ثلاثة رؤساء أمريكيين، بارك أوباما، دونالد ترامب (على دفعتين)، وجو بايدن؛ تعاقبوا على صياغة الأدوار الأمريكية في سوريا، خلال سنوات الانتفاضة الشعبية بين انطلاقتها في ربيع 2011 وحتى انحلال نظام «الحركة التصحيحية» أواخر 2024. وإذا جاز القول بأنّ تقلبات هذا الملف عكست عناصر كلاسيكية لأيّ تدخل أمريكي معياري في شؤون الأمم خارج المحيط، فإنّ الجائز التالي هو خلاصات التقلّب والتردد والتناقض والارتباك بصدد الموقف من منظومات حكم الأسد الابن الوريث، بالمقارنة مع نظائر أكثر استقراراً وثباتاً في تعاطي الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع 30 سنة من النظام الأمّ الذي أداره الأسد الأب.
وعلى سبيل تبيان بعض أبرز فصول التدخل الأمريكي في الشأن السوري ما بعد الانتفاضة الشعبية، في الوسع الإشارة إلى المحطات التالية: 22 أيلول (سبتمبر) 2014، التاريخ الرسمي لإعلان الولايات المتحدة التدخل تحت ذريعة محارية «داعش»؛ ثمّ «الخط الأحمر» الشهير الذي رسمه أوباما، صيف 2012، على سبيل ردع أيّ هجمات يشنها النظام السوري بأسلحة كيميائية (ولم يسفر، عملياً، إلا عن صفقة مع موسكو تذرّ الرماد في الأعين!)؛ والضرية الجوية الأمريكية ضدّ مطار الشعيرات، ربيع 2017، التي تمّ إعلام موسكو بها مسبقاً؛ وصولاً إلى أواسط أيار (مايو) 2025 حين أعلن ترامب، من الرياض، البدء في رفع العقوبات عن سوريا.
الانسحابات العسكرية الأمريكية من قواعد في سوريا، في الجنوب ومحافظات الشمال الشرقي، والتي تعاقبت بوتائر مختلفة منذ الأسابيع القليلة الأولى بعد انهيار النظام البائد، كانت بمثابة تتمات منطقية لسلسلة من المتغيرات طرأت ميدانياً واستوجبت مراجعات أو تعديلات خطط من جانب البنتاغون، قبل كبار مستشاري البيت الأبيض وتقديرات ترامب نفسه. مخاطر «داعش» انحسرت على نحو ملموس، خاصة بعد تصفية البغدادي زعيم التنظيم أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2019 خلال عملية إنزال جوي نفذتها قوات أمريكية خاصة. اعتبارات ميدانية أخرى ذات بُعد جيو ـ سياسي ستراتيجي الطابع طرأت أيضاً، بينها اضطرار موسكو إلى تخفيض وجودها العسكري في سوريا، لخدمة جيشها في معارك أوكرانيا؛ وميل ترامب إلى مراعاة مصالح حيوية في الملفّ السوري، يتطلبها «صديق» محبب إليه مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ وصولاً، بالطبع، إلى التحوّل الجوهري الهائل الذي تمثل في انطواء 54 سنة من نظام آل الأسد في سوريا، بما اسفر عنه أيضاً من إنهاء سريع لنفوذ إيران وميليشياتها الموالية.
وأياً كانت مقادير الاختلاف، مقابل معطيات التطابق، فإنّ حصيلة التدخل الأمريكي في سوريا، العسكري والسياسي والأمني والدبلوماسي، لا تنأى كثيراً عن سوابق لها في أفغانستان والعراق؛ من حيث ترسيم أغراض سريعة/ متسرعة لا تحتسب إلا القليل من عواقب «ستراتيجية الخروج» الشهيرة، لأنها في الأصل تُبنى على حسابات آنية تتعجل اعتمادَها تقديرات قاصرة، إذا لم تكن قصيرة النظر أصلاً. هذا إذا لم يلجأ المرء إلى فتح ملفات التواطؤ على الشعب السوري وانتفاضته وآماله وآلامه، بين واشنطن وموسكو، على مدار 14 سنة من ثلاث رئاسات أمريكية.
المثال الأوضح، ولعله يعكس السوأة الأشدّ انحطاطاً، كان سلسلة المباحثات المستفيضة التي انخرط فيها ضباط أمريكيون وروس، ابتداء من صيف 2015 وحتى انقضاء سنة 2016؛ وكان موضوعها شبه الوحيد هو… كيف يمكن إنقاذ نظام الأسد! افتضاح جلسات التآمر هذه سوف ينتظر سنوات قبل إفادة أندرو إكسوم، نائب المساعد الأسبق في وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط خلال رئاسة أوباما الثانية، أمام لجنة فرعية في الكونغرس بحثت السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
انسحاب بطعم حصيلة عجفاء، في نهاية المطاف، قد يعيد إنتاج خلاصاته وعواقبه هنا أو هناك؛ وكأنّ لا دروس تُستخلص، ولا عواقب تُحتسب.