تُعرف مدينة إسكي شهير، التي تقع في وسط تركيا، بكونها مدينة قديمة تحولت في العقود الأخيرة إلى مدينة تضم عشرات الجامعات، ما جعلها نابضة بالحياة، يغلب عليها حضور الطلاب وأجواء الشباب. في هذه المدينة، قامت البلدية قبل سنوات بافتتاح متحف للشمع، ليكون واحداً من أبرز الفضاءات الثقافية والبصرية فيها، حيث تصطف تماثيل لرجال ونساء من تاريخ تركيا، من المقاتلين السلاجقة إلى سلاطين العثمانيين، وصولاً إلى شخصيات العصر الحديث.
في هذا المتحف، يحتار المرء أمام أحد التماثيل؛ إذ لا يعود التمثال لشخصية عسكرية ولا سياسية، بل لمؤرخ تركي معاصر هو ألبير أورتايلي، الذي رحل عن دنيانا قبل عدة أيام. وهو مشهد قد يبدو غريباً للزائر العربي، ففي عالمنا العربي نادراً ما يُمنح المؤرخ مثل هذا الحضور الرمزي في الفضاء العام. فالتاريخ غالباً ما يُستدعى عبر السياسيين أو القادة، بينما يبقى من كتبوه وفسروه وأعادوا تأويله في الظل. وحتى حين يُحتفى ببعض الأسماء، فإن ذلك يتم في الغالب عبر رموز قديمة مستقرة في الذاكرة، مثل محمد كرد علي، وليس عبر شخصيات معاصرة ما تزال فاعلة في المجال العام.
لكن في إسكي شهير، كان الأمر مختلفاً. كان أورتايلي حاضراً بين وجوه صنعت التاريخ، بوصفه جزءاً من السردية التركية الكبرى عن ماضيها، وهو ما يثير تساؤلات عن سبب هذا الاهتمام به. قبل أيام قليلة، رحل أورتايلي عن دنيانا، ونعاه رجب طيب أردوغان، كما نعته معظم وسائل الإعلام التركية، في مشهد لم يكن عادياً، بل كان أقرب إلى لحظة اعتراف جماعي بدوره في تشكيل الوعي التاريخي التركي خلال العقود الأخيرة. رغم شهرة أورتايلي في تركيا، تعرّف العالم العربي إليه في وقت متأخر نسبياً، ربما في عام 2005، مع صدور أول كتاب له بالعربية بعنوان «الخلافة العثمانية: التحديث والحداثة في القرن التاسع عشر». يومها قام الناشر والباحث الراحل زياد منّى بنشر الكتاب، بينما تولّى عبد القادر عبد اللي ترجمته عن التركية. وقد وجد أورتايلي في هذا الكتاب أن القرن التاسع عشر هو «القرن الأطول» في تاريخ الدولة العثمانية، والسبب في ذلك، حسب تحليله، أن التحولات الكبرى التي مست بنية الدولة والمجتمع وقعت في ذلك القرن تحديداً، سواء على صعيد إصلاحات التنظيمات، إعادة تنظيم الإدارة، تغيّر علاقة الدولة بالمجتمع، واتساع الاحتكاك بالعالم الأوروبي، لذلك اعتبر أن القرن التاسع عشر لم يكن مجرد مرحلة زمنية عادية، بل لحظة تحول طويلة ومفصلية في التاريخ العثماني. غير أن هذه الفكرة لم تبقَ من دون نقاش. فبعد ذلك بسنوات، حاول عدد من المؤرخين الآخرين دحض هذه الفكرة، وقللوا من مركزيتها، من خلال التركيز على فترات سابقة، وبالأخص القرن الثامن عشر، بوصفه يختزن في الأساس البدايات الأولى للتحولات الحداثية في المدن العثمانية. ومع ذلك بقيت فكرة «القرن التاسع عشر الطويل» من أكثر الأطروحات حضوراً وصلابة في النقاشات التاريخية.
