عمان- «القدس العربي»: بعد جلسة سريعة لمجلس النواب الأردني تم رفعها بسرعة وخلال 15 ثانية في ظل طبول الحرب التي تقرع بالإقليم، برزت ردود فعل غاضبة ومنزعجة على صعيد النواب أنفسهم بعد حرمانهم من القراءة الأولى للنقاش في ملف قانون الضمان الاجتماعي، الذي يعتبر من أكثر القوانين حساسية وإثارة للسخط والاعتراض الشعبي.
وبعدما استعجلت رئاسة مجلس النواب، عصر الأربعاء، تمرير قانون الضمان الاجتماعي المثير للجدل في جلسة واحدة وسريعة إلى اللجنة المختصة ودون قراءة أولى طالب بها غالبية أعضاء البرلمان، يمكن القول إن هذا القانون الإشكالي الآن في مساره الدستوري.
ويضع -أي القانون- رجليه رغم كل الضجيج الشعبي في الاتجاه المعاكس له على أول محطة في سلم الشرعنة والدسترة.
لم يعرف بعد تكتيك الاستجابة والنقاش الذي ستقرره لجنة العمل البرلمانية في إدارة نصوص هذا القانون الموصوفة بأنها ألغام بالنسبة للقياسات الشعبية.
وغالبية ساحقة من منصات التواصل الاجتماعي تحاول تذكير اللجنة وأعضاء مجلس النواب بأنهم يتحدثون اليوم عن قانون يمس كل عائلات الأردنيين ويطرق ابواب كل البيوت، وهو قانون غير عادي.
في الجلسة «السريعة»، حاول رئيس كتلة جبهة العمل الإسلامي صالح عرموطي، إعاقة مسيرة القانون باقتراح رده بسبب «أجواء الحرب على دولة مسلمة هي إيران» والتحديات التي تواجه الشعب الأردني المثقل كاهله اقتصادياً.
لاحقاً للتصويت على إحالة القانون ودون قراءة أولى، تسابق نواب وسطيون بالتعبير عن انزعاجهم بسبب التصويت السريع، وشوهد النائب معتز أبو رمان يتحدث عن «مهزلة تشريعية»، واعتبر زميله إسماعيل مشاقبة المسألة أقرب إلى «خازوق يجلس الجميع عليه»، وأبلغ نائب ثالث ناخبيه بأنه «لم يصوت على إحالة القانون».
اتضح من سياقات جلسة الأربعاء، أن الحكومة طلبت من مجلس النواب الاسترسال في عملية الاستجابة للقانون المقترح بالرغم من الأجواء الاقتصادية الصعبة وأجواء الصدام العسكري على المستوى الإقليمي.
ذلك مؤشر -برأي مراقبين سياسيين- إلى أن الحكومة في ذهنها استغلال أجواء الارتباك والانشغال الشعبي بالحرب للعبور بالقانون، وليس العكس.
الحكومة نصحت علناً بسحب هذا القانون من السلطة التنفيذية وإعطاء مسألة الوضع الأمني بسبب الحرب على إيران الأولوية المطلقة، خصوصاً أن هذا القانون مثير للجدل ويمس أفقياً بقاعدة عريضة جداً من أبناء الشعب الأردني.
تلك النصائح تلقتها الحكومة بالجملة طوال أيام الحرب، وكان أبرزها للناشط النقابي البارز أحمد أبو غنيمة وهو يعبر علناً عن قناعته بأن الوقت غير ملائم.
لاحقاً، نصح العرموطي الحكومة بسحب القانون ثم تقدم بمقترح مرده بسبب ظروف الحرب وأولويات الأمن الوطني.
لكن رئيس مجلس النواب صوت على مقترح العرموطي، فسقط بالتصويت، ثم سارع بالتصويت على مقترح بتحويل القانون إلى لجنة العمل المختصة، فيما لم تعقد نقاشات القراءة الأولى التي ينص عليها النظام الداخلي، كما يرى النواب الإسلاميون وغيرهم من المستقلين.
تحدثت كتلة جبهة العمل الإسلامي عن مخالفة صريحة للدستور والنظام الداخلي.
