الأولى التي استمرت 12 يوماً مع إيران في حزيران الماضي، تفاخر نتنياهو بنجاحه في إزالة تهديدات وجودية مباشرة – تدمير إسرائيل بواسطة السلاح النووي، والتدمير بواسطة 20 ألف صاروخ بالستي. وأوضح نتنياهو في حينه “لقد حققنا نصر تاريخي سيستمر لأجيال”. وأعلن ترامب عن القضاء الكامل على المشروع النووي الإيراني.
في الواقع، كان الخبراء في الدولتين على دراية تامة بذلك. وأوضحوا في حينه بأن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، وقد تسبب المس بالمشروع النووي، لا سيما القصف الأمريكي للمنشأة تحت الأرض في فوردو، واغتيال إسرائيل لكبار مسؤولي المشروع، بضرر كبير لإيران. ولكن هناك قضية شائكة أخرى تتمثل بكمية الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، التي وزعتها إيران على ثلاثة مواقع محصنة. والعجز عن تدميرها أبقى إيران على مسافة غير بعيدة عن إنتاج سلاح نووي بدائي. مع ذلك، بعد أسابيع قليلة على انتهاء القتال، تبين إن إيران قد استأنفت برنامج الصواريخ البالستية وزادت من وتيرة إنتاجها. ونتيجة لذلك، ستمتلك في غضون سنتين تقريباً آلاف الصواريخ التي يمكنها ضرب إسرائيل.
لقد بدأ الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي الاستعداد لهجوم مماثل. لم يظهر ترامب سوى اهتمام محدود بالأمر إلى حين اندلاع الاحتجاجات في إيران في بداية كانون الثاني الماضي. وبعد نجاحه في فرض تغيير الحكم في فنزويلا زاد اهتمام الرئيس الأمريكي بالأمر. وكان من وراء ذلك الرغبة في السيطرة على أجزاء رئيسية من سوق النفط العالمية وترسيخ مكانة بارزة في التنافس على النفوذ مع الصين. لقد وعد ترامب المتظاهرين في إيران بأن “المساعدة قادمة”، لكنه واجه صعوبة في الوفاء بوعده في الوقت المحدد. في الواقع تمت إبادة وذبح المتظاهرين بالآلاف على أيدي زعران النظام في الشوارع. وحتى عندما اقتنع الرئيس بالتحرك في 14 كانون الثاني، أجل الهجوم بستة أسابيع من أجل تنفيذ خطة أكثر طموحاً.
مع ذلك، يبدو أنه رغم التنسيق غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتقدم الكبير الذي أحرزه جيش الدولتين في تحديد الأهداف ومهاجمتها، فإن الخطة لم تكن قد اكتملت بعد. فقد انطلقت الدولتان مع الإدراك بأن بعض أهداف العملية ستكون صعبة على التحقق، وأنهما ستحتاجان إلى بضعة أشهر أخرى من الاستعداد الدقيق حسب الجدول الزمني الأصلي.
على وجه الخصوص، استند أمل إسقاط النظام إلى تفكير متفائل جدا: إذ كان الاعتقاد أن الضرر الذي سيلحق بأجهزة القمع في الجمهورية الإسلامية (الباسيج، الأمن الداخلي، الشرطة والحرص الثوري) سيكون كبيراً جداً إلى درجة خروج الإيرانيين مرة أخرى إلى الشوارع لإعطاء صرح النظام المتداعي الدفعة الأخيرة والضرورية لسقوطه. وبدلاً من ذلك، يهدد النظام بإطلاق النار على الفور على أي متظاهر يشارك في الاحتجاج. وبعد أسبوعين على اندلاع الحرب، لم يتم استئناف الاحتجاج بعد (حتى مساء أمس).
كان الأمل الذي تبدد معلق على الأكراد. فمنذ ستينيات القرن الماضي، يتم نشر تقارير عن علاقات وثيقة بين الاستخبارات الإسرائيلية والأقليات التي تنتشر في إيران، العراق، تركيا وسوريا. لطالما ادعى الإيرانيون، حتى في السنوات الأخيرة، بأن كردستان العراق على الحدود الشمالية الغربية لإيران، تستخدم كقاعدة متقدمة للعمليات الإسرائيلية.
قبل أسبوع تقريباً ظهرت في قنوات التلفزيون في إسرائيل نظرية مؤامرة حول معجزة كان من المفروض أن تحدث في القريب: نزول شركاؤنا الأكراد الشجعان من الجبال وإشعال شوارع المدينة بالنار وتحفيز المتظاهرين على اقتحام النظام مرة أخرى. البعض تحدثوا عن مناورات تشبه مناورات جيمس بوند، من شأنها أن تفاجئ السلطات الإيرانية. في غضون ذلك، لم يتحقق أي شيء من ذلك. ويبدو أن خلافات شديدة تتصاعد، وبشكل ملحوظ، بين أجهزة المخابرات. بالمقارنة مع حرب الـ 12 يوماً نحن لا نسمع أي شيء عن إنجازات أجهزة الاستخبارات ونجاحها. حالياً، يقتصر الأمر على استعراض القوة الجوية والاستخبارات العسكرية في الدولتين.