لاحقاً واصل المترجم عبد القادر عبد اللي التعريف بأعمال أورتايلي، فقام بترجمة عدد من كتبه الصغيرة إلى العربية. وكانت هذه الكتب في الغالب مجموعة مقالات كتبها المؤرخ التركي في مناسبات مختلفة، ونُشرت بالعربية. وهناك من يعتقد أنه في سنواته الأخيرة مال نحو التحول من الكتابة الأكاديمية، إلى كتابة أكثر انفتاحاً على الجمهور العام، حتى يبدو أحياناً وكأنه حكواتي، أو كاتب شعبيا، أكثر منه مؤرخاً أكاديمياً. عاد أورتايلي وظهر لاحقاً من خلال سلسلة من الكتب الأخرى، التي جاءت في معظمها على شكل مجموعة من المقالات كتبها في فترات مختلفة، وعكست تحولاً في أسلوبه من الكتابة الأكاديمية الصارمة إلى كتابة أكثر انفتاحاً على الجمهور العام. ومن بين المقالات اللافتة في تلك المجموعات، مقال منشور في كتاب «العثمانية: آخر الإمبراطوريات»، تناول فيه مسألة تأخر دخول الطباعة إلى الدولة العثمانية. وقد طرح أورتايلي في هذا السياق قراءة مختلفة نسبياً؛ إذ لم يختزل السبب في معارضة العلماء، أو المؤسسات الدينية وحدها، كما هو شائع في بعض السرديات، بل رأى أن سبب تأخر دخول الطباعة إلى الدولة العثمانية لا يعود أساساً إلى وجود فتوى دينية أو إلى معارضة العلماء، بل إلى طبيعة المجتمع نفسه. فالمجتمع العثماني، سواء في الأناضول أو في البلاد العربية، كان، في نظره، مجتمعاً يميل إلى الثقافة الشفاهية أكثر من اعتماده على النص المطبوع. ولهذا السبب بقيت الممارسات الشفاهية في نقل المعرفة والقصص والتاريخ حاضرة بقوة، بل استمرت، كما كان يقول أورتايلي، حتى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في بعض البيئات.
ومن اللافت أن هذه الفكرة تتقاطع مع عدد من الدراسات الحديثة، التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة. ومن بينها عمل المؤرخ الألماني كونراد هيرشلر «الكلمة المكتوبة في الأراضي العربية في العصور الوسطى»، إذ يبيّن أن القراءة في مدينة مثل دمشق، لم تكن دائماً ممارسة فردية صامتة، كما نفهمها اليوم، بل كانت كثيراً ما تتم بصورة جماعية وشفاهية. فالعامة في دمشق كانوا يشاركون في جلسات قراءة للنصوص التاريخية، مثل كتابات ابن عساكر، لكنهم كانوا يتلقونها غالباً سماعاً.
في السنوات الأخيرة كان أورتايلي حاضراً بكثرة في المقابلات التلفزيونية والحوارات الثقافية، ويتمتع بأسلوب حيوي في الحديث عن التاريخ العثماني والمعاصر. كما استمر في إصدار الكتب، ومن بينها كتابه «الغازي أتاتورك» الذي تُرجم إلى العربية بترجمة الباحث السوري مجد صالح. يومها بدا أورتايلي ميالاً إلى وصف مصطفى كمال أتاتورك بأنه من «الجيل العثماني الأخير»، وفق تعبير مايكل برفنس، أو على الأقل بوصفه ابن المدرسة العثمانية بالمعنى المؤسسي والتاريخي. فأتاتورك، في نظره، لم يكن قطيعة كاملة مع الماضي العثماني، كما تقول بعض السرديات القومية اللاحقة، بل كان نتاجاً للمؤسسات العثمانية نفسها: مدارسها العسكرية، وبيروقراطيتها، وثقافتها السياسية.
وبهذا المعنى كان أورتايلي يحاول أن يقطع مع صورة شائعة ترى في أتاتورك مجرد «ذئب أناضولي» خرج من الهوامش ليقلب التاريخ العثماني رأساً على عقب. لكن ما ميّز أتاتورك، في رأي أورتايلي، عن الجيل العثماني الأخير، وخصوصاً جيل الاتحاد والترقي، وبالأخص الثلاثي أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا بين 1908 و1914 أنه امتلك قدرة نادرة على الجمع بين القيادة العسكرية والإدارة الدبلوماسية، في الوقت نفسه. ففي حين كان كثير من قادة ذلك الجيل رجال حرب، استطاع أتاتورك أن يدير المعركتين معاً: الميدان العسكري من جهة، والمفاوضات الدبلوماسية وبناء الشرعية الدولية من جهة أخرى. وهذا التوازن، حسب أورتايلي، هو ما سمح له في النهاية بأن ينجح، حيث أخفق كثير من رجال الدولة العثمانية في السنوات الأخيرة للإمبراطورية.
وبحكم أن أورتايلي كان مؤرخاً بارزاً في التاريخ العثماني، كنا نحن السوريين، عندما وصلنا إلى تركيا، نظن في البداية أنه ربما يكون قريباً من التيار الذي يتحدث عن «العثمانية الجديدة»، أو حتى من حزب العدالة والتنمية، خاصة أن هذا الحزب كان يوظف كثيراً من الرموز العثمانية في خطابه السياسي والثقافي. لكن مع مرور الوقت اتضح أن الصورة أكثر تعقيداً. فهو لم يكن قريباً من السلطة الحاكمة كما تصور البعض، بل كان في أحيان كثيرة ناقداً لها، وكانت هناك أحاديث متداولة عن علاقته الشخصية برئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المعارض لأردوغان. هذا الموقف النقدي من السلطة جعل أورتايلي في كثير من الأحيان يعيد قراءة التاريخ أيضاً من زاوية الحاضر. ويظهر ذلك بوضوح في كتابه «العصر الذهبي للأتراك. ففي أحد فصول الكتاب يتناول شخصية محمد الفاتح، ومن يقرأ هذا الفصل يشعر أحياناً وكأن أورتايلي لا يكتب عن القرن الخامس عشر فحسب، بل يحاور الحاضر أيضاً.
في السنوات الأخيرة جرت محاولة الربط والمقارنة بين محمد الفاتح وأردوغان. غير أن قراءة أورتايلي لشخصية محمد الفاتح تبرز جانباً مختلفاً؛ إذ يؤكد أن ما ميّز الفاتح لم يكن فقط قدرته العسكرية أو طموحه السياسي، بل أيضاً إحاطته بنخبة فكرية وثقافية وإدارية رفيعة المستوى، من علماء وفقهاء ومهندسين ومترجمين وإداريين.
ومن خلال هذا التحليل التاريخي كان يبدو أحياناً وكأن أورتايلي يلمّح إلى الحاضر أيضاً؛ فبينما كان الفاتح محاطاً بتلك النخبة الفكرية الواسعة، يرى بعض المراقبين أن السلطة في تركيا خلال السنوات الأخيرة أصبحت محاطة أكثر بنخب اقتصادية وأمنية وشبكات مصالح، وهو ما يخلق مفارقة واضحة بين الصورة التاريخية التي يستحضرها الخطاب السياسي، والقراءة التاريخية الأكثر تعقيداً التي يقدمها المؤرخ. ربما كان أورتايلي محظوظاً في العالم العربي، إلى جانب أستاذه المؤرخ خليل إينالجك، إذ حظيت أعمالهما باهتمام واضح لدى القارئ العربي، وتُرجمت عدة كتب لهما إلى العربية، الأمر الذي جعل اسميهما معروفين نسبياً خارج الدوائر الأكاديمية المتخصصة. غير أن هذا الحضور لا يعني أن حقل الدراسات العثمانية في تركيا يقتصر عليهما. فهناك عشرات الأسماء الأخرى من المؤرخين الأتراك، من بينهم مراد بردكجي، إدهم إلدِم، إبرو بايار وأسماء كثيرة أخرى، وكثير منهم يكتب بلغات مختلفة، ويقدمون أبحاثاً رصينة ومهمة حول تاريخ الدولة العثمانية والمجتمعات التي عاشت في ظلها. وهذه الأعمال، في الحقيقة، تستحق أن تجد طريقها إلى الترجمة العربية، لما فيها من إسهام في توسيع فهمنا لتاريخ المنطقة وتعقيداته. رحم الله أورتايلي، ورحمنا جميعاً.
كاتب سوري