وساد لاحقاً خارج القبة جدال نقدي بصيغة عاصفة يعبر عن الخشية من تمرير «القانون الخطير» بعدما تبين أن الحكومة تريد الاستثمار في مخاوف العامة ولا ترغب بسحب مشروع التعديلات؛ بمعنى الاستثمار في الأزمة التي تثيرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والعبور بالقانون لإقراره والخروج به قبل أيلول المقبل، حسب مصادر وزارية.
قد ينظر لإصرار الحكومة هنا باعتباره «انتهازية تشريعية»، والمقصود أن ظروف الحرب لم تمنع لا الحكومة ولا أركان مجلس النواب الأساسيين من العزف على أوتار التوقيت قليلاً لعبور هذا القانون المثير للجدل وسيئ السمعة والصيت، مقدماً على المستوى الشعبي.
النقاشات ذات البعد الإعلامي التي أعقبت الجلسة التي مررت القانون أثارت علامات استفهام سياسية بعنوان له علاقة بمحاولة فهم ما الذي حصل تكتيكياً، ولماذا جازفت الحكومة بمثل هذا التسريع في إقرار القانون في ظرف أمني وإقليمي استثنائي وحاد؟
الأهم: لماذا المجازفة بتحويل سريع لقانون في غاية الأهمية دون قراءة أولى؟
الجواب غير متاح في هذه المرحلة على الأقل، وإن كانت بعض الاجتهادات قد حذرت من «استعراضات الإسلاميين» على أساس أن صيغة «رد القانون» دعائية وليست جوهرية، ونتيجتها ستكون انتقال القانون دستورياً إلى مجلس الأعيان.
برز انطباع بأن كتلة جبهة العمل الإسلامي فقط هي التي تتخذ الموقف الرافض لقانون «لا يريده الشعب». وذلك يعني مراكمة رصيد استثنائي للإسلاميين ولتيارهم عند غالبية المكونات الاجتماعية والشعبية، وهو ما يمكن فهمه من خلال ملاحظات الناخبين العلنية على كتل البرلمان الحزبية الوسطية التي تجاهلت هذا العبور السريع لقانون إشكالي يثير استقطابات حادة.
وفي الخلاصة، واضح تماماً للمراقبين أن طريقة استعراض الإسلاميين لموقفهم ضد القانون خدمتهم على المستوى الشعبي، وإن كانت الشعبوية ليست هي المكان الصحيح لإدارة ملف في غاية الخطورة مثل ملف قانون الضمان الاجتماعي أصبح الجدل حوله حمال أوجه ومثيراً لتساؤلات بالجملة لا تتعلق فقط بالمفاصل الأساسية التي ينص عليها تعديل القانون الجديد.
المسألة لا تتعلق فقط الآن بالقضايا التي تقلق عامة المواطنين مثل «رفع سن التقاعد» أو إلغاء التقاعد المبكر، بل بأسئلة فتحتها طريقة الحكومة، مثل: من يدير الاستثمارات الضخمة في الضمان وعلى أي أساس؟ ما هي أخطاء الماضي التي يتحدث عنها رئيس الوزراء وكيف سيحاسب من ارتكبها؟
مصير القانون في كل حال لم يحسم بعد، والتوقعات سلبية في ضوء الدلالات التي يقترحها العبور بهذا القانون في التوقيت الحالي، وإن كانت الظروف الأمنية ذات البعد الإقليمي من العناصر الأساسية التي تردع المواطن الأردني، خصوصاً إذا ما حاولت بعض القوى النشطة العودة إلى لعبة الشارع. مثل هذا الخيار في مثل هذا التوقيت صعب ومعقد.
مسيرة القانون ملغمة بالتأويلات، والنصوص موجودة بين يدي لجنة العمل التي يفترض أن تدير حواراً مع نحو 45 جهة مدنية وأهلية تمثل أطياف المجتمع خلافاً للاستماع إلى الخبراء.
لكن القانون في نقاشاته ثم تجلياته ولاحقاً تداعياته، يثير العديد من الأسئلة العميقة جداً.