يتمتع الرئيس ترامب بشكل عام بحس سليم – مهما كان تعريفه – في التعامل مع المنظمات الإرهابية والطغاة، الذين حسب رأيه، يهددون مصالح الولايات المتحدة والسلام العالمي (موقفه من روسيا والصين سلبي جدا بالطبع). بالمقارنة مع أسلافه بايدن وبراك أوباما، يبدو أن ترامب مصمم أكثر على إظهار القوة العسكرية لبلاده وعدم التردد في استخدام القوة ضد من هم أضعف منه. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية، ينعكس هذا إيجاباً في موقفه من إيران وحماس وحزب الله. لكن الحرب الجديدة تظهر أيضاً عيوبها؛ فقد ذكرت وسائل الإعلام الأمريكية بأن ترامب تجاهل قبل شن الهجوم التحذيرات من أن الهجوم لن يؤدي إلى تغيير النظام (الأمر الذي لم يتم الإعلان عنه كهدف رسمي للحرب). وعند اندلاع الحرب بدأ في إطلاق تصريحات لانهائية، ويناقض نفسه ويحدث فوضى عارمة، ويثقل على كاهل فريقه المقرب من المستشارين بأعباء العمل في محاولة التوسط في عدة نزاعات دولية في الوقت نفسه، والمكافحة لفهم التفاصيل، ويفتقرون أحياناً للمعرفة والخبرة المطلوبة لاقتراح حل.
أما بالنسبة للحرب نفسها، فيمكن ملاحظة نمط متكرر مشترك بين الطرفين الإسرائيلي والأمريكي. تبدأ الحملة بمفاجأة بفضل تخطيط وإعداد محكم، لكن سرعان ما يتبين أن للعدو خطط أيضاً، فينجح في توسيع نطاق الحملة وجعلها أكثر ضراوة. وتواجه إسرائيل والولايات المتحدة صعوبة في إنهائها في وقت معقول. والنتيجة صراع طويل الأمد، وتفاقم الأضرار على الجبهة الداخلية في إسرائيل وفي دول الخليج في مواجهة خصم قوي نسبياً (إيران) وخصم آخر أقل ضعفاً مما اعتقدوا في البداية (حزب الله).
ترامب سيقرر كيف ومتى سينهي الحملة في إيران. ولكن لبنان قد يبقى جبهة مفتوحة، حيث يتحدى حزب الله إسرائيل من جديد بعد سنة وثلاثة أشهر من الامتناع عن ذلك، منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. الحرب الجديدة ستكلف الاقتصاد عشرات مليارات الدولارات. ونتنياهو يمرر الميزانية بسرعة، بينما يرضي شركاءه الحريديم ويستجيب لابتزازهم ويعلن عن زيارة كبيرة لميزانية الدفاع التي يقول الجيش الإسرائيلي بطبيعة الحال بأنها غير كافية.
لقد تم تعلق الإجراءات القانونية في قضية رئيس الحكومة. ويكرس ترامب كل جهوده لمحاولة إلغاء محاكمته. في غضون ذلك، يعودون المواطنين في إسرائيل على واقع التهديد المستمر للجبهة الداخلية، الذي يوصف بأنه قدر مصيري. ويوصف كل من يتجرأ على طرح الأسئلة بأنه يساري ضعيف ومرتبك ولا يعرف خطورة الموقف وندرة الفرصة التاريخية.
حرب الناقلات 2
كان إغلاق مضيق هرمز والتقارير الواردة عن زرع ألغام تعيق حركة السفن والناقلات فيه، الحدث الأبرز في الحملة في هذا الأسبوع. ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، وأعربت إدارة ترامب عن القلق الكبير من أن يؤدي ارتفاع الأسعار على المستهلك الأمريكي إلى مزيد من تراجع الدعم الشعبي للحرب وتشويه شعبية الرئيس. ويمكن للحوثيين في اليمن، الذين لم يدخلوا إلى المعركة بعد، تعطيل حركة الملاحة في ممر آخر للملاحة عبر مضيق باب المندب.
وصرح البروفيسور شاؤول حوريف، مدير معهد السياسة والاستراتيجية البحرية، لـ “هآرتس” بأن تحركات إيران تعتبر عودة إلى “حرب الناقلات” التي شنتها في الخليج الفارسي ضد الولايات المتحدة في نهاية الحرب بين إيران والعراق في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ووفقاً له، فقد أدى هذا الإجراء بالفعل إلى زيادة رسوم التأمين على ناقلات النفط التي تريد الإبحار عبر مصر بـ 12 ضعفاً. وكان لذلك نفس الأثر على أسعار النفط. “لقد أدركوا أن هذه قدرة غير متكافئة. ويمكن للطرف الضعيف استغلالها ضد نقاط ضعف الغرب”. مسؤول أمني إسرائيلي اعترف أمس بأن “الإنجازات العملياتية ضد الصواريخ والسلاح النووي لا تشير في هذه المرحلة إلى اقتراب إنهاء الحرب، وقال إن هذا الأمر يعتمد كلياً على انطباع ترامب. واقترح خفض التوقعات بشأن فرصة إسقاط النظام في إيران والتركيز على ما وصفه بأنه أكثر قابلية للتحقق – اتفاق يمكنه حل مشكلة الـ 440 كغم يورانيوم وفرض قيود صارمة. يواجه الإيرانيون قيوداً صارمة في السعي إلى الحصول على السلاح النووي. “في غضون ذلك، واجهنا أزمة طاقة، وواجهنا مشكلة مع لبنان. لقد نشأت هنا معضلة تحتاج إلى حل، وللأسف، فإن الأمل بإسقاط النظام لا يؤدي سوى إلى حرف الانتباه عن القضايا الأكثر إلحاحاً على جدول أعمال الحرب”. الشخص الذي كان من يساعد نتنياهو على حل هذه المعضلة هو الوزير السابق رون ديرمر، أحد معاونيه الذي عاد إلى نشاطه الكثيف خلال الحرب بعد أشهر قليلة على استقالته.
عاموس هرئيل
هآرتس 13/3/